الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بِأَجْرٍ أَوْ بِغَيْرِ أَجْرٍ.
وَلَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِ الْحَمَّامِ.
وَلَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِ السَّفِينَةِ، وَلَا كِرَاءَ لَهُ إلَّا عَلَى الْبَلَاغِ.
وَلَا
ــ
[الفواكه الدواني]
دُونَ غَيْرِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الذَّاتِ الْمُكْتَرَاةِ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهَا كَالثَّوْبِ وَالْوِعَاءِ أَوْ لَا يُغَابُ عَلَيْهَا كَالدَّابَّةِ. وَأَمَّا لَوْ ذَبَحَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الذَّاتَ الَّتِي تَحْتَ يَدِهِ فَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يُصَدَّقُ الرَّاعِي فِي ذَبْحِهِ لِخَوْفِ مَوْتِ مَا ذَبَحَهُ، بِخِلَافِ الْمُكْتَرِي لِنَحْوِ ثَوْرٍ فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ أَنَّهُ ذَبَحَهُ لِخَوْفِ مَوْتِهِ إلَّا بِلَطْخٍ أَوْ بَيِّنَةٍ، وَمِثْلُهُ الْمُسْتَعِيرُ وَالْمُرْتَهِنُ وَالشَّرِيكُ وَالْمُودَعُ، وَإِنْ كَانُوا يُصَدَّقُونَ فِي دَعْوَى التَّلَفِ أَوْ الضَّيَاعِ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَبَيْنَ الرَّاعِي مَعَ كَوْنِ الْجَمِيعِ مُؤْتَمَنِينَ تَعَذُّرُ الْإِشْهَادِ مِنْ الرَّاعِي غَالِبًا، بِخِلَافِ هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُمْ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِمْ فِي الْإِشْهَادِ غَالِبًا، وَأَحْرَى مِنْ هَؤُلَاءِ فِي الضَّمَانِ مَنْ مَرَّ عَلَى دَابَّةِ شَخْصٍ فَذَكَّاهَا، وَادَّعَى أَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ خَوْفَ مَوْتِهَا، أَوْ سَلَخَ دَابَّةَ غَيْرِهِ وَادَّعَى أَنَّهُ وَجَدَهَا مَيِّتَةً فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ لَطْخٍ. وَكُلُّ مَنْ تَرَكَ الذَّبْحَ مِنْ هَؤُلَاءِ حَتَّى مَاتَتْ الدَّابَّةُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إلَّا إذَا كَانَ عِنْدَهُ مَنْ يَشْهَدُ عَلَى ذَبْحِهَا خَوْفَ الْمَوْتِ، كَمَا يَضْمَنُ الرَّاعِي بِتَرْكِ ذَكَاتِهَا وَشَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ بِتَفْرِيطِهِ.
الثَّانِي: تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ مَنْ ذَكَرَ التَّلَفَ أَوْ الضَّيَاعَ، وَسَكَتَ عَنْ حُكْمِ دَعْوَاهُ رَدَّ الذَّاتَ مَعَ تَكْذِيبِ الْمَالِكِ، وَالْحُكْمُ أَنَّهُ يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى رَدِّهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبَضَهَا بِبَيِّنَةٍ مَقْصُودَةٍ لِلتَّوَثُّقِ فَلَا يُصَدَّقُ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ الذَّاتُ يُقْبَلُ دَعْوَاهُ فِي تَلَفِهَا بِأَنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُغَابُ عَلَيْهَا كَالدَّابَّةِ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ كُلَّ مَنْ قُبِلَ قَوْلُهُ فِي الضَّيَاعِ أَوْ التَّلَفِ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ إلَى مَنْ دُفِعَ إلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَخَذَ الذَّاتَ بِبَيِّنَةٍ مَقْصُودَةٍ لِلتَّوَثُّقِ، وَأَمَّا نَحْوُ الثَّوْبِ وَالْمَاعُونِ مِنْ كُلِّ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَلَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى رَدِّهِ، وَإِنْ كَانَ قَبَضَهُ بِلَا بَيِّنَةٍ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ يَجْرِي فِي الْمُسْتَعِيرِ يَدَّعِي رَدَّ الْعَارِيَّةِ، وَفِي الصَّانِعِ يَدَّعِي رَدَّ الْمَصْنُوعِ، بِخِلَافِ الْمُودَعِ يَدَّعِي رَدَّ الْوَدِيعَةِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَلَوْ لِمَا يُغَابُ عَلَيْهِ حَيْثُ قَبَضَهُ بِلَا بَيِّنَةٍ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْوَدِيعَةِ وَغَيْرِهَا حَيْثُ خَفَّفَ فِيهَا وَشَدَّدَ فِي غَيْرِهَا مِنْ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ أَنَّ الْحِيَازَةَ فِي الْوَدِيعَةِ لِمَحْضِ حَقِّ غَيْرِهَا، بِخِلَافِ غَيْرِهَا الْقَابِضُ لَهُ حَقٌّ فِي الْمَقْبُوضِ فِي الْجُمْلَةِ، هَكَذَا ظَهَرَ لَنَا فِي وَجْهِ الْفَرْقِ، وَلَمْ يَظْهَرْ الْفَرْقُ بِأَنَّ الْوَدِيعَةَ قُبِضَتْ عَلَى وَجْهِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ غَيْرَهَا، وَهُوَ الشَّيْءُ الْمُكْتَرَى قُبِضَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الضَّمَانِ أَيْضًا.
[تضمين الصناع]
وَلَمَّا كَانَ الصَّانِعُ يُخَالِفُ نَحْوَ الرَّاعِي وَالْمُكْتَرِي أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَالصُّنَّاعُ) جَمْعُ صَانِعٍ كَالْخَيَّاطِ وَالْقَزَّازِ وَالْكَاتِبِ (ضَامِنُونَ لِمَا غَابُوا عَلَيْهِ) مِنْ مَصْنُوعِهِمْ إذَا ادَّعَوْا ضَيَاعَهُ أَوْ تَلَفَهُ سَوَاءٌ (عَمِلُوهُ بِأَجْرٍ أَوْ بِغَيْرِ أَجْرٍ) صَنَعُوهُ فِي الْحَوَانِيتِ أَوْ الْبُيُوتِ، سَوَاءٌ تَلِفَ بِصُنْعِهِ أَوْ غَيْرِ صُنْعِهِ. وَلِضَمَانِ الصَّانِعِ شُرُوطٌ مِنْهَا: أَنْ يَنْصِبَ نَفْسَهُ لِلصَّنْعَةِ لِعَامَّةِ النَّاسِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الصَّانِعِ الْخَاصِّ بِجَمَاعَةٍ. وَمِنْهَا: أَنْ يَغِيبَ عَلَى الذَّاتِ الْمَصْنُوعَةِ لَا إنْ صَنَعَهَا بِبَيْتِ رَبِّهَا وَلَوْ بِغَيْرِ حَضْرَتِهِ أَوْ بِحَضْرَتِهِ، وَلَوْ فِي مَحَلِّ الصَّانِعِ فَلَا ضَمَانَ. وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الْمَصْنُوعُ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ بِأَنْ يَكُونَ ثَوْبًا أَوْ حُلِيًّا، فَلَا ضَمَانَ عَلَى مُعَلِّمِ الْأَطْفَالِ أَوْ الْبَيْطَارِ إذَا ادَّعَى الْأَوَّلُ هُرُوبَ الْوَلَدِ وَالثَّانِي هُرُوبَ أَوْ تَلَفَ الدَّابَّةِ.
وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَكُونَ فِي الصَّنْعَةِ تَغْرِيرٌ، وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ، كَنَقْشِ الْفُصُوصِ وَثَقْبِ اللُّؤْلُؤِ وَتَقْوِيمِ السُّيُوفِ وَحَرْقِ الْخُبْزِ عِنْدَ الْفَرَّانِ وَتَلَفِ الثَّوْبِ فِي قِدْرِ الصَّبَّاغِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ كَالْبَيْطَارِ يَطْرَحُ الدَّابَّةَ لِكَيِّهَا مَثَلًا فَتَمُوتَ، وَكَالْخَاتِنِ لِصَبِيٍّ يَمُوتُ عِنْدَ خَتْنِهِ، وَالطَّبِيبِ لِلْمَرِيضِ يَمُوتُ تَحْتَ يَدِهِ، وَالْحَاجِمِ يُسْتَأْجَرُ لِقَلْعِ الضِّرْسِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ لَا فِي مَالِهِ وَلَا عَلَى عَاقِلَتِهِ، حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ تَقْصِيرٌ وَلَا خَطَأٌ فِي الصَّنْعَةِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَلَكِنْ أَخْطَأَ فَخَطَؤُهُ عَلَى الْعَاقِلَةِ إنْ بَلَغَتْ الْجِنَايَةُ الثُّلُثَ، وَإِلَّا كَانَتْ فِي مَالِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَغَرَّ مِنْ نَفْسِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ وَالْعُقُوبَةُ مِنْ الْإِمَامِ فِي بَدَنِهِ. وَمِنْهَا: أَنْ لَا تَقُومَ بَيِّنَةٌ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ تَلَفٍ أَوْ ضَيَاعٍ فَلَا ضَمَانَ، وَتَسْقُطُ الْأُجْرَةُ عَنْ رَبِّ الْمَصْنُوعِ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ فِي حِفْظِهِ.
وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَكُونَ الصَّانِعُ أَحْضَرَهُ لِرَبِّهِ مَصْنُوعًا عَلَى الصِّفَةِ الْمَطْلُوبَةِ وَيَتْرُكُهُ رَبُّهُ اخْتِيَارًا فَيَضِيعَ، وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ حَيْثُ كَانَ إحْضَارُهُ بَعْدَ دَفْعِ الْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ كَالْوَدِيعَةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَحْضَرَهُ عَلَى غَيْرِ الصِّفَةِ أَوْ دَعَاهُ لِأَخْذِهِ مِنْ غَيْرِ إحْضَارٍ أَوْ بَقَاءٍ عِنْدَهُ حَتَّى يَقْبِضَ الْأُجْرَةَ ثُمَّ يَدَّعِيَ ضَيَاعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ، وَاحْتَرَزْنَا بِقَوْلِنَا مِنْ مَصْنُوعِهِمْ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ غَيْرِهِ كَظَرْفِ الْمَصْنُوعِ، كَقُفَّةِ الطَّحِينِ وَجَفِيرِ السَّيْفِ يُدْفَعُ مَعَ السَّيْفِ لِإِصْلَاحِهِ ثُمَّ يَدَّعِي ضَيَاعَ مَا ذُكِرَ، فَيَضْمَنُ الْقَمْحَ وَالسَّيْفَ دُونَ الْقُفَّةِ وَالْجَفِيرِ وَلَوْ كَانَ الْمَصْنُوعُ يَحْتَاجُ إلَيْهِمَا، وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ مَا الَّذِي يَضْمَنُهُ الصَّانِعُ، وَبَيَّنَهُ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ غَيْرَ مَصْنُوعٍ وَتُعْتَبَرُ يَوْمَ دَفْعِهِ لَهُ، وَلَوْ كَانَ الصَّانِعُ شَرَطَ عَلَى رَبِّهِ عَدَمَ ضَمَانِهِ عِنْدَ دَعْوَى ضَيَاعِهِ.
(تَنْبِيهٌ) . اعْلَمْ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ضَمَانِ الْأُجَرَاءِ؛ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَسْقَطَ عَنْهُمْ الضَّمَانَ، وَأَخْرَجَ إمَامُنَا مَالِكٌ رضي الله عنه مِنْهُمْ الصُّنَّاعَ، وَقَالَ بِضَمَانِهِمْ وَعَدَمِ ائْتِمَانِهِمْ بِاجْتِهَادٍ مِنْهُ رضي الله عنه، وَسَبَقَهُ إلَى تَضْمِينِهِمْ الْخُلَفَاءُ رضي الله عنهم فَقَضَوْا بِتَضْمِينِهِمْ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ ذَلِكَ؛
لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مُرَاعَاةِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ
؛ لِأَنَّ غَالِبَ النَّاسِ يَضْطَرُّ إلَى الِاسْتِصْنَاعِ، فَلَوْ عَلِمَ الصُّنَّاعُ أَنَّهُمْ يُصَدَّقُونَ فِي دَعْوَى الضَّيَاعِ أَوْ التَّلَفِ أَوْ رَدِّ الْمَصْنُوعِ إلَى رَبِّهِ لَتَسَارَعُوا إلَى كُلِّ مَا يُدْفَعُ لَهُمْ لِيَصْنَعُوهُ، فَحَكَمَ هَؤُلَاءِ الْعُظَمَاءُ بِالضَّمَانِ لِتِلْكَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الفواكه الدواني]
الْمَصْلَحَةِ، وَمِنْ
مُرَاعَاةِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ
أَيْضًا مَا نَقَلَهُ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ عَنْ مَالِكٍ مِنْ جَوَازِ قَتْلِ الثُّلُثِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِإِصْلَاحِ الثُّلُثَيْنِ، وَمَحْمَلُهُ عِنْدَنَا عَلَى أَنَّ الْجَمِيعَ مُفْسِدُونَ، وَلَا يَحْصُلُ انْزِجَارُهُمْ لَا بِحَبْسِهِمْ وَلَا بِضَرْبِهِمْ إلَّا بِقَتْلِ ثُلُثِهِمْ، هَذَا مَحَلُّ الْجَوَازِ إذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِجَوَازِ قَتْلِ أَهْلِ الصَّلَاحِ لِإِصْلَاحِ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْفَسَادِ، وَاتَّضَحَ أَنَّ الْمُرَادَ يَجُوزُ قَتْلُ ثُلُثِ الْمُفْسِدِينَ؛ لِإِصْلَاحِ ثُلُثَيْهِمْ حَيْثُ تَوَقَّفَ الْإِصْلَاحُ عَلَى الْقَتْلِ، وَإِلَّا ارْتَكَبَ الْأَخَفَّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَمَّا كَانَ الْحَارِسُ لِنَحْوِ حَمَّامٍ وَكَرْمٍ مُشْبِهًا لِلصَّانِعِ فِي دَاعِيَةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَكَانَ هَذَا يُوهِمُ ضَمَانَهُ رَفَعَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِ الْحَمَّامِ) وَالْمَعْنَى: أَنَّ حَارِسَ الْحَمَّامِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الثِّيَابِ الَّتِي تَضِيعُ مِنْ الْحَمَّامِ وَلَوْ أَخَذَ عَلَى ذَلِكَ أُجْرَةً؛ لِأَنَّهُ أَجِيرٌ وَالْأَجِيرُ أَمِينٌ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَأْخُذُ الْأُجْرَةَ وَلَوْ ضَاعَتْ الثِّيَابُ، وَمَحَلُّ عَدَمِ الضَّمَانِ إذَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ، وَإِلَّا ضَمِنَ بِأَنْ يَقُولَ: جَاءَنِي إنْسَانٌ يُشْبِهُك فَدَفَعْت إلَيْهِ الثِّيَابَ، أَوْ قَالَ: أَخَذَ شَخْصٌ ثَوْبًا فَتَرَكْته لِظَنِّي أَنَّهُ الْمَالِكُ، وَمِثْلُ حَارِسِ الْحَمَّامِ غَيْرُهُ مِنْ حُرَّاسِ الْكُرُومِ وَالدُّورِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَارِسِ الْأَنْدَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَحْرُوسِ طَعَامًا أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا يُعَابُ عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْحَارِسُ أَجْنَبِيًّا أَوْ كَانَ هُوَ صَاحِبُ الْحَمَّامِ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِصَاحِبِ الْحَمَّامِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ كَوْنُهُ الْحَارِسَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ عَدَمِ ضَمَانِ صَاحِبِ الْحَمَّامِ لِلثِّيَابِ إنْ لَمْ يَجْعَلْهَا رَبُّهَا رَهْنًا تَحِلُّ الْأُجْرَةُ، وَإِلَّا ضَمِنَهَا ضَمَانَ الرِّهَانِ، وَمَحَلُّ عَدَمِ ضَمَانِ الْحَارِسِ أَيْضًا أَلَّا يَكُونَ جُعِلَ حَارِسًا لِاتِّقَاءِ شَرِّهِ؛ لِكَوْنِهِ مَعْرُوفًا بِالسَّرِقَةِ وَالْخِيَانَةِ، وَإِلَّا ضَمِنَ مَا يَدَّعِي ضَيَاعَهُ مِمَّا هُوَ تَحْتَ يَدِهِ، وَأُمِنَ عَلَيْهِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ أَبُو الْحَسَنِ، وَمِمَّا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ الْخُفَرَاءُ فِي الْحَارَاتِ وَالْأَسْوَاقِ وَلَوْ كَتَبَ عَلَيْهِمْ حُجَّةً بِضَمَانِ مَا يَضِيعُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْتِزَامِ مَا لَا يَلْزَمُ، وَهُوَ لَا يَلْزَمُ، بِخِلَافِ الْتِزَامِ أَمْرٍ مَنْدُوبٍ كَالْتِزَامِ التَّصَدُّقِ بِشَيْءٍ عَلَى الْفُقَرَاءِ بِصِيغَةِ النَّذْرِ كَقَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلَيَّ التَّصَدُّقُ عَلَى زَيْدٍ بِكَذَا، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ؛ لِقَوْلِ مَالِكٍ رضي الله عنه: مَنْ الْتَزَمَ مَعْرُوفًا لَزِمَهُ أَيْ لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَا تَفْرِيطَ، وَإِلَّا ضَمِنُوا كَسَائِرِ الْأُمَنَاءِ. هَذَا قَوْلٌ مِنْ كَلَامِ جَدِّ الْأُجْهُورِيِّ وَبَعْضُهُ بِالتَّصْرِيحِ، وَأَمَّا نَفْسُ الْأُجْهُورِيِّ فَكَانَ يُقَرِّرُ فِي الْمَحَافِلِ مَا نَقَلَهُ الْعَلَّامَةُ التَّتَّائِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ مِنْ أَنَّ الْمَصَالِحَ الْعَامَّةَ الْآنَ تَضَمُّنُ الْخُفَرَاءِ، وَلَمْ يَنْقُلْهُ فِي شَرْحِهِ.
(تَنْبِيهٌ) . حَارِسُ الْحَمَّامِ وَنَحْوِهِ فِي عَدَمِ ضَمَانِهِ حَارِسُ الْأَجِيرِ الَّذِي تَحْتَ يَدِ الصَّانِعِ، وَكَذَلِكَ الدَّلَّالُ تُعْطَى لَهُ الثِّيَابُ يَطُوفُ بِهَا فَتَضِيعُ مِنْهُ أَوْ ثَمَنُهَا بَعْدَ بَيْعِهَا حَيْثُ كَانَ مَشْهُورًا بِالصَّلَاحِ. وَأَمَّا الْجَالِسُ فِي الْحَانُوتِ وَتُوضَعُ عِنْدَهُ الْأَمْتِعَةُ لِلْبَيْعِ فَهَذَا كَالصَّانِعِ يَضْمَنُ، وَكَذَا غَيْرُهُ مِمَّا نَصَبَ نَفْسَهُ لِأَمْتِعَةِ النَّاسِ. (خَاتِمَةٌ حَسَنَةٌ) . كُلُّ مَنْ قِيلَ بِضَمَانِهِ مِنْ صَانِعٍ مُطْلَقًا أَوْ حَارِسٍ لِتَفْرِيطِهِ، إذَا غَرِمَ قِيمَةَ مَا ضَمِنَهُ ثُمَّ وُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ لَا لِصَاحِبِهِ، وَمِثْلُهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ سَرِقَةُ شَيْءٍ وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ ثُمَّ يُوجَدُ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ إلَّا أَنْ يُوجَدَ عِنْدَهُ، وَمِثْلُ مَنْ ذَكَرَ الْمُسْتَعِيرُ يَدَّعِي ضَمَانَ مَا اسْتَعَارَ مِمَّا غَابَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ إذَا غَرِمَ قِيمَتَهُ وَوَجَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ فِي الْجَمِيعِ أَنَّهُ يَغْرَمُ قِيمَتَهُ وَيَمْلِكُهُ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِهِ، كَالْغَاصِبِ يَغْرَمُ قِيمَةَ الْمَغْصُوبِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ.
(وَلَا) ضَمَانَ أَيْضًا (عَلَى صَاحِبِ السَّفِينَةِ) وَلَا النُّوتِيِّ الَّذِي يَخْدُمُ فِيهَا فَلَا مَفْهُومَ لِصَاحِبِهَا، وَالْمُرَادُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ مَالٍ أَوْ نَفْسٍ إذَا غَرِقَتْ بِفِعْلٍ سَائِغٍ فِعْلُهُ فِيهَا مِنْ عِلَاجٍ أَوْ مَوْجٍ أَوْ رِيحٍ، وَأَمَّا إنْ غَرِقَتْ بِفِعْلٍ غَيْرِ سَائِغٍ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الْمَالَ. وَالدِّيَةُ فِي مَالِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَ الْأَنْفُسِ، وَإِلَّا قُتِلَ بِهِمْ، وَلَمَّا كَانَ كِرَاءُ السَّفِينَةِ شَبِيهًا بِالْجُعْلِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْعِوَضِ قَالَ:(وَلَا كِرَاءَ لَهُ) أَيْ لِصَاحِبِ السَّفِينَةِ مُسْتَحَقٌّ (إلَّا عَلَى الْبَلَاغِ) فَإِذَا غَرِقَتْ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ وَغَرِقَ جَمِيعُ مَا فِيهَا مِنْ طَعَامٍ وَغَيْرِهِ فَلَا كِرَاءَ لِرَبِّهَا، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. وَوَجْهُهُ أَنَّ الْإِجَارَةَ فِي السُّفُنِ جَارِيَةٌ مَجْرَى الْجُعْلِ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ الْغَرَضُ الْمَطْلُوبُ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْعِوَضَ، وَقَوْلُنَا غَرِقَ جَمِيعُ مَا فِيهَا احْتِرَازٌ عَنْ غَرَقِ بَعْضِهِ وَسَلَامَةِ الْبَعْضِ الْآخَرِ، وَاسْتَأْجَرَ عَلَيْهِ رَبُّهُ، فَإِنَّ لِلْأَوَّلِ كِرَاءَ مَا بَقِيَ إلَى مَحَلِّ الْغَرَقِ عَلَى حِسَابِ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ لَا بِنِسْبَةِ الثَّانِي وَلَيْسَ لَهُ كِرَاءُ مَا ذَهَبَ بِالْغَرَقِ. وَأَمَّا لَوْ غَرِقَتْ بَعْدَ وُصُولِهَا إلَى الْمَحَلِّ الْمَخْصُوصِ فَإِنْ كَانَ الْغَرَقُ بَعْدَ تَمَكُّنِ رَبِّ الشَّيْءِ مِنْ إخْرَاجِ مَا فِيهَا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الْكِرَاءِ وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ بِشَيْءٍ.
1 -
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: وَقَعَ التَّوَقُّفُ مِنْ بَعْضِ مَشَايِخِ مَشَايِخِنَا فِي أَمْرَيْنِ. أَحَدُهُمَا: إذَا اكْتَرَى شَخْصٌ سَفِينَةً لِمَحَلٍّ مُعَيَّنٍ وَخَرَجَ مِنْهَا قَبْلَ الْوُصُولِ إلَيْهِ اخْتِيَارًا وَاسْتَظْهَرَ أَنْ يَلْزَمَهُ جَمِيعُ الْكِرَاءِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ، كَمَنْ اكْتَرَى دَابَّةً لِمَحَلٍّ وَتَرَكَ رُكُوبَهَا قَبْلَ وُصُولِهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الْكِرَاءِ، وَأَمَّا لَوْ خَرَجَ مِنْهَا قَبْلَ الْوُصُولِ قَهْرًا بِأَنْ غَرِقَتْ وَانْتَقَلَ لِسَفِينَةٍ أُخْرَى فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ مِنْ الْكِرَاءِ حِصَّةُ مَا رَكِبَ، وَوَقَعَ التَّوَقُّفُ أَيْضًا إذَا وَحَلَتْ مَثَلًا وَخَرَجَ مِنْهَا ثُمَّ تَخَلَّصَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ لَهَا كَمَرَضِ عَبْدٍ مُسْتَأْجَرٍ أَوْ دَابَّةٍ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ ثُمَّ يَصِحَّانِ قَبْلَ انْقِضَائِهَا، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ حَيْثُ كَانَ فِي الْحَضَرِ، أَوْ لَا يَلْزَمُ كَمَرَضِهِمَا وَعَوْدِهِمَا فِي زَمَنِ السَّفَرِ، وَيَظْهَرُ أَنَّهَا كَهُمَا فِي السَّفَرِ؛ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ وَهِيَ مَشَقَّةُ الصَّبْرِ لِانْتِظَارِ صِحَّةِ الْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ فِي السَّفَرِ.
1 -