الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قِيمَةِ الْوَلَدِ يَوْمَ الْحُكْمِ لَهُ
وَمَنْ اسْتَحَقَّ أَمَةً قَدْ وَلَدَتْ فَلَهُ قِيمَتُهَا وَقِيمَةُ الْوَلَدِ يَوْمَ الْحُكْمِ وَقِيلَ يَأْخُذُهَا وَقِيمَةُ الْوَلَدِ
ــ
[الفواكه الدواني]
خَاتِمَةٌ) إذَا وَقَعَ الصُّلْحُ مُسْتَوْفِيًا لِشُرُوطِهِ كَانَ لَازِمًا وَلَا يَجُوزُ تَعَقُّبُهُ وَلَوْ ظَهَرَ الْمُصَالَحُ عَنْهُ وَيَمْلِكُهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَّهَمًا بِسَرِقَتِهِ وَيُوجَدُ عِنْدَهُ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ مَالِكُهُ وَيُنْقَضُ الصُّلْحُ، كَمَا يُنْقَضُ إذَا أَقَرَّ الظَّالِمُ بِبُطْلَانِ دَعْوَاهُ بَعْدَ وُقُوعِ الصُّلْحِ، فَإِنَّ لِلْمَظْلُومِ نَقْضُهُ بِلَا خِلَافٍ، أَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ لِلْمَظْلُومِ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ بِهَا، أَوْ اشْهَدُوا عَلَى أَنَّهُ يَقُومُ بِهَا، أَوْ وَجَدَ وَثِيقَةً بَعْدَهُ فَلَهُ نَقْضُهُ كَمَنْ لَمْ يُعْلِنْ أَوْ يُقِرَّ سِرًّا فَقَطْ عَلَى الْأَحْسَنِ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ خَلِيلٌ، وَالشَّيْءُ الْمُصَالَحُ بِهِ يَحِلُّ لِمَنْ أَخَذَهُ إنْ كَانَ مُحِقًّا فِي دَعْوَاهُ وَلَا يَحِلُّ لَهُ إنْ كَانَ ظَالِمًا.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الصُّلْحِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْأَمَةِ الْغَارَّةِ لِزَوْجِهَا بِقَوْلِهِ: (وَالْأَمَةُ الْغَارَّةُ) تَدْعُو رَجُلًا (تَتَزَوَّجُ) هـ (عَلَى) شَرْطِ (أَنَّهَا حُرَّةٌ) فَتَزَوَّجَهَا وَوَلَدَتْ مِنْهُ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهَا أَمَةٌ لِشَخْصٍ لَا يُعْتَقُ وَلَدُهَا عَلَيْهِ (فَلِسَيِّدِهَا أَخْذُهَا) وَلَهُ إبْقَاؤُهَا زَوْجَةً إنْ كَانَ أَذِنَ لَهَا فِي النِّكَاحِ وَفِي اسْتِخْلَافِ رَجُلٍ يَعْقِدُ عَلَيْهَا، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ إذْنٌ بِالنِّكَاحِ أَوْ أَذِنَ لَهَا وَلَمْ يَأْذَنْ فِي اسْتِخْلَافِهَا مَنْ يَعْقِدُ نِكَاحَهَا لَتَحَتَّمَ فَسْخُ نِكَاحِهَا. (وَ) يَجِبُ لَهُ (أَخْذُ قِيمَةِ الْوَلَدِ) مِنْ أَبِيهِ دُونَ مَالِهِ لِتَخَلُّقِهِ عَلَى الْحُرِّيَّةِ.
وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ. (يَوْمَ الْحُكْمِ لَهُ) بِهَا قَالَ خَلِيلٌ: وَوَلَدُ الْمَغْرُورِ الْحُرِّ فَقَطْ حُرٌّ، وَعَلَيْهِ الْأَقَلُّ مِنْ الْمُسَمَّى وَمِنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ، وَقِيمَةُ الْوَلَدِ دُونَ مَالِهِ يَوْمَ الْحُكْمِ إلَّا لِكَجَدِّهِ وَلَا وَلَاءَ لَهُ، وَالْأَمَةُ الْغَارَّةُ لَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ الْقِنَّةِ وَالْمُدَبَّرَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ، لَكِنْ قِيمَةُ الْوَلَدِ تَخْتَلِفُ، فَوَلَدُ الْقِنَّةِ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ عَلَى أَنَّهُ رَقِيقٌ، وَكَذَا وَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ، بِخِلَافِ وَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَةِ فَتُقَوَّمُ عَلَى الْغَرَرِ، وَلِذَا قَالَ خَلِيلٌ: وَعَلَى الْغَرَرِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَةِ وَسَقَطَتْ بِمَوْتِهِ وَالْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ دِيَتُهُ إنْ قُتِلَ أَوْ غَرَّتْهُ أَوْ مَا نَقَصَهَا أَنَّ الْقِنَّةَ كَجُرْحِهِ، وَلِعَدَمِهِ تُؤْخَذُ مِنْ الِابْنِ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ وَلَدٍ مِنْ أَوْلَادِهِ إلَّا قِسْطُهُ، وَوُقِفَتْ قِيمَةُ وَلَدِ الْمُكَاتَبَةِ فَإِنْ أَدَّتْ رَجَعَتْ إلَى الْأَبِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: اعْلَمْ أَنَّ لُزُومَ قِيمَةِ الْوَلَدِ عَامٌّ فِي غُرُورِهَا أَوْ غُرُورِ سَيِّدِهَا أَوْ الْأَجْنَبِيِّ الَّذِي تَوَلَّى نِكَاحَهَا، وَفِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ.
الثَّانِي: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ مَا يَجِبُ لِلْأَمَةِ عَلَى الزَّوْجِ الْمَغْرُورِ، وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ خَلِيلٍ أَنَّ لَهَا الْأَقَلَّ مِنْ الْمُسَمَّى وَمِنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ حَيْثُ كَانَ الْغُرُورُ مِنْهَا وَاخْتَارَ الزَّوْجُ فِرَاقَهَا، وَأَمَّا إنْ اخْتَارَ الْبَقَاءَ عَلَى نِكَاحِهَا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمُسَمَّى، وَلَوْ زَادَ عَلَى صَدَاقِ الْمِثْلِ عَلَى مَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْأُمِّ قَالَ الْعَوْفِيُّ: وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ رَدِّهَا فَلَيْسَ لَهُ التَّمَاسُكُ بِهَا إلَّا بِجَمِيعِ الْمُسَمَّى، كَمَنْ اشْتَرَى سِلْعَتَيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَاطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ بِإِحْدَاهُمَا وَهُوَ وَجْهُ الصَّفْقَةِ وَقَدْ فَاتَتْ الْأُخْرَى وَلَيْسَ وَجْهَ الصَّفْقَةِ، فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ التَّمَاسُكِ بِالْبَاقِي بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ يَرُدُّهُ وَيَرُدُّ قِيمَةَ التَّالِفِ اُنْظُرْ الطِّخِّيخِيَّ، زَادَ الْأُجْهُورِيُّ عَقِبَهُ: وَإِنْ اخْتَارَ إمْسَاكَهَا فَلِيَسْتَبْرِئهَا؛ لِأَنَّهُ الْمَاءُ السَّابِقُ عَلَى الْإِجَارَةِ الْوَلَدُ فِيهِ حُرٌّ وَالْمُتَأَخِّرُ عَنْهَا رَقِيقٌ، وَجَوَازُ إمْسَاكِهَا بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ: خَوْفُ الْعَنَتِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدَّوَامَ كَالِابْتِدَاءِ، وَعَدَمُ الطَّوْلِ، وَوُقُوعُ النِّكَاحِ عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ، وَأَمَّا إنْ كَانَ فَاسِدًا بِأَنْ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنْ سَيِّدِهَا فَإِنَّهُ يُفْسَخُ أَبَدًا وَيَجِبُ لَهَا صَدَاقُ مِثْلِهَا، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْغُرُورُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ فَإِنَّ لَهَا جَمِيعُ الْمُسَمَّى، وَأَمَّا إنْ كَانَ مِنْ سَيِّدِهَا فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْ الزَّوْجِ وَلَوْ قَبَضَهُ سَيِّدُهَا لَرَدَّهُ قَهْرًا عَلَيْهِ وَيَنْبَغِي إلَّا رُبْعَ دِينَارٍ.
الثَّالِثُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ هَلْ لِلزَّوْجِ رُجُوعٌ بِشَيْءٍ مِمَّا غَرِمَهُ لَهَا أَمْ لَا؟ وَمُحَصِّلُهُ: إنْ كَانَ الْمُزَوِّجُ لَهَا وَكِيلَ سَيِّدِهَا وَتَعَدَّى بِغُرُورِ الزَّوْجِ وَلَكِنْ أَخْبَرَ أَنَّهُ غَيْرُ وَلِيٍّ خَاصٍّ أَوْ صَدَرَ الْغُرُورُ مِنْهَا بِأَنْ قَالَتْ أَنَا حُرَّةٌ فَلَا رُجُوعَ لِلزَّوْجِ بِشَيْءٍ مِمَّا غَرِمَهُ لَهَا عَلَى أَحَدٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمُتَوَلِّي لِلْعَقْدِ هُوَ الْغَارُّ وَلَمْ يُخْبِرْ أَنَّهُ غَيْرُ وَلِيٍّ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ مَا غَرِمَهُ لَهَا، وَقِيلَ إلَّا رُبْعَ دِينَارٍ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْغَارِّ بِشَيْءٍ مِنْ قِيمَةِ الْأَوْلَادِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَعَلَى غَارٍّ غَيْرِ وَلِيٍّ تَوَلَّى الْعَقْدَ إلَّا أَنْ يُخْبِرَ أَنَّهُ غَيْرُ وَلِيٍّ.
الرَّابِعُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ: فَلِسَيِّدِهَا أَخْذُهَا مَعْنَاهُ إنْ أَرَادَ الزَّوْجُ،؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ لِلْمَغْرُورِ حَيْثُ وَقَعَ عَقْدُهُ صَحِيحًا بِمَنْزِلَةِ مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً دَلَّسَ عَلَيْهِ بَائِعُهَا يَعِيبُهَا، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِيهَا لِدَاعِي الْحَاجَةِ.
[بَعْض مَسَائِل الِاسْتِحْقَاق]
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى بَعْضِ مَسَائِلَ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ هُوَ لُغَةً إضَافَةُ الشَّيْءِ لِمَنْ يَصْلُحُ بِهِ وَلَدٌ فِيهِ حَقٌّ كَاسْتِحْقَاقِ هَذَا مِنْ الْوَقْفِ مَثَلًا بِوَصْفِ الْفَقْرِ أَوْ الْعِلْمِ، وَأَمَّا شَرْعًا فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: رَفْعُ مِلْكِ شَيْءٍ بِثُبُوتِ مِلْكٍ قَبْلَهُ أَوْ حُرِّيَّةٍ كَذَلِكَ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَرَفْعُ الْمِلْكِ بِالْهِبَةِ وَالْعِتْقِ، وَغَيْرِهِمَا لَا يُسَمَّى اسْتِحْقَاقًا؛ لِأَنَّهُ رَفْعُ مِلْكٍ لَا بِثُبُوتِ مِلْكٍ قَبْلَهُ كَمَا خَرَجَ الرَّفْعُ بِالْمَوْتِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ حُرِّيَّةٍ عَطْفٌ عَلَى مِلْكٍ لِتَدْخُلَ صُورَةُ الِاسْتِحْقَاقِ بِثُبُوتِ الْحُرِّيَّةِ فَقَالَ: (وَمَنْ اسْتَحَقَّ أَمَةً) مِنْ يَدِ حُرٍّ صَاحِبِ شُبْهَةٍ وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَعْلَمْ كَوْنَهُ غَاصِبًا أَوْ مُشْتَرِيًا أَوْ مَوْهُوبًا وَالْحَالُ أَنَّهَا (قَدْ وَلَدَتْ) عِنْدَهُ وَاسْتَمَرَّ وَلَدُهَا حَيًّا (فَلَهُ) أَيْ فَيَجِبُ لِذَلِكَ الْمُسْتَحِقِّ (قِيمَتُهَا وَقِيمَةُ الْوَلَدِ) ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ عَلَى جَمِيعِ الْأَقْوَالِ وَتُعْتَبَرُ تِلْكَ الْقِيمَةُ (يَوْمَ الْحُكْمِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَضَمِنَ قِيمَةَ الْمُسْتَحَقَّةِ وَلَدُهَا يَوْمَ الْحُكْمِ، فَمَا صَدَّرَ بِهِ الْمُصَنِّفُ هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ؛ لِأَنَّ مَالِكًا رَجَعَ إلَيْهِ
وَقِيلَ لَهُ قِيمَتُهَا فَقَطْ إلَّا أَنْ يَخْتَارَ الثَّمَنَ فَيَأْخُذَهُ مِنْ الْغَاصِبِ الَّذِي بَاعَهَا وَلَوْ كَانَتْ بِيَدِ غَاصِبٍ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ مَعَهَا لِرَبِّهَا
وَمُسْتَحِقُّ الْأَرْضِ بَعْدَ أَنْ عَمَرَتْ يَدْفَعُ قِيمَةَ الْعِمَارَةِ قَائِمًا فَإِنْ أَبَى دَفَعَ إلَيْهِ الْمُشْتَرِي قِيمَةَ الْبُقْعَةِ بَرَاحًا فَإِنْ أَبَى كَانَا شَرِيكَيْنِ بِقِيمَةِ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ وَالْغَاصِبُ يُؤْمَرُ بِقَلْعِ بِنَائِهِ وَزَرْعِهِ وَشَجَرِهِ وَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ رَبُّهَا قِيمَةَ
ــ
[الفواكه الدواني]
وَعَلَيْهِ جَمَاعَةٌ وَأَخَذَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا تَكُونُ أُمُّ وَلَدٍ لِمَنْ اسْتَحَقَّتْ مِنْ يَدِهِ وَلَهُ الرُّجُوعُ بِثَمَنِهَا عَلَى بَائِعِهِ وَلَوْ كَانَ غَاصِبًا، سَوَاءٌ سَاوَى مَا غَرِمَهُ لِمُسْتَحِقِّهَا أَوْ زَادَ أَوْ نَقَصَ، وَلَكِنْ مَا قَبَضَهُ رَبُّهَا إنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهَا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِمَا بَقِيَ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ، كَمَا هُوَ قَاعِدَةُ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ إذَا فَاتَ يَجِبُ فِيهِ الْأَكْثَرُ مِنْ الثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ.
(وَقِيلَ) يُقْضَى لِمُسْتَحِقِّهَا بِأَنْ (يَأْخُذَهَا وَقِيمَةَ الْوَلَدِ) وَنُسِبَ لِمَالِكٍ أَيْضًا، وَعَلَى هَذَا لَوْ وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى أَخْذِ قِيمَتِهَا لَكَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ.
(وَقِيلَ لَهُ) أَيْ الْمُسْتَحِقِّ (قِيمَتُهَا فَقَطْ) يَوْمَ وَطْئِهَا وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي وَلَدِهَا (إلَّا أَنْ يَخْتَارَ) مُسْتَحِقُّهَا أَخْذَ (الثَّمَنِ) دُونَ الْقِيمَةِ (فَيَأْخُذُهُ مِنْ الْغَاصِبِ الَّذِي بَاعَهَا) فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْأَقْوَالَ ثَلَاثَةٌ وَكُلُّهَا عَنْ الْإِمَامِ وَأَرْجَحُهَا أَوَّلُهَا كَمَا بَيَّنَّا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ مِنْ يَدِ رَقِيقٍ لَقُضِيَ لِسَيِّدِهَا بِأَخْذِهَا مَعَ وَلَدِهَا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ كَمَا لَوْ كَانَ الْوَلَدُ مِنْ زِنًى، فَلَوْ مَاتَتْ الْأَمَةُ قَبْلَ قِيَامِ الْمُسْتَحِقِّ فَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَا شَيْءَ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي قَوْلِ مَالِكٍ الَّذِي قَالَ فِيهِ يَأْخُذُ قِيمَتَهَا فَقَطْ إذَا وَجَدَهَا حَيَّةً وَهُوَ ثَالِثُ الْأَقْوَالِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي الْوَلَدِ الَّذِي وُجِدَ حَيًّا، وَأَمَّا لَوْ مَاتَ وَلَدُهَا حَتْفَ أَنْفِهِ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ، وَأَمَّا لَوْ قُتِلَ عَمْدًا فَلَا شَيْءَ فِيهِ عَلَى الْأَبِ إنْ اُقْتُصَّ مِنْ قَاتِلِهِ أَوْ عُفِيَ عَنْهُ، لَكِنْ لِلْمُسْتَحِقِّ الرُّجُوعُ عَلَى الْقَاتِلِ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ دِيَتِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَهُ الْأَقَلُّ إنْ أَخَذَ دِيَةً، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: قَدْ وَلَدَتْ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَلِدْ لَكَانَ لِمُسْتَحِقِّهَا أَخْذُهَا عَلَى جَمِيعِ الْأَقْوَالِ وَلَا شَيْءَ عَلَى مُشْتَرِيهَا فِي وَطْئِهَا، وَحَمَلْنَا كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى اسْتِحْقَاقِهَا مِنْ صَاحِبِ الشُّبْهَةِ لِقَوْلِهِ:(وَلَوْ كَانَتْ) الْأَمَةُ الْمُسْتَحِقَّةُ (بِيَدِ غَاصِبٍ) وَهُوَ الَّذِي أَخَذَهَا مِنْ يَدِ مَالِكِهَا قَهْرًا عَلَيْهِ (فَعَلَيْهِ الْحَدُّ) إنْ وَطِيءَ حَيْثُ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِي مَالِ مَالِكِهَا (وَوَلَدُهُ) مِنْهَا (رَقِيقٌ) يَرُدُّ (مَعَهَا لِرَبِّهَا) وَحُكْمُ مَنْ اشْتَرَاهَا مِنْ الْغَاصِبِ عَالِمًا بِأَنَّهُ غَاصِبٌ، كَحُكْمِ الْغَاصِبِ فِي قَطْعِ نَسَبِ الْوَلَدِ وَحْدَهُ حَيْثُ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى إقْرَارٍ بِعِلْمِهِ قَبْلَ الْوَطْءِ أَنَّهَا مَغْصُوبَةٌ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا مُجَرَّدُ إقْرَارٍ مِنْهُ بَعْدَ وَطْئِهَا أَنَّهُ وَطِئَهَا مَعَ عِلْمِهِ بِغَصْبِهَا فَقَالَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ: يُحَدُّ لِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا، وَلَكِنْ يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ لِحَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الْوَلَدِ فِي ثُبُوتِ نَسَبِهِ، وَهَذِهِ إحْدَى الْمَسَائِلِ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيهَا الْحَدُّ، وَلُحُوقُ الْوَلَدِ وَمِثْلُهَا فِي ذَلِكَ عِدَّةُ مَسَائِلَ:
إحْدَاهُنَّ مَنْ يَشْتَرِي مَنْ تُعْتَقُ عَلَيْهِ مِنْ أُخْتٍ أَوْ بِنْتٍ أَوْ أُمٍّ وَيَطَؤُهَا مَعَ إقْرَارِهِ بِالْعِلْمِ بِأَنَّهَا تُعْتَقُ عَلَيْهِ.
ثَانِيَتُهَا: مَنْ يَتَزَوَّجُ امْرَأَةً وَيُوَلِّدُهَا ثُمَّ يُقِرُّ أَنَّهُ كَانَ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ زَوْجٍ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ.
ثَالِثَتُهَا: أَنْ يَتَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ مَحْرَمٍ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ صِهَارَةٍ وَيُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَوَطِئَهَا عَالِمًا بِحُرْمَةِ ذَلِكَ.
وَرَابِعَتُهَا: أَنْ يَتَزَوَّجَ وَيُولَدَ لَهُ ثُمَّ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ تَزَوَّجَ بِهَا وَمَعَهُ أَرْبَعٌ وَوَطِئَهَا عَالِمًا بِحُرْمَةِ ذَلِكَ، فَجُمْلَةُ الْمَسَائِلِ مَعَ مَسْأَلَةِ الْمُصَنِّفِ خَمْسٌ خَارِجَةٌ عَنْ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ حَدَّ الْوَاطِئِ يَقْتَضِي أَنَّهُ زَانٍ، وَالْمُتَخَلِّقُ مِنْ مَاءِ الزِّنَا لَا يَلْحَقُ بِصَاحِبِ الْمَاءِ شَرْعًا، وَلَعَلَّ وَجْهَ لُحُوقِ الْوَلَدِ اسْتِنَادُ الْوَطْءِ لِعَقْدٍ فِي الْجُمْلَةِ وَلَزِمَهُ الْحَدُّ لِضَعْفٍ فِي الشُّبْهَةِ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى أَحْكَامِ الْأَمَةِ الْمُسْتَحِقَّةِ شَرَعَ فِي أَحْكَامِ غَيْرِهَا مِنْ الْمُسْتَحَقَّاتِ فَقَالَ: (وَمُسْتَحِقُّ الْأَرْضِ) مِنْ يَدِ صَاحِبِ شُبْهَةٍ بِمِلْكٍ (بَعْدَ أَنْ عَمَرَتْ) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ عَمَرَهَا صَاحِبُ الشُّبْهَةِ بِالْبِنَاءِ أَوْ الْغَرْسِ فَالْمُسْتَحِقُّ لَهَا بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ (يَدْفَعَ قِيمَةَ الْعِمَارَةِ) أَيْ مَا عَمَرَتْ بِهِ حَالَةَ كَوْنِ الْبِنَاءِ (قَائِمًا) ؛ لِأَنَّهُ وَضَعَهُ بِوَجْهِ شُبْهَةٍ وَلَوْ كَانَ اشْتَرَاهَا مِنْ غَاصِبٍ حَيْثُ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ بِالْغَصْبِ، وَقَوْلُهُ: قَائِمًا أَيْ عَلَى التَّأْبِيدِ الْغَيْرِ الْمُغَيَّا إنْ كَانَ الْبَانِي مُشْتَرِيًا مَثَلًا، أَوْ عَلَى التَّأْبِيدِ الْمُغَيَّا بِحَدٍّ إنْ كَانَ الْبَانِي مُسْتَأْجِرًا أَوْ مُسْتَعِيرًا لِلْأَرْضِ وَحَصَلَ الِاسْتِحْقَاقُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ. (فَإِنْ أَبَى) الْمُسْتَحِقُّ مِنْ دَفْعِ قِيمَةِ الْبِنَاءِ قَائِمًا (دَفَعَ إلَيْهِ الْمُشْتَرِي) صَاحِبُ الشُّبْهَةِ (قِيمَةَ الْبُقْعَةِ بَرَاحًا) أَيْ خَالِيَةً مِمَّا عَمَرَتْ بِهِ. (فَإِنْ أَبَى) الْمُشْتَرِي أَيْضًا أَوْ كَانَ عَدِيمًا (كَانَا) أَيْ الْمُسْتَحِقُّ وَالْمُسْتَحَقُّ مِنْهُ (شَرِيكَيْنِ بِقِيمَةِ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ) الْمُرَادُ مِنْهُمَا فَالْمُسْتَحِقُّ بِقِيمَةِ أَرْضِهِ خَرِبَةً وَصَاحِبُ الشُّبْهَةِ بِقِيمَةِ عِمَارَتِهِ، وَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ كُلٍّ يَوْمَ الْحُكْمِ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْأَرْضِ مِائَةً وَقِيمَةُ الْبِنَاءِ أَوْ الْغَرْسِ كَذَلِكَ كَانَا شَرِيكَيْنِ بِالْمُنَاصَفَةِ.
وَقَدْ أَشَارَ خَلِيلٌ إلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ غَرَسَ أَوْ بَنَى قِيلَ لِلْمَالِكِ أَعْطِهِ قِيمَتَهُ قَائِمًا، وَإِنْ أَبَى فَلَهُ دَفْعُ قِيمَةِ الْأَرْضِ فَإِنْ أَبَى فَشَرِيكَانِ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ الْحُكْمِ. وَيُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ فِيمَنْ اشْتَرَى ثَوْبًا فَرَقَّعَهُ أَوْ سَفِينَةً خَرِبَةً وَأَصْلَحَهَا أَوْ ثَوْبًا وَصَبَغَهُ، وَقَيَّدْنَا الِاسْتِحْقَاقَ بِالْمِلْكِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الِاسْتِحْقَاقِ بِالْحَبْسِ فَلَيْسَ حُكْمُهُ كَذَلِكَ، وَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: إلَّا الْمُحْبَسَةَ فَالنَّقْضُ وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ اسْتَحَقَّ أَرْضًا مِنْ يَدِ صَاحِبِ شُبْهَةٍ بِوَقْفٍ بَعْدَ أَنْ بَنَاهَا أَوْ غَرَسَهَا مُشْتَرِيهَا فَلَيْسَ لِلْبَانِي أَوْ الْغَارِسِ إلَّا نَقْضُهُ أَوْ شَجَرَةً، إذْ لَا يَجُوزُ لَهُ دَفْعُ قِيمَةِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى بَيْعِ الْوَقْفِ، وَلَيْسَ لَنَا وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ
ذَلِكَ النَّقْضِ وَالشَّجَرِ مُلْقًى بَعْدَ قِيمَةِ أَجْرِ مَنْ يَقْلَعُ ذَلِكَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيمَا لَا قِيمَةَ لَهُ بَعْدَ الْقَلْعِ وَالْهَدْمِ
وَيَرُدُّ الْغَاصِبُ الْغَلَّةَ وَلَا يَرُدُّهَا غَيْرُ الْغَاصِبِ وَالْوَلَدُ فِي الْحَيَوَانِ وَفِي الْأَمَةِ إذَا كَانَ الْوَلَدُ مِنْ غَيْرِ السَّيِّدِ يَأْخُذُهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْأُمَّهَاتِ
ــ
[الفواكه الدواني]
يُطَالِبُهُ الْبَانِي بِقِيمَةِ بِنَائِهِ أَوْ غَرْسِهِ قَائِمًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْحَبْسُ عَلَى مُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رضي الله عنه أَقْطَعَ رَجُلًا أَرْضًا فَأَحْيَاهَا وَغَرَسَ فِيهَا، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَاسْتَحَقَّهَا، وَاخْتَصَمَا فِي ذَلِكَ إلَى عُمَرَ رضي الله عنه فَقَضَى لِلْأَوَّلِ أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَةَ مَا أَحْيَا، فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ، فَقَالَ لِلْآخَرِ: أَعْطِهِ قِيمَةَ أَرْضِهِ بَيْضَاءَ فَلَمْ يَفْعَلْ، فَقَضَى أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ بَيْنَهُمَا، هَذَا بِقِيمَةِ أَرْضِهِ وَهَذَا بِقِيمَةِ عِمَارَتِهِ. وَإِنَّمَا بَدَأَ بِصَاحِبِ الْأَرْضِ بِالْخِيَارِ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى سَبَبًا لِكَوْنِ الْأَرْضِ لَهُ، وَانْتَقَلَ الْخِيَارُ لِلْبَانِي إذَا أَبَى الْمُسْتَحِقُّ لِيَزُولَ الضَّرَرُ عَنْهُمَا وَكَانَا شَرِيكَيْنِ إذَا أَبَيَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا لَهُ حَقٌّ لَا يَجُوزُ إبْطَالُ حَقِّ الْآخَرِ لَهُ، وَإِنَّمَا جَعَلْنَا الِاسْتِحْقَاقَ مِنْ يَدِ صَاحِبِ شُبْهَةٍ لِقَوْلِهِ هُنَا:(وَالْغَاصِبُ) لِعَرْصَةٍ وَيَبْنِيهَا أَوْ يَغْرِسُهَا ثُمَّ يَتَمَكَّنُ صَاحِبُهَا مِنْهَا (يُؤْمَرُ) أَيْ الْغَاصِبُ (بِقَلْعِ بِنَائِهِ وَزَرْعِهِ وَشَجَرِهِ) إنْ كَانَ يَنْتَفِعُ بِهِ، وَيُؤْمَرُ أَيْضًا بِتَسْوِيَةِ الْأَرْضِ مِثْلَ مَا كَانَتْ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:«عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» .
وَبَنَى يُؤْمَرُ لِلْمَجْهُولِ لِلْعِلْمِ بِفَاعِلِ ذَلِكَ وَهُوَ الْمَالِكُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (وَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ رَبُّهَا) أَيْ رَبُّ الْأَرْضِ (قِيمَةَ ذَلِكَ النِّقْضِ) بِكَسْرِ النُّونِ بِمَعْنَى الْمَنْقُوضِ كَالذِّبْحِ بِالْكَسْرِ بِمَعْنَى الْمَذْبُوحِ.
(وَ) قِيمَةَ (الشَّجَرِ مُلْقًى) أَيْ مَقْلُوعًا؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ ظَالِمٌ، وَسَوَاءٌ كَانَ الشَّجَرُ يَنْبُتُ بَعْدَ قَلْعِهِ أَمْ لَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ كُلِّ مَا ذُكِرَ (بَعْدَ) أَنْ يَسْقُطَ مِنْهَا (قِيمَةُ) أَيْ (أَجْرِ مَنْ يَقْلَعُ ذَلِكَ) أَوْ يَهْدِمُ الْبِنَاءَ إنْ لَمْ يَكُنْ شَأْنُ الْغَاصِبِ أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِعَبِيدِهِ، وَإِلَّا دَفَعَ قِيمَةَ الْأَنْقَاضِ أَوْ الشَّجَرِ بِتَمَامِهَا.
مِثَالٌ يُوَضِّحُ ذَلِكَ: أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الْأَنْقَاضِ أَوْ الْأَشْجَارِ بَعْدَ قَلْعِهَا عَشَرَةً وَأُجْرَةُ مَنْ يَقْلَعُهَا أَرْبَعَةً، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَدْفَعُ لَهُ الْمُسْتَحِقُّ سِتَّةً، وَإِنْ كَانَ شَأْنُ الْغَاصِبِ مُبَاشَرَةَ ذَلِكَ تُدْفَعُ لَهُ الْعَشَرَةُ، وَأَشَارَ خَلِيلٌ إلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ: وَفِي بِنَائِهِ فِي أَخْذِهِ وَدَفْعِ قِيمَةِ نَقْضِهِ بَعْدَ إسْقَاطِ كُلْفَةٍ لَمْ يَتَوَلَّهَا.
وَالشِّقُّ الثَّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أَوْ يَأْمُرُهُ بِقَلْعِهِ وَتَسْوِيَةِ مَحَلِّهِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُسْتَحِقِّ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّهُ مَظْلُومٌ وَأَيْضًا هُوَ صَاحِبُ الْأَصْلِ، وَسَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ أُجْرَةِ الْأَرْضِ قَبْلَ الظَّفَرِ بِالْغَاصِبِ، وَالْحُكْمُ أَنَّهَا تَجِبُ لِلْمُسْتَحِقِّ عَلَى الْغَاصِبِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَكِرَاءُ أَرْضٍ تَنْبُتُ وَبِنَاؤُهَا اسْتِعْمَالٌ.
قَالَ خَلِيلٌ أَيْضًا: وَغَلَّةُ مُسْتَعْمَلٍ فَتَسْقُطُ عَنْ الْمُسْتَحِقِّ مِنْ قِيمَةِ الْأَنْقَاضِ، كَمَا تَسْقُطُ أُجْرَةُ مَنْ يَتَوَلَّى قَلْعَهَا عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا لَوْ غَصَبَ شَيْئًا وَلَمْ يَسْتَعْمِلْهُ كَدَارٍ قَفَلَهَا أَوْ أَرْضٍ بَوَّرَهَا فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ الْغَلَّةَ، بِخِلَافِ الْمُتَعَدِّي وَهُوَ الَّذِي يُرِيدُ أَخْذَ الْمَنْفَعَةِ دُونَ تَمَلُّكِ الذَّاتِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَةَ الْمَنْفَعَةِ وَلَوْ عَطَّلَهَا، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا قَلْعَ الْبِنَاءِ وَالزَّرْعِ وَالشَّجَرِ بِالْمُنْتَفَعِ بِهِ بَعْدَ قَلْعِهِ لِقَوْلِهِ:(وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ لِلْغَاصِبِ (فِيمَا لَا قِيمَةَ لَهُ) مِنْ زَرْعِهِ أَوْ غَرْسِهِ أَوْ بِنَائِهِ (بَعْدَ الْقَلْعِ وَالْهَدْمِ) مِثْلُ الْبَيَاضِ وَالنَّقْشِ أَوْ الزَّرْعِ أَوْ الشَّجَرِ قَبْلَ بُلُوغِهِ حَدَّ الِانْتِفَاعِ أَوْ الْبِنَاءِ الْكَائِنِ بِالطُّوبِ النِّيءِ كَمَا فِي بِلَادِ الْأَرْيَافِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ زَرَعَ فَاسْتُحِقَّتْ فَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِالزَّرْعِ أُخِذَ بِلَا شَيْءٍ وَإِلَّا فَلَهُ، فَلَعَلَّهُ إنْ لَمْ يُفْتِ وَقْتَ مَا تُرَادُ لَهُ وَإِلَّا فَكِرَاءُ السَّنَةِ كَذِي شُبْهَةٍ وَمُقَابِلٍ فَلَهُ قَلْعُهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَخْذُهُ بِقِيمَتِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى إبْقَائِهِ فِي الْأَرْضِ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ لَهُ الْكِرَاءَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى بَيْعِ الزَّرْعِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ عَلَى التَّبْقِيَةِ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَمَّا كَانَ قَادِرًا عَلَى أَخْذِهِ مَجَّانًا فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَوْ بِقِيمَتِهِ مَقْلُوعًا فِي الْقِسْمِ الثَّانِي يُعَدُّ بَائِعًا لَهُ، وَأَمَّا إذَا فَاتَ وَقْتُ مَا تُرَادُ لَهُ مِنْ جِنْسِ مَا زَرَعَ فِيهَا فَلَيْسَ لِرَبِّ الْأَرْضِ إلَّا كِرَاءُ السَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي قَلْعِهِ حِينَئِذٍ، وَأَمَّا قَوْلُهُ كَذِي شُبْهَةٍ فَهُوَ تَشْبِيهٌ فِي لُزُومِ كِرَاءِ السَّنَةِ لَا بِقَيْدِ فَوَاتِ الْإِبَّانِ بَلْ بِقَيْدِ بَقَائِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ فَاتَ الْإِبَّانُ لَمْ يُتْبَعْ صَاحِبُ الشُّبْهَةِ؛ لِأَنَّهُ يَفُوزُ بِالْغَلَّةِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي حُكْمِ مَنْ اغْتَلَّ شَيْئًا لَيْسَ مَمْلُوكًا لَهُ بِقَوْلِهِ: (وَيَرُدُّ الْغَاصِبُ) وَمِثْلُهُ اللِّصُّ الْمَعْرُوفُ بِالسَّارِقِ، وَكَذَا الْخَائِنُ وَالْمُخْتَلِسُ وَنَحْوُهُمْ مِنْ كُلِّ مَنْ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيمَا اغْتَلَّهُ.
(الْغَلَّةَ) الَّتِي اسْتَوْفَاهَا مِنْ الذَّوَاتِ الْمَمْلُوكَةِ لِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهِ الْحَرَامِ، وَصِفَةُ رَدِّهَا أَنْ يَرُدَّ مِثْلَهَا إنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً مَعْلُومَةَ الْكَمِّ، كَأَشْجَارٍ جَذَّ ثِمَارَهَا، وَأَغْنَامٍ جَزَّ صُوفَهَا، وَمَوَاشٍ اسْتَوْفَى أَلْبَانَهَا، وَإِنْ جُهِلَتْ الْكَمِّيَّةُ أَوْ كَانَتْ مُقَوَّمَةً فَتُرَدُّ الْقِيمَةُ، وَفِي الْغَلَّةِ تَفْصِيلٌ مُحَصِّلُهُ أَنَّ غَلَّةَ نَحْوِ الْعَبْدِ وَسَائِرِ الدَّوَابِّ وَالدَّارِ وَالْأَرْضِ وَغَيْرِهَا مِمَّا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا بِالِاسْتِعْمَالِ فَلَا تَلْزَمُ غَلَّتُهُ إلَّا بِاسْتِعْمَالِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَغَلَّةُ مُسْتَعْمِلٍ، وَأَمَّا لَوْ عَطَّلَ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ بِأَنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْ الدَّابَّةَ وَلَا زَرْعَ الْأَرْضِ فَلَا يَلْزَمُهُ أُجْرَتُهَا فِي مُدَّةِ اسْتِيلَائِهِ عَلَيْهَا، وَأَمَّا الْغَلَّةُ الَّتِي تَنْشَأُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيكٍ كَثَمَرِ الشَّجَرِ وَصُوفِ الْغَنَمِ وَلَبَنِ الْبَقَرِ فَهَذَا يَرُدُّهُ الْغَاصِبُ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ، وَأَمَّا رِبْحُ الْمَالِ الْمَغْصُوبِ وَنَمَاءُ الْبَذْرِ الْمَغْصُوبِ فَلَا يَلْزَمُ؛ لِأَنَّ الْمِثْلِيَّ الْوَاجِبَ رَدُّ مِثْلِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ خَلِيلٍ: وَلَوْ كَانَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الْمَالُ تَاجِرًا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
(تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لُزُومُ رَدِّ الْغَلَّةِ وَلَوْ كَانَتْ الذَّاتُ الْمَغْصُوبَةُ ذَهَبَتْ، وَلُزُومُ الْغَاصِبِ قِيمَتَهَا.
وَفِي
مِنْ يَدِ مُبْتَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ
وَمَنْ غَصَبَ أَمَةً ثُمَّ وَطِئَهَا فَوَلَدُهُ رَقِيقٌ وَعَلَيْهِ الْحَدُّ
وَإِصْلَاحُ السُّفْلِ عَلَى صَاحِبِ السُّفْلِ وَالْخَشَبُ لِلسَّقْفِ عَلَيْهِ وَتَعْلِيقُ الْغُرَفِ عَلَيْهِ إذَا وَهِيَ السُّفْلُ وَهُدِمَ حَتَّى يُصْلَحَ وَيُجْبَرَ عَلَى أَنْ يُصْلِحَ أَوْ يَبِيعَ مِمَّنْ يُصْلِحُ وَلَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فَلَا يَفْعَلُ مَا يَضُرُّ بِجَارِهِ مِنْ فَتْحِ كُوَّةٍ قَرِيبَةٍ يَكْشِفُ جَارَهُ مِنْهَا أَوْ فَتْحِ بَابٍ قُبَالَةَ بَابِهِ أَوْ
ــ
[الفواكه الدواني]
الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ، وَالْمُعْتَمَدُ مِنْهُمَا أَنَّ الْغَلَّةَ لَا يَلْزَمُ الْغَاصِبَ رَدُّهَا إلَّا إذَا رُدَّتْ الذَّاتُ الْمَغْصُوبَةُ، وَأَمَّا لَوْ فَاتَتْ وَلَزِمَ الْغَاصِبَ قِيمَتُهَا فَلَا يُتْبَعُ بِغَلَّتِهَا؛ لِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ قِيمَتَهَا تُعْتَبَرُ يَوْمَ الِاسْتِيلَاءِ، فَقَدْ كَشَفَ الْغَيْبُ أَنَّهُ اسْتَغَلَّ مِلْكَهُ.
الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لُزُومُ رَدِّ الْغَاصِبِ الْغَلَّةَ، وَلَوْ كَانَ الْمَغْصُوبُ يَحْتَاجُ إلَى نَفَقَةٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إذَا كَانَ يَحْتَاجُ إلَى نَفَقَةٍ إنَّمَا يَرُدُّ الزَّائِدَ مِنْهَا عَلَى النَّفَقَةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَمَا أَنْفَقَ فِي الْغَلَّةِ أَيْ مَحْصُورٌ فِيهَا لَا يَتَجَاوَزُهَا إلَى الذَّاتِ الْمَغْصُوبَةِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ غَلَّةٌ ضَاعَتْ النَّفَقَةُ عَلَى الْغَاصِبِ وَلَا يَرْجِعُ بِهَا فِي الذَّاتِ الْمَغْصُوبَةِ؛ لِأَنَّهُ ظَالِمٌ، وَلَا يُقَالُ: هُوَ قَدْ قَامَ عَنْ رَبِّهَا بِوَاجِبٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: هُوَ دَاخِلٌ مَحَلَّ ضَيَاعِ مَالِهِ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ طَرِيقٍ شَرْعِيٍّ، وَمَا نَقَلَهُ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْأُجْهُورِيُّ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ كَلَامِ خَلِيلٍ فَرَاجِعْهُ فِي الْمُطَوَّلَاتِ.
الثَّالِثُ: إذَا عَلِمْت مَا قَرَّرْنَاهُ لَك ظَهَرَ لَك مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْإِجْمَالِ فِي رَدِّ الْغَلَّةِ حَيْثُ لَمْ يُقَيِّدْ لُزُومَ رَدِّهَا بِرَدِّ الذَّاتِ الْمَغْصُوبَةِ، وَلَمْ يُقَيِّدْ لُزُومَهَا أَيْضًا بِالِاسْتِعْمَالِ كَمَا قَالَ خَلِيلٌ، وَلَمَّا كَانَ الْغَاصِبُ ظَالِمًا لَا حَقَّ لِتَعَبِهِ كُلِّفَ بِرَدِّ الْغَلَّةِ، بِخِلَافِ صَاحِبِ الشُّبْهَةِ لَا ظُلْمَ عِنْدَهُ فَلِذَا لَا يَرُدُّهَا كَمَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ:(وَلَا يَرُدُّهَا) أَيْ الْغَلَّةَ (غَيْرُ الْغَاصِبِ) وَالْمُرَادُ بِهِ صَاحِبُ الشُّبْهَةِ وَلَوْ كَانَ مُشْتَرِيًا مِنْ الْغَاصِبِ حَيْثُ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ، وَمِثْلُهُ مَوْهُوبُهُ وَمِثْلُهُ مَجْهُولُ الْحَالِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالْغَلَّةُ لِذِي الشُّبْهَةِ أَوْ الْمَجْهُولِ لِلْحُكْمِ، وَأَمَّا مَنْ اشْتَرَى مِنْ الْغَاصِبِ أَوْ الْقَابِلِ لِلْهِبَةِ مِنْ الْغَاصِبِ مَعَ عِلْمِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْغَصْبِ فَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ، بِخِلَافِ وَارِثِ الْغَاصِبِ فَإِنَّهُ لَا يَفُوزُ بِالْغَلَّةِ وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْغَصْبِ، وَلَمَّا كَانَ الْوَلَدُ غَيْرَ غَلَّةٍ قَالَ:(وَالْوَلَدُ) مُبْتَدَأٌ وَصِفَتُهُ (فِي الْحَيَوَانِ) الْبَهِيمِيِّ.
(وَ) كَذَا (فِي الْأَمَةِ إذَا كَانَ الْوَلَدُ مِنْ غَيْرِ السَّيِّدِ) أَيْ غَيْرِ الْمُسْتَحَقِّ مِنْهُ الْحُرُّ بِأَنْ كَانَ مِنْ زَوْجٍ أَوْ مِنْ زِنًا أَوْ مِنْ الْمُسْتَحَقِّ مِنْهُ الرَّقِيقُ وَخَبَرُ الْمُبْتَدَأِ (يَأْخُذُهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْأُمَّهَاتِ مِنْ يَدِ مُبْتَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِغَلَّةٍ بَلْ بِمَنْزِلَةِ جُزْءٍ مِنْ أُمِّهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ وَلَدُ الْأَمَةِ مِنْ يَدِ الْحَائِزِ لَهَا وَهُوَ الْمُرَادُ بِالسَّيِّدِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَتَقَدَّمَ أَنَّهُ حُرٌّ بِاتِّفَاقِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ الْمُسْتَحِقُّ قِيمَتَهُ مِنْ قِيمَةِ أُمِّهِ عَلَى الْمَشْهُورِ
وَلَمَّا كَانَ وَاطِئُ الْأَمَةِ غَصْبًا لَيْسَ كَوَاطِئِ الْحُرَّةِ فِي لُزُومِ الصَّدَاقِ لَهُ قَالَ: (وَمَنْ غَصَبَ أَمَةً) لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ (ثُمَّ وَطِئَهَا فَوَلَدُهُ) مِنْهَا (رَقِيقٌ) لِسَيِّدِهَا (وَعَلَيْهِ الْحَدُّ) وَلَا صَدَاقَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ أَرْشُ نَقْصِهَا بِوَطْئِهِ، وَإِنَّمَا لَزِمَهُ الْحَدُّ لِصِدْقِ الزَّانِي عَلَيْهِ، وَهُوَ الْوَاطِئُ فَرْجَ آدَمِيٍّ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ بِاتِّفَاقٍ تَعَمُّدًا، وَالْمُرَادُ بِالْغَصْبِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْقَهْرُ عَلَى الْوَاطِئِ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ تَمَلُّكَ ذَاتِهَا
وَلَمَّا كَانَ بَيْنَ الْمُسْتَحِقِّ وَالْمُسْتَحَقِّ مِنْهُ وَبَيْنَ صَاحِبِ الْأَعْلَى وَصَاحِبِ السُّفْلِ مُنَاسَبَةٌ فِي الْقَضَاءِ قَالَ: (وَإِصْلَاحُ السُّفْلِ) الْوَاهِي إذَا كَانَ عَلَيْهِ عُلُوٌّ لِأَجْنَبِيٍّ (عَلَى صَاحِبِ السُّفْلِ وَالْخَشَبِ) الْمُعَدِّ (لِلسَّقْفِ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى صَاحِبِ السُّفْلِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ أَرْضٌ لِلْأَعْلَى.
(وَ) كَذَا (تَعْلِيقُ الْغُرَفِ) الْكَائِنَةِ عَلَى سَقْفِهِ الْأَسْفَلِ لِغَيْرِهِ. (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى صَاحِبِ الْأَسْفَلِ (إذَا وَهِيَ) أَيْ ضَعُفَ (السُّفْلُ وَهُدِمَ) أَيْ أَوْ انْهَدَمَ، فَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ، وَيَسْتَمِرُّ تَعْلِيقُ الْأَعْلَى عَلَى صَاحِبِ الْأَسْفَلِ (حَتَّى يُصْلِحَ) الْوَاهِيَ أَوْ يُعِيدَ الْمُنْهَدِمَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَعَلَيْهِ التَّعْلِيقُ وَالسَّقْفُ وَكَنْسُ مِرْحَاضٍ، وَإِنَّمَا لَزِمَ صَاحِبَ الْأَسْفَلِ تَعْلِيقُ الْأَعْلَى الْمَمْلُوكِ لِغَيْرِهِ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الْأَسْفَلَ أَرْضٌ لِلْأَعْلَى، وَلِذَا يَلْزَمُهُ سَقْفُهُ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ الْأَعْلَى هَكَذَا مَوْضُوعًا عَلَى الْأَسْفَلِ، أَوْ بَاعَهُ هَوَاءً عَلَى ظَهْرِ الْأَسْفَلِ، وَلَا يُمْكِنُ الْبُنْيَانُ فِي الْهَوَاءِ إلَّا بَعْدَ بِنَاءِ الْأَسْفَلِ، وَلِذَلِكَ إذَا تَنَازَعَ صَاحِبُ الْأَسْفَلِ مَعَ صَاحِبِ الْأَعْلَى فِي السَّقْفِ فَإِنَّهُ يُقْضَى بِهِ لِصَاحِبِ الْأَسْفَلِ، بِخِلَافِ الْبَلَاطِ الْكَائِنِ فَوْقَ السَّقْفِ فَلَا يُقْضَى بِهِ عَلَى صَاحِبِ الْأَسْفَلِ، وَلَا يُقْضَى لَهُ بِهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ، وَأَشَارَ خَلِيلٌ إلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ: وَبِالسَّقْفِ لِلْأَسْفَلِ وَبِالدَّابَّةِ لِلرَّاكِبِ لَا لِلْمُتَعَلِّقِ بِلِجَامِهَا إلَّا لِقَرِينَةٍ، وَلَا فَرْقَ فِي تِلْكَ الْأَحْكَامِ بَيْنَ الْمِلْكِ وَالْوَقْفِ، لِتَنَزُّلِ نَاظِرِ الْوَقْفِ مَنْزِلَةَ الْمَالِكِ، فَإِذَا كَانَ الْأَعْلَى مَمْلُوكًا وَالْأَسْفَلُ مَوْقُوفًا لَزِمَ النَّاظِرَ إصْلَاحُ الْأَسْفَلِ لِحِفْظِ الْأَعْلَى.
(وَ) إذَا امْتَنَعَ صَاحِبُ الْأَسْفَلِ مِنْ الْإِصْلَاحِ أَوْ التَّعْلِيقِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ (يُجْبَرُ) بِالْقَضَاءِ (عَلَى أَنْ يُصْلِحَ أَوْ يَبِيعَ مِمَّنْ يُصْلِحُ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا سَقَطَ الْعُلُوُّ عَلَى الْأَسْفَلِ فَهُدِمَ أُجْبِرَ رَبُّ الْأَرْضِ عَلَى أَنْ يَبْنِيَهُ أَوْ يَبِيعَهُ مِمَّنْ يَبْنِي حَتَّى يَتَمَكَّنَ صَاحِبُ الْعُلُوِّ مِنْ بِنَاءِ عُلُوِّهِ، فَإِنْ بَاعَهُ لِشَخْصٍ وَامْتَنَعَ أَيْضًا فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالْإِصْلَاحِ أَوْ الْبَيْعِ مِمَّنْ يُصْلِحُ وَهَكَذَا، وَالْمُرَادُ بِالْأَسْفَلِ مَا نَزَلَ عَنْ غَيْرِهِ لِيَشْمَلَ الْأَوْسَطَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا فَوْقَهُ، وَمِثْلُ صَاحِبِ الْأَسْفَلِ وَالْأَعْلَى الشُّرَكَاءُ فِيمَا لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ كَطَاحُونٍ وَحَمَّامٍ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَقُضِيَ عَلَى شَرِيكٍ فِيمَ لَا يَنْقَسِمُ أَنْ يُعَمِّرَ أَوْ يَبِيعَ مِمَّنْ يُعَمِّرُ كَذِي سُفْلٍ إنْ وَهِيَ، وَلَا
حَفْرِ مَا يَضُرُّ بِجَارِهِ فِي حَفْرِهِ وَإِنْ كَانَ فِي مِلْكِهِ وَيُقْضَى بِالْحَائِطِ لِمَنْ إلَيْهِ الْقِمْطُ وَالْعُقُودُ وَلَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ
ــ
[الفواكه الدواني]
فَرْقَ فِيمَا لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْمِلْكِ وَالْوَقْفِ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ لِمَا تَقَدَّمَ وَلِمَا يَأْتِي بِقَوْلِهِ فِي الْمُوَطَّإِ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ فَقِيلَ: هُمَا لَفْظَانِ مُتَرَادِفَانِ، وَقِيلَ: مَعْنَى لَا ضَرَرَ أَنَّك لَا تَضُرُّ مَنْ لَمْ يَضُرَّك، وَمَعْنَى لَا ضِرَارَ لَا تَضُرُّ مَنْ ضَرَّك، وَفُرِّعَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْمُضَارَرَةِ قَوْلُهُ:(فَلَا يَفْعَلُ مَا يَضُرُّ بِجَارِهِ) لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ» .
وَفِي آخَرَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إلَى جَارِهِ» .
وَفِي آخَرَ: «وَاَللَّهِ لَا يُؤْمِنُ وَاَللَّهِ لَا يُؤْمِنُ وَاَللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» وَالْمُرَادُ بِبَوَائِقِهِ شَرُّهُ.
وَفِي حَدِيثٍ: «مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعَانُ وَجَارُهُ جَائِعٌ إلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ» .
وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْت أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» ، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم «أَرْبَعٌ مِنْ السَّعَادَةِ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ، وَالْجَارُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الْهَنِيءُ، وَأَرْبَعٌ مِنْ الشَّقَاوَةِ بِمَعْنَى التَّعَبِ وَالْمَشَقَّةِ: الْجَارُ السُّوءُ، وَالْمَرْأَةُ السُّوءُ، وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ، وَالْمَسْكَنُ الضَّيِّقُ» .
وَالْمُرَادُ بِالْجَارِ مَنْ كَانَ بِجَوَانِبِك الْأَرْبَعِ، وَاخْتُلِفَ فِي حَدِّ الْجِيرَةِ فَقِيلَ أَرْبَعُونَ دَارًا مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: جَارٌ لَهُ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ، وَجَارٌ لَهُ حَقَّانِ، وَجَارٌ لَهُ حَقٌّ وَاحِدٌ.
فَالْأَوَّلُ: الْمُسْلِمُ الْقَرِيبُ.
وَالثَّانِي: الْمُسْلِمُ الْأَجْنَبِيُّ.
وَالثَّالِثُ: الذِّمِّيُّ غَيْرُ الْقَرِيبِ.
ثُمَّ بَيَّنَ مَا بِهِ الضَّرَرُ بِقَوْلِهِ: (مِنْ فَتْحِ كَوَّةٍ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَشَدِّ الْوَاوِ أَيْ طَاقَةٍ (قَرِيبَةٍ) مِنْ مَنْزِلِ جَارِهِ (يَكْشِفُ) أَيْ يَنْظُرُ (جَارَهُ مِنْهَا) انْكِشَافًا قَوِيًّا بِحَيْثُ يُمَيِّزُ الذَّكَرَ مِنْ الْأُنْثَى، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ بَعِيدَةً عَنْ مَحَلِّ الْجَارِ أَوْ عَلَى غَايَةٍ مِنْ الِارْتِفَاعِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعَ مِنْهَا أَوْ قَرِيبَةً لَكِنْ جَعَلَ حَائِلًا يَمْنَعُ الْكَشْفَ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ فَتْحِهَا فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ، وَإِنْ فَتَحَ مَا يُمْنَعُ فَتْحُهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِسَدِّهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَقُضِيَ بِسَدِّ كُوَّةٍ فُتِحَتْ أُرِيدَ سَدُّ خَلْفِهَا بَلْ يَجِبُ طَمْسُهَا وَقَلْعُ عَتَبَتِهَا، وَمَفْهُومُ فُتِحَتْ أَنَّ الْكُوَّةَ السَّابِقَةَ عَلَى بَيْتِ الْجَارِ لَا يُقْضَى بِسَدِّهَا، وَلَكِنْ يُمْنَعُ مِنْ التَّطَلُّعِ عَلَى الْجَارِ مِنْهَا، وَالْمُتَنَازَعُ فِي قِدَمِهِ وَحُدُوثِهِ يُحْمَلُ عَلَى الْحُدُوثِ فَيُقْضَى بِسَدِّهِ، وَاخْتُلِفَ إذَا فَتَحَ كُوَّةً مِنْ حَائِطِهِ بِحَيْثُ يَكْشِفُ عَلَى بُسْتَانِ جَارِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ، بِخِلَافِ الِاطِّلَاعِ عَلَى مَزَارِعِ الْجَارِ فَلَا نِزَاعَ فِي جَوَازِهِ.
(أَوْ) أَيْ وَكَذَا لَا يَفْعَلُ مَا يَضُرُّ بِجَارِهِ مِنْ (فَتْحِ بَابٍ قُبَالَةَ بَابِهِ) أَيْ بَابِ جَارِ الْفَاتِحِ، فَإِنْ فَعَلَ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ الِاطِّلَاعُ عَلَى عَوْرَةِ جَارِهِ، وَمَحَلُّ الْمَنْعِ إذَا كَانَتْ السِّكَّةُ غَيْرَ نَافِذَةٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ نَافِذَةً فَلَا يُمْنَعُ مِنْ إحْدَاثِ الْبَابِ سَوَاءٌ نَكَّبَهُ وَحَرَّفَهُ عَنْ بَابِ جَارِهِ أَمْ لَا، وَمَفْهُومُ قُبَالَةِ بَابِهِ أَنَّهُ لَوْ نَكَّبَهُ بِأَنْ فَتَحَهُ لَا فِي مُقَابَلَةِ بَابِ جَارِهِ فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ إحْدَاثَ الْبَابِ بِالسِّكَّةِ النَّافِذَةِ جَائِزٌ مُطْلَقًا وَكَذَا بِغَيْرِ النَّافِذَةِ حَيْثُ رَضِيَ أَصْحَابُ السِّكَّةِ أَوْ نَكَّبَهُ، وَالْمُعْتَبَرُ رِضَا مَنْ عَلَيْهِ الضَّرَرُ، وَهَذَا بِخِلَافِ إحْدَاثِ الْحَانُوتِ قُبَالَةَ بَابِ شَخْصٍ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ وَلَوْ كَانَتْ السِّكَّةُ نَافِذَةً، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَابِ حَيْثُ جَازَ بِالسِّكَّةِ النَّافِذَةِ مُطْلَقًا شِدَّةُ الضَّرَرِ مِنْ الْحَانُوتِ دُونَ الْبَابِ بِكَثْرَةِ الْوَاقِفِينَ عَلَى الْحَانُوتِ (أَوْ) أَيْ وَكَذَا لَا يَفْعَلُ مَا يَضُرُّ بِجَارِهِ مِنْ (حَفْرِ مَا يَضُرُّ بِجَارِهِ فِي حَفْرِهِ وَإِنْ كَانَ) الْحَفْرُ (فِي مِلْكِهِ) كَحَفْرِ بِئْرٍ مُلْتَصِقَةٍ بِجَارِهِ أَوْ حَاصِلٍ لِمِرْحَاضِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَقُضِيَ بِمَنْعِ دُخَانٍ كَحَمَّامٍ أَوْ رَائِحَةٍ كَدِبَاغٍ وَأَنْدَرٍ قِبَلَ بَيْتٍ وَمُضِرٍّ بِجِدَارٍ وَإِصْطَبْلٍ أَوْ حَانُوتٍ قُبَالَةَ بَابٍ، وَاخْتُلِفَ فِي إحْدَاثِ مَا يَحُطُّ مِنْ الثَّمَنِ وَلَا يَضُرُّ بِجِدَارٍ، كَإِحْدَاثِ فُرْنٍ بِقُرْبِ فُرْنٍ، أَوْ حَمَّامٍ بِقُرْبِ حَمَّامٍ يَمْنَعُ الْجَارَ مِنْ إحْدَاثِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَاخْتُلِفَ فِي إحْدَاثِ الْبِئْرِ بِقُرْبِ بِئْرِ الْجَارِ فَبَعْضُهُمْ أَجَازَهَا وَقَالَهُ أَشْهَبُ إنْ لَزِمَ عَلَى حَفْرِهَا اسْتِفْرَاغُ مَائِهَا مُنِعَ وَإِلَّا فَلَا.
(تَنْبِيهٌ) فُهِمَ مِنْ مَنْعِ إحْدَاثِ مَا ذُكِرَ عَدَمُ مَنْعِ إحْدَاثِ مَانِعٍ نَحْوِ الضَّوْءِ قَالَ: مَنْعِ ضَوْءٍ وَشَمْسٍ وَرِيحٍ أَيْ عَنْ الْجَارِ إلَّا عَنْ أَنْدَرٍ أَوْ عَنْ طَاحُونٍ تَدُورُ بِالرِّيحِ فَإِنَّهُ يُمْنَعَ مِنْ إحْدَاثِ مَا يَمْنَعُهُ لِشِدَّةِ حَالِ الْأَنْدَرِ وَالطَّاحُونِ الْمَذْكُورَةِ لِلرِّيحِ، وَمِمَّا لَا يَمْنَعُ الْجَارَ مِنْ إحْدَاثِهِ عُلُوُّ بِنَائِهِ عَلَى بِنَاءِ جَارِهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْمُعَلَّى كَإِجَارَةِ مُسْلِمٍ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الطُّرْطُوشِيُّ: يُمْنَعُ الْكَافِرُ مِنْ تَعْلِيَةِ بِنَائِهِ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَحَكَى فِي الْمُسَاوَاةِ قَوْلَيْنِ، وَأَمَّا لَوْ اشْتَرَى بِنَاؤُهَا أَعْلَى مِنْ بِنَاءِ مُجَاوِرِهَا مِنْ دُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يُمْنَعُ وَيُقِرُّ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ مَا قَالَهُ الطُّرْطُوشِيُّ نَقَلَهُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي كَالْمُسْتَصْوِبِ لَهُ، وَكَذَا لَا يُمْنَعُ مِنْ إحْدَاثِ صَوْتٍ كَكَمَدٍ وَقَصْرٍ، إلَّا أَنْ يَشْتَدَّ ضَرَرُهُ وَيَدُومَ وَإِلَّا مُنِعَ.
(فَرْعٌ) الْمَنَارَةُ يَكْشِفُ الْوَاقِفُ عَلَيْهَا أَصْحَابَ الدُّورِ الَّتِي بِجَوَانِبِهَا يُمْنَعُ مِنْ الصُّعُودِ عَلَيْهَا وَلَوْ كَانَتْ قَدِيمَةً عَلَى بِنَاءِ مَا حَوْلَهَا، وَأَمَّا أَنَّ الْمُؤَذِّنَ أَعْمَى أَوْ لَهَا حَاجِزٌ يَمْنَعُ النَّظَرَ لِمَا حَوْلَهَا فَلَا يُمْنَعُ الصُّعُودَ عَلَيْهَا، وَهَذَا لَا يُنَافِي جَوَازَ الصُّعُودِ عَلَى نَخْلَةٍ يَطْلُعُ فَوْقَهَا عَلَى مَا بِجَانِبِهَا لِنُدُورِ الصُّعُودِ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الْمَنَارَةِ، وَأَيْضًا الصَّاعِدُ عَلَى النَّخْلَةِ يَجِبُ عَلَيْهِ إنْذَارُ الْجَارِ، وَلَا يُقَالُ: الْمُؤَذِّنُ لَك يَقْدِرُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: تَكَرَّرَ إلَّا أَنْ يَقْتَضِيَ مَشَقَّةَ الْإِنْذَارِ. ثُمَّ بَيَّنَ الَّذِي يُقْضَى لَهُ بِالْحَائِطِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ بَيْنَ الْجَارَيْنِ. (وَيُقْضَى بِالْحَائِطِ) الْمَوْضُوعِ بَيْنَ الْجَارَيْنِ وَلَا
بِهِ الْكَلَأُ
وَأَهْلُ الْمَاشِيَةِ أَحَقُّ بِهَا حَتَّى يَسْقُوا ثُمَّ النَّاسُ فِيهَا سَوَاءٌ
وَمَنْ كَانَ فِي أَرْضِهِ عَيْنٌ أَوْ بِئْرٌ فَلَهُ مَنْعُهَا إلَّا أَنْ تَنْهَدِمَ
ــ
[الفواكه الدواني]
بَيِّنَةَ تَشْهَدُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا (لِمَنْ إلَيْهِ) أَيْ إلَى جِهَتِهِ (الْقِمْطُ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ جَمْعُ قِمَاطٍ (وَالْعُقُودُ) لَكِنْ بَعْدَ يَمِينِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ كَوْنَهُ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ بِمَنْزِلَةِ شَاهِدٍ شَهِدَ لَهُ اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِهِمَا، فَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ بِتَرَادُفِهِمَا وَهُوَ تَدَاخُلُ بَعْضِ الْبِنَاءِ فِي بَعْضِهِ، وَقِيلَ الْقِمْطُ الْخَشَبُ الَّذِي يُجْعَلُ فِي وَسَطِ الْحَائِطِ لِيَحْفَظَهُ مِنْ الْكَسْرِ، وَالْعُقُودُ تَنَاكُحُ الْأَحْجَارِ فِي بَعْضِهَا، فَإِنْ كَانَا مِنْ جِهَتِهِمَا أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْحَائِطِ شَيْءٌ مِنْهُمَا كَانَ الْحَائِطُ مُشْتَرِكًا بَيْنَهُمَا، وَإِنَّمَا يُقْضَى بِذَلِكَ بِمَعْرِفَةِ الْعُدُولِ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، فَإِنْ انْفَرَدَ غَيْرُ الْعُدُولِ بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ قَبْلَ إخْبَارِهِمْ قَالَ خَلِيلٌ: وَقِيلَ لِلتَّعَذُّرِ غَيْرُ الْعُدُولِ وَإِنْ مُشْرِكِينَ وَالْوَاحِدُ كَافٍ، وَقَيَّدْنَا بِعَدَمِ الْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ شَهِدَتْ أَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لَعُمِلَ بِشَهَادَتِهَا، وَلَوْ كَانَ الْقِمْطُ أَوْ الْعَقْدُ لِجِهَةٍ غَيْرِهِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَنْعِ مَا أَصْلُهُ مُبَاحٌ بِقَوْلِهِ: (وَلَا) يَنْبَغِي لِمَنْ فِي أَرْضِهِ غَدِيرَانِ (يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ) الزَّائِدِ عَلَى حَاجَتِهِ مِنْهُ (لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْهَمْزِ فِي آخِرِهِ أَيْ الْحَشِيشُ الَّذِي هُوَ مُبَاحٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ وَلَا هِبَتُهُ وَلَا يُورَثُ عَنْهُ، وَمِمَّا لَا يُمْنَعُ فَضْلُ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ بَلْ يُجْبَرُ صَاحِبُهُ عَلَى تَمْكِينِ الْمُحْتَاجِ مِنْهُ.
قَالَ خَلِيلٌ مُشَبِّهًا فِي الْجَبْرِ: كَفَضْلِ بِئْرِ مَاشِيَةٍ بِصَحْرَاءَ هَدَرًا إنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْمِلْكِيَّةَ حِينَ حَفَرَهَا، أَمَّا إنْ بَيَّنَ ذَلِكَ وَأَشْهَدَ أَنَّهُ إنَّمَا حَفَرَهَا عَلَى أَنْ تَكُونَ مِلْكًا لَهُ فَلَهُ مَنْعُ فَضْلِ مَائِهَا عَنْ غَيْرِهِ.
وَالْأَصْلُ فِيمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ لِتَمْنَعُوا فَضْلَ الْكَلَأِ» أَيْ لَا تَمْنَعُوا مَنْ يُرِيدُ سَقْيَ مَاشِيَةٍ مِنْ فَضْلِ هَذَا الْمَاءِ لِيَبْقَى لَكُمْ الْكَلَأُ؛ لِأَنَّ أَرْبَابَ الْمَوَاشِي إذَا عَلِمُوا أَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ السَّقْي مِنْ هَذَا الْمَاءِ يَتْرُكُونَ الْكَلَأَ الْقَرِيبَ مِنْهُ، وَأَيْضًا قَالَ صلى الله عليه وسلم:«ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَتِهِ لَقَدْ أَعْطَى أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى وَهُوَ كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ حَلَفَ يَمِينًا بَعْدَ الْعَصْرِ لِيَقْطَعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ فَيَقُولُ اللَّهُ الْيَوْمَ أَمْنَعُك فَضْلِي كَمَا مَنَعْت فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدُك» أَيْ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْمِيَاهِ الْكَائِنَةِ فِي الْأَرْضِ إنَّمَا نَزَلَتْ مِنْ السَّمَاءِ وَهِيَ عَلَى الْإِبَاحَةِ حَتَّى يَتَمَلَّكَهَا الْإِنْسَانُ.
(تَنْبِيهٌ) وَكَمَا لَا يَمْنَعُ فَضْلَ الْمَاءِ الْمُبَاحِ لَا يَمْنَعُ اصْطِيَادَ السَّمَكِ مِنْهُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يَمْنَعُ صَيْدَ سَمَكٍ، وَأَنَّ مَنْ مَلَكَهُ سَوَاءٌ كَانَتْ أَرْضَ صُلْحٍ أَوْ عَنْوَةٍ وَلَوْ كَانَ قَدْ طَرَحَ السَّمَكَ فِيهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. وَكَذَا لَا يَمْنَعُ مِنْ رَعْيِ الْكَلَأِ الَّذِي فِي أَرْضِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزْرَعْهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ تَرَكَ زَرْعَهَا لِأَجْلِ رَعْيِ كَلَئِهَا، أَوْ يَكُونَ زَرَعَهُ مُكْتَنِفًا وَمُحْتَاطًا بِالْكَلَأِ بِحَيْثُ يَكُونُ عَلَيْهِ فِي رَعْيِهِ ضَرَرٌ، وَإِلَّا فَلَهُ مَنْعُ الْغَيْرِ مِنْهُ.
وَلَمَّا كَانَ عَدَمُ مَنْعِ فَضْلِ الْمَاءِ لَا يُنَافِي تَقْدِيمَ صَاحِبِهِ قَالَ: (وَأَهْلُ آبَارِ الْمَاشِيَةِ أَحَقُّ بِهَا) أَيْ بِمَاءِ تِلْكَ الْآبَارِ الَّتِي حَفَرُوهَا فِي الصَّحْرَاءِ لِشُرْبِ مَوَاشِيهِمْ، وَلَهُمْ مَنْعُ غَيْرِهِمْ مِنْ مُسَافِرٍ وَحَاضِرٍ (حَتَّى يَسْقُوا ثُمَّ) بَعْدَ كِفَايَتِهِمْ (النَّاسُ فِيهَا) أَيْ فِي مِيَاهِ تِلْكَ الْآبَارِ (سَوَاءٌ) حَيْثُ اسْتَوَوْا فِي الْوَصْفِ،؛ لِأَنَّ أَرْبَابَ الْمَوَاشِي لَمْ يَحْفِرُوهَا لِبَيْعِ مَائِهَا، وَأَمَّا لَوْ اخْتَلَفَتْ أَوْصَافُ النَّاسِ فَلَمْ يَكُونُوا فِيهَا سَوَاءً بَلْ الْمُسَافِرُ يَقْدَمُ عَلَى الْحَاضِرِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَبُدِئَ بِمُسَافِرٍ وَعَلَى رَبِّ الْمَاءِ أَنْ يُعِيرَهُ آلَةَ الِاسْتِقَاءِ، ثُمَّ بَعْدَهُ الْحَاضِرُ، ثُمَّ دَابَّةُ رَبِّ الْمَاءِ وَكُلُّ مَنْ قَدِمَ فَيَقْدَمُ بِجَمِيعِ رَبِّهِ وَفِي كَلَامِ خَلِيلٍ بَيَانُ مَا أَجْمَلَهُ الْمُصَنِّفُ، فَإِنَّ الْعَلَّامَةَ خَلِيلًا بَيَّنَ الْمُقَدَّمَ، وَمُحَصِّلُهُ: أَنَّ الْمُقَدَّمَ رَبُّ الْمَاءِ بِشُرْبِ نَفْسِهِ ثُمَّ الْمُسَافِرُ ثُمَّ الْحَاضِرُ ثُمَّ بَعْدَ رَيِّ الْأَنْفُسِ تُقَدَّمُ الدَّوَابُّ، فَتُقَدَّمُ دَوَابُّ رَيِّ الْمَاءِ ثُمَّ دَوَابُّ الْمُسَافِرِ ثُمَّ مَاشِيَةُ رَبِّ الْمَاءِ ثُمَّ مَاشِيَةُ الْمُسَافِرِ ثُمَّ مَاشِيَةُ النَّاسِ فِي الْفَضْلِ سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا قُدِّمَتْ الدَّوَابُّ عَلَى الْمَاشِيَةِ؛ لِأَنَّ الْمَاشِيَةَ إذَا خِيفَ عَلَيْهَا الْمَوْتُ تُذْكَى بِخِلَافِ الدَّوَابِّ وَهَذَا كَلَامُ الْأَقْفَهْسِيِّ.
وَاسْتَظْهَرَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْأُجْهُورِيُّ أَنَّ مَاشِيَةَ الْمُسَافِرِ وَدَابَّتَهُ فِي مَرْتَبَةٍ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْمَاءُ فِيهِ كِفَايَةٌ لِلْجَمِيعِ، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى كِفَايَةِ أَرْبَابِهِ فَتَارَةً تُسَوَّى حَاجَتُهُمْ إلَيْهِ، وَتَارَةً تَخْتَلِفُ، فَإِنْ اخْتَلَفَتْ بِأَنْ كَانَ يَحْصُلُ لِبَعْضِهِمْ الْمَشَقَّةُ بِتَقْدِيمِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ رَبِّ الْمَاءِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ كَانَ الْجَهْدُ يَحْصُلُ لِلْكُلِّ بِتَقْدِيمِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يَخْتَلِفُ بِالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ مَنْ هُوَ أَقْوَى جَهْدًا عَلَى غَيْرِهِ، وَأَمَّا لَوْ اسْتَوَى حَالُ الْجَمِيعِ فِي الْجَهْدِ بِتَقْدِيمِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ فَقَوْلَانِ الْأَظْهَرُ مِنْهُمَا تَقْدِيمُ رَبِّ الْمَاءِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصُّوَرَ ثَلَاثٌ: انْفِرَادُ وَاحِدٍ بِالْجَهْدِ، حُصُولُ الْجَهْدِ لِلْجَمِيعِ لَكِنْ بِتَفَاوُتٍ، يُقَدَّمُ الْمُنْفَرِدُ بِالْجَهْدِ وَمَنْ هُوَ أَقْوَى مِنْ غَيْرِهِ، وَالصُّورَةُ الثَّالِثَةُ اسْتِوَاؤُهُ فِي الْجَمِيعِ وَالْأَظْهَرُ مِنْ الْخِلَافِ تَقْدِيمُ رَبِّ الْمَاءِ، وَكُلُّ مَنْ قُلْنَا بِتَقْدِيمِهِ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ الْجَهْدُ لَا بِجَمِيعِ الرَّيِّ، وَسَيَأْتِي أَنَّهُ لَا شَيْءَ لِصَاحِبِ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ فِي فَضْلِ مَائِهَا إنْ لَمْ يَكُنْ بَيِّنَ الْمِلْكِيَّةِ حِينَ حَفَرَهَا وَوُجِدَ مَعَ الْمُحْتَاجِ الثَّمَنُ، وَإِلَّا فَلَا ثَمَنَ لَهُ وَلَوْ كَانَ مَلِيًّا بِبَلَدِهِ، وَهَذَا تَحْرِيرٌ حَسَنٌ فَشَدِيدُك عَلَيْهِ
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ حُكْمِ الْمَاءِ الْكَائِنِ فِي نَحْوِ الْغُدْرَانِ أَوْ فِي بِئْرِ الْمَاشِيَةِ الَّتِي تُحْفَرُ لِمُجَرَّدِ السَّقْيِ مِنْهَا لَا بِنِيَّةِ تَمَلُّكِهَا شَرَعَ فِي غَيْرِهِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ كَانَ فِي أَرْضِهِ) الْمَمْلُوكَةِ لَهُ ذَاتٌ أَوْ مَنْفَعَةٌ (عَيْنٌ أَوْ بِئْرٌ فَلَهُ مَنْعُهَا) مِنْ غَيْرِهِ قَالَ خَلِيلٌ: وَاَلَّذِي مَا جَلَّ وَبِئْرٌ وَمِرْسَالُ مَطَرٍ كَمَا يَمْلِكُهُ مَنْعُهُ وَبَيْعُهُ إلَّا مَنْ
بِئْرُ جَارِهِ وَلَهُ زَرْعٌ يَخَافُ عَلَيْهِ فَلَا يَمْنَعُهُ فَضْلَهُ وَاخْتُلِفَ هَلْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ثَمَنٌ أَمْ لَا
وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَمْنَعَ الرَّجُلُ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ وَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ
وَمَا أَفْسَدَتْ الْمَاشِيَةُ مِنْ الزَّرْعِ وَالْحَوَائِطِ بِاللَّيْلِ فَذَلِكَ عَلَى أَرْبَابِ الْمَاشِيَةِ
ــ
[الفواكه الدواني]
خِيفَ عَلَيْهِ وَلَا ثَمَنَ مَعَهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْهُ مَجَّانًا وَلَا يَتْبَعُهُ بِثَمَنِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَلَوْ كَانَ مَلِيًّا بِبَلَدِهِ لِوُجُوبِ مُوَاسَاتِهِ، إلَّا مَا فَضَلَ مِنْ بِئْرِ الزَّرْعِ الْكَائِنِ فِي أَرْضِهِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ:(إلَّا أَنْ تَنْهَدِمَ بِئْرُ جَارِهِ وَلَهُ زَرْعٌ) زَرَعَهُ عَلَى تِلْكَ الْبِئْرِ الْمُنْهَدِمَةِ وَالْحَالُ أَنَّهُ (يَخَافُ عَلَيْهِ) التَّلَفَ مِنْ الْعَطَشِ (فَلَا يَمْنَعُهُ) أَيْ لَا يَمْنَعُ صَاحِبُ الْعَيْنِ أَوْ الْبِئْرِ جَارَهُ (فَضْلَهُ) أَيْ فَضْلَ الْمَاءِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ تَمْكِينُهُ مِنْ سَقْيِ زَرْعِهِ.
قَالَ خَلِيلٌ مُشَبِّهًا فِي الْجَبْرِ: كَفَضْلِ بِئْرِ زَرْعٍ خِيفَ عَلَى زَرْعِ جَارِهِ بِهَدْمِ بِئْرِهِ وَأَخَذَ يُصْلِحُ وَأُجْبِرَ عَلَيْهِ، وَالْمُصَنِّفُ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ تِلْكَ الشُّرُوطُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ زَرْعٌ عَلَى أَصْلِ مَاءِ أَوْ لَمْ يَشْرَعْ فِي الْإِصْلَاحِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُ الْفَضْلِ لَهُ، وَلَمَّا كَانَ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ مَنْعِ فَضْلِ الْمَاءِ عَدَمُ لُزُومِ الثَّمَنِ قَالَ:(وَاخْتُلِفَ هَلْ عَلَيْهِ) أَيْ الْجَارِ (فِي ذَلِكَ) الْمَاءِ الْفَاضِلِ مِنْ بِئْرِ الزَّرْعِ.
(ثَمَنٌ أَمْ لَا) عَلَى قَوْلَيْنِ الْمَذْهَبُ مِنْهُمَا أَنَّهُ لَا ثَمَنَ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ مَلِيًّا؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْمُدَوَّنَةِ، وَمُقَابِلُهُ لِابْنِ يُونُسَ يَلْزَمُهُ الثَّمَنُ إنْ كَانَ مَعَهُ وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ، وَقَيَّدْنَا الْخِلَافَ بِثَمَنِ فَضْلِ بِئْرِ الزَّرْعِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ فَضْلِ بِئْرِ الدَّارِ وَنَحْوِهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمِيَاهِ الْمَمْلُوكَةِ، فَإِنَّ فِيهِ الثَّمَنُ قَوْلًا وَاحِدًا حَيْثُ كَانَ مَوْجُودًا مَعَ الْمُحْتَاجِ إلَى الْمَاءِ لَا إنْ لَمْ يُوجَدْ.
وَوَجْهُ الْفَرْقِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ بِئْرَ الزَّرْعِ لَمْ يَقْصِدْ حَافِرُهَا بَيْعَ مَائِهَا فَأَشْبَهَتْ بِئْرَ الْمَاشِيَةِ، فَيَجِبُ عَلَى حَافِرِهَا دَفْعُ الْفَاضِلِ مِنْ غَيْرِ ثَمَنٍ وَلَوْ كَانَ مَوْجُودًا عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ فَضْلَ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ الَّتِي لَمْ يُبَيِّنْ حَافِرُهَا الْمِلْكِيَّةَ، وَفَضْلُ بِئْرِ الزَّرْعِ بِشُرُوطِهِ يُجْبَرُ مَالِكُهُمَا عَلَى دَفْعِهِمَا مِنْ غَيْرِ ثَمَنٍ وَلَوْ كَانَ مَوْجُودًا، وَأَمَّا فَضْلُ بِئْرِ غَيْرِهِمَا مِمَّا لَهُ مَنْعُهُ وَذَلِكَ كَمَاءِ بِئْرٍ أَوْ صِهْرِيجٍ فِي مِلْكِهِ أَوْ بِئْرِ مَاشِيَةٍ أَشْهَدَ عَلَى قَصْدِ تَمَلُّكِهَا حِينَ حَفَرَهَا فَإِنَّمَا فِيهِ الثَّمَنُ إنْ كَانَ مَوْجُودًا، وَمِثْلُ ثَمَنِ الْمَاءِ ثَمَنُ الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ لِلْمُضْطَرِّ.
قَالَ خَلِيلٌ: كَفَضْلِ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ، قَالَ شُرَّاحُهُ: أَوْ لِبَاسٌ لِمُضْطَرِّ وَلَهُ الثَّمَنُ إنْ وُجِدَ وَإِلَّا وَجَبَ دَفْعُهُ مَجَّانًا، وَكُلُّ مَنْ قُلْنَا يُجْبَرُ عَلَى دَفْعِ فَضْلِ الْمَاءِ أَوْ الطَّعَامِ أَوْ اللِّبَاسِ لِلْمُضْطَرِّ إنْ امْتَنَعَ يَجُوزُ لَهُ مُقَاتَلَتُهُ، وَمَنْ قُتِلَ مِنْ أَهْلِ الْمَاءِ أَوْ الطَّعَامِ يَكُونُ دَمُهُ هَدَرًا، وَمَنْ قُتِلَ مِنْ الْمُضْطَرِّينَ فَفِيهِ الْقِصَاصُ، فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مُقَاتَلَةٌ وَتَرَكُوهُمْ حَتَّى مَاتُوا عَطَشًا أَوْ جُوعًا فَدِيَاتُهُمْ عَلَى عَوَاقِلِ رَبِّ الْمَاءِ أَوْ الطَّعَامِ، وَقِيلَ: يُقْتَلُونَ بِهِمْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّرْكَ بِمَنْزِلَةِ الْفِعْلِ، وَيُقَاسُ عَلَى ذَلِكَ مَانِعُ الزَّكَاةِ عَنْ مُسْتَحِقِّهَا، وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَمْ يُقْصَدْ بِمَنْعِ فَضْلِ الْمَاءِ أَوْ الطَّعَامِ قَتْلُ الْمُضْطَرِّ، وَإِلَّا اُتُّفِقَ عَلَى قَتْلِهِ فِيهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ مُشَبِّهًا فِي الْقِصَاصِ: كَخَنْقٍ وَمَنْعِ طَعَامٍ وَمِثْلُهُ الشَّرَابُ لِمُضْطَرٍّ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي مَسْأَلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالْجَارِ وَكَانَ الْأَنْسَبُ تَقْدِيمُهَا عِنْدَ قَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي مَسَائِلِ الْجَارِ: وَلَا يَضُرُّ بِجَارِهِ فَقَالَ: (وَيَنْبَغِي) أَيْ يُنْدَبُ (أَنْ لَا يَمْنَعَ الرَّجُلُ) الْمُجَاوِرُ لِغَيْرِهِ (جَارَهُ) مِنْ (أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِرْفَاقِ وَجَلْبِ الْمَوَدَّةِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ إعَارَةُ جِدَارِهِ لِغَرْزِ خَشَبِهِ وَإِرْفَاقٍ بِمَاءٍ وَفَتْحِ بَابٍ، وَالنَّهْيُ فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:«لَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ» لِلْكَرَاهَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَحَلُّ الْجَارِ مِلْكًا لَهُ أَوْ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وَأَمَّا نَاظِرُ الْمَسْجِدِ أَوْ نَائِبُهُ فَاخْتُلِفَ هَلْ يُنْدَبُ لَهُ إعَارَةُ الْجَارِ مَوْضِعًا لِغَرْزِ خَشَبِهِ فِيهِ أَوْ يُمْنَعُ عَلَى قَوْلَيْنِ الرَّاجِحُ مِنْهُمَا الْمَنْعُ.
وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ وَلَوْ عَلَى بُعْدٍ حَمْلٌ يَنْبَغِي عَلَى الْوُجُوبِ الَّذِي يُقْضَى بِهِ دَفْعُهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ) أَيْ الْجَارِ بِالْإِعَارَةِ لِمَوْضِعِ غَرْزِ الْخَشَبَةِ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ عَدَمِ الْقَضَاءِ مَا لَمْ يَضْطَرَّ الْجَارُ إلَى ذَلِكَ وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ بِالْقَضَاءِ.
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ أَعَارَهُ الْجَارُ مَوْضِعًا لِغَرْزِ خَشَبَةٍ مِنْ جِدَارِهِ وَأَرَادَ الْمَنْعَ، فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ إلَّا بَعْدَ الْمُدَّةِ الْمُعَيَّنَةِ أَوْ الْمُعْتَادَةِ، وَأَمَّا لَوْ أُعِيرَ لِلْبِنَاءِ أَوْ الْغَرْسِ فَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَلَا الْإِخْرَاجِ فِي كَبِنَاءٍ إنْ دَفَعَ مَا أَنْفَقَ، وَفِيهَا أَيْضًا قِيمَتُهُ وَهَلْ خِلَافُ أَوْ قِيمَةُ مَا أَنْفَقَ إنْ لَمْ يَشْتَرِهِ أَوْ إنْ طَالَ أَوْ إنْ اشْتَرَاهُ بِغَبْنٍ كَثِيرٍ تَأْوِيلَاتٌ.
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا أَفْسَدَتْهُ الدَّابَّةُ الَّتِي لَا سَائِقَ لَهَا وَلَا قَائِدَ وَلَا رَاكِبَ بَعْدَ أَنْ قَدَّمَ الْكَلَامَ عَلَى الَّتِي لَهَا سَائِقٌ أَوْ رَاكِبٌ فَقَالَ: (وَمَا أَفْسَدَتْ الْمَاشِيَةُ) الْمُمْكِنَةُ الْحِرَاسَةِ وَغَيْرُ الْمَعْرُوفَةِ بِالْعَدَاءِ (مِنْ الزَّرْعِ وَالْحَوَائِطِ بِاللَّيْلِ فَذَلِكَ) أَيْ وَاجِبٌ مَا أَتْلَفَتْهُ مِنْ قِيمَةٍ أَوْ مِثْلٍ (عَلَى أَرْبَابِ الْمَاشِيَةِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَمَا أَتْلَفَتْهُ الْبَهَائِمُ لَيْلًا فَعَلَى رَبِّهَا، وَإِنْ زَادَ عَلَى قِيمَتِهَا فَقِيمَتُهُ عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُقَالَ مَا قِيمَتُهُ الْآنَ عَلَى جَوَازِ شِرَائِهِ عَلَى تَقْدِيرِ تَمَامِهِ سَالِمًا وَعَلَى تَقْدِيرِ جَائِحَتِهِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا، فَلَوْ تَأَخَّرَ الْحُكْمُ حَتَّى عَادَ الزَّرْعُ لِهَيْئَتِهِ سَقَطَتْ قِيمَتُهُ، وَلَيْسَ لِرَبِّ الْمَاشِيَةِ أَنْ يُسَلِّمَ الْمَاشِيَةَ فِي قِيمَةِ مَا أَفْسَدَتْهُ بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْجَانِي، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ الْعَبْدَ مُكَلَّفٌ فَهُوَ الْجَانِي بِخِلَافِ الْمَاشِيَةِ، وَهَذَا فِيمَا أَتْلَفَتْهُ مِنْ الزَّرْعِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، وَأَمَّا مَا أَتْلَفَتْهُ بُدُوُّ صَلَاحِهِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ عَلَى الْبَتِّ لَا عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ وَمَحَلُّ الضَّمَانِ إذَا تَرَكُوهَا مِنْ غَيْرِ رَبْطٍ، وَأَمَّا لَوْ رَبَطُوهَا رَبْطًا وَثِيقًا أَوْ غَلَّقُوا عَلَيْهَا الْبَابَ كَذَلِكَ لَانْتَفَى عَنْهَا الضَّمَانُ قَالَهُ الْأَقْفَهْسِيُّ، وَاحْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: مِنْ الزُّرُوعِ