الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فِيمَا سِوَاهُ وَسِوَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ الْمَسَاجِدِ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ إنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِدُونِ الْأَلْفِ وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْفَرَائِضِ،
وَأَمَّا النَّوَافِلُ فَفِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ وَالتَّنَفُّلُ بِالرُّكُوعِ لِأَهْلِ مَكَّةَ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ الطَّوَافِ وَالطَّوَافُ لِلْغُرَبَاءِ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ الرُّكُوعِ لِقِلَّةِ وُجُودِ ذَلِكَ لَهُمْ.
وَمِنْ الْفَرَائِضِ
غَضُّ الْبَصَرِ
عَنْ الْمَحَارِمِ،
ــ
[الفواكه الدواني]
الْمَدِينَةَ أَفْضَلُ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَالْمَدِينَةُ أَفْضَلُ ثُمَّ مَكَّةُ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ بَاقِي الْأَئِمَّةِ تَفْضِيلُ مَكَّةَ، وَالْخِلَافُ فِي غَيْرِ قَبْرِ الْمُصْطَفَى صلى الله عليه وسلم لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهِ حَتَّى عَلَى الْكَعْبَةِ وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ، وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي ثَوَابِ الْعَمَلِ، فَيَكْثُرُ فِي الْفَاضِلِ وَيَنْقُصُ فِي الْمَفْضُولِ.
(تَنْبِيهٌ) مَا قَرَّرْنَا بِهِ كَلَامَهُ تَبِعَنَا فِي شُرَّاحِهِ مَعَ بُعْدِهِ عَنْ قَوْلِهِ: وَاخْتُلِفَ فِي مِقْدَارِ التَّضْعِيفِ بِذَلِكَ دُونَ أَنْ يُقَالَ: وَاخْتُلِفَ فِي الْأَفْضَلِ مِنْهَا، وَلَعَلَّ الْحَامِلَ لِشُرَّاحِهِ عَلَى هَذَا الْحَمْلِ ذِكْرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بَيَانَ قَدْرِ التَّضْعِيفِ بِقَوْلِهِ:(وَلَمْ يُخْتَلَفْ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ فِي (أَنَّ الصَّلَاةَ) الْمَفْرُوضَةَ (فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ) تُصَلَّى (فِيمَا سِوَاهُ وَسِوَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ الْمَسَاجِدِ) لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» . وَاخْتَلَفَ فَهْمُ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: «إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» فَمِنْهُمْ مَنْ فَهِمَهُ عَلَى الْمُسَاوَاةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَهِمَهُ عَلَى عَدَمِهَا، فَالشَّافِعِيُّ فَضَّلَ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ بِمِائَةٍ لِأَنَّ مَكَّةَ عِنْدَهُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَدِينَةِ، وَلَا مَعْنَى لِفَضْلِ الْبَلَدِ إلَّا كَثْرَةَ ثَوَابِ الْعَمَلِ فِيهَا عَلَى غَيْرِهَا. (وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ) وَأَعْظَمُهُمْ الْإِمَامُ مَالِكٌ رضي الله عنه (يَقُولُونَ إنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ) أَيْ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ عليه الصلاة والسلام (أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِدُونِ الْأَلْفِ) لِأَنَّ مَالِكًا وَأَهْلَ الْمَدِينَةِ يُفَضِّلُونَ الْمَدِينَةَ عَلَى مَكَّةَ، وَلَا مَعْنَى لِلتَّفْضِيلِ إلَّا بِكَثْرَةِ ثَوَابِ الْعَمَلِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَفَسَّرَ بَعْضُ الشُّيُوخِ دُونَ الْأَلْفِ بِسَبْعِمِائَةِ صَلَاةٍ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ حَتَّى مَكَّةَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَيَلِيهَا فِي الْفَضْلِ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عِنْدَهُمْ، وَيَلِي الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الصَّلَاةُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَيَلِيهَا الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ، وَمَا عَدَا الْمَسَاجِدَ الْأَرْبَعَ لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَفْضِيلٌ، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ التَّفْضِيلَ الْوَارِدَ فِي تِلْكَ الْمَسَاجِدِ مُخْتَصٌّ بِصَلَاةِ الْفَرْضِ بِقَوْلِهِ:(وَهَذَا) الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسَاجِدِ الْمَذْكُورَةِ (كُلُّهُ فِي) صَلَاةِ (الْفَرَائِضِ)
[صَلَاة النَّوَافِل فِي الْبُيُوت]
(وَأَمَّا) صَلَاةُ (النَّوَافِلِ) الْمُقَابِلَةِ لِلسُّنَّةِ (فَفِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ) لِخَبَرِ: «اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» إلَّا التَّرَاوِيحَ إذَا كَانَ يَلْزَمُ مِنْ فِعْلِهَا فِي الْبُيُوتِ تَعْطِيلُ الْمَسَاجِدِ، وَأَمَّا الرَّغَائِبُ وَالسُّنَنُ كَالْوِتْرِ وَالْكُسُوفِ وَالْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ فَفِي غَيْرِ الْبُيُوتِ أَفْضَلُ، فَيُنْدَبُ فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ، كَمَا يُنْدَبُ لِغَرِيبِ الْمَدِينَةِ التَّنَفُّلُ بِمَسْجِدِهِ صلى الله عليه وسلم. (وَالتَّنَفُّلُ بِالرُّكُوعِ) فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (لِأَهْلِ مَكَّةَ) الْمُرَادُ بِهِمْ سَاكِنُوهَا وَلَوْ عَلَى حَسَبِ الْمُجَاوَرَةِ (أَحَبُّ إلَيْنَا) مَعَاشِرَ الْمَالِكِيَّةِ (مِنْ الطَّوَافِ) لِمَا يَلْزَمُ عَلَى فِعْلِهِ مِنْ الْمُزَاحَمَةِ بِوَاسِطَةِ الْغُرَبَاءِ، وَأَمَّا غَيْرُ السَّاكِنِ بِهَا فَأَشَارَ إلَى الْأَفْضَلِ فِي حَقِّهِ بِقَوْلِهِ:(وَالطَّوَافُ لِلْغُرَبَاءِ) وَهُمْ غَيْرُ السَّاكِنِينَ بِهَا كَأَهْلِ الْمَوْسِمِ (أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ الرُّكُوعِ لِقِلَّةِ وُجُودِ ذَلِكَ لَهُمْ) لِأَنَّ الطَّوَافَ إنَّمَا يَكُونُ حَوْلَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَأَمَّا الرُّكُوعُ فَيَتَيَسَّرُ وَلَوْ لِلْخَارِجِ مِنْ مَكَّةَ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَتَحِيَّةُ مَسْجِدِ مَكَّةَ الطَّوَافُ، قَالَ شُرَّاحُهُ: أَيْ لِلْقَادِمِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ الدَّاخِلِ فِيهِ لِإِرَادَةِ الطَّوَافِ، وَأَمَّا الدَّاخِلُ لِلصَّلَاةِ أَوْ الْمُشَاهَدَةِ فَتَحِيَّتُهُ رَكْعَتَانِ إنْ كَانَ فِي وَقْتٍ تَحِلُّ فِيهِ النَّافِلَةُ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِأَرْكَانِ الْإِسْلَامِ مِنْ صَلَاةٍ وَزَكَاةٍ وَصَوْمٍ وَحَجٍّ بَعْدَ الْكَلَامِ عَلَى عَقَائِدِ الْإِيمَانِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَجِبُ عَلَى الْجَوَارِحِ السَّبْعَةِ وَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا وَيُقَالُ لَهَا الْكَوَاسِبُ وَهِيَ: السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَاللِّسَانُ وَالْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ وَالْبَطْنُ وَالْفَرْجُ عَلَى عَدَدِ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ قَالَ:
[غَضّ الْبَصَر]
(وَمِنْ الْفَرَائِضِ) عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ (غَضُّ الْبَصَرِ) أَيْ كَفُّ عَيْنَيْهِ (عَنْ نَظَرِ) جَمِيعِ (الْمَحَارِمِ) أَيْ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى، فَلَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ لِأَجْنَبِيَّةٍ، وَلَا لِأَمْرَدَ عَلَى وَجْهِ الِالْتِذَاذِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى حُرْمَةِ النَّظَرِ بِقَصْدِ الشَّهْوَةِ لِغَيْرِ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ، قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: النَّظَرُ إلَى الْأَمْرَدِ الْحَسَنِ وَالصُّورَةِ عَلَى وَجْهِ الِالْتِذَاذِ كَالنَّظَرِ إلَى الشَّابَّةِ، وَأَمَّا النَّظَرُ إلَيْهِ لَا بِقَصْدِ الِالْتِذَاذِ أَوْ الْخَلْوَةِ بِهِ فَلَا حُرْمَةَ مَعَ عِلْمِ السَّلَامَةِ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا، لَكِنَّ السَّلَامَةَ فِي تَرْكِ ذَلِكَ وَلَا سِيَّمَا لِأَصْحَابِ الْفَضْلِ الْمُتَأَكِّدِ فِي حَقِّهِمْ الْمُبَاعَدَةُ مِنْ مَظَانِّ التُّهَمِ، وَلَا يَخْتَصُّ وُجُوبُ غَضِّ الْبَصَرِ عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ مِنْ النِّسَاءِ، بَلْ يَتَنَاوَلُ غَضَّهُ عَنْ النَّظَرِ لِلْغَيْرِ عَلَى وَجْهِ الِاحْتِقَارِ، أَوْ عَلَى وَجْهِ تَتَبُّعِ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ مَا يَكْرَهُ مَالِكُهُ نَظَرَ الْغَيْرِ إلَيْهِ مِنْ كِتَابٍ أَوْ غَيْرِهِ لِخَبَرِ:«مَنْ نَظَرَ فِي كِتَابِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَكَأَنَّمَا نَظَرَ فِي فَرْجِ أُمِّهِ» وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَكِنْ بِلَفْظِ: «مَنْ نَظَرَ فِي كِتَابِ أَخِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنَّمَا يَنْظُرُ فِي النَّارِ» وَقَالَ: إنَّهُ
وَلَيْسَ فِي النَّظْرَةِ الْأُولَى بِغَيْرِ تَعَمُّدِ حَرَجٍ وَلَا فِي النَّظَرِ إلَى الْمُتَجَالَّةِ وَلَا فِي النَّظَرِ إلَى الشَّابَّةِ لِعُذْرٍ مِنْ شَهَادَةٍ عَلَيْهَا وَشَبَهِهِ وَقَدْ أُرْخِصَ فِي ذَلِكَ لِلْخَاطِبِ.
وَمِنْ الْفَرَائِضِ صَوْنُ اللِّسَانِ عَنْ الْكَذِبِ وَالزُّورِ وَالْفَحْشَاءِ وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ،
ــ
[الفواكه الدواني]
ضَعِيفٌ كَمَا قَالَهُ السَّخَاوِيُّ.
قَالَ التَّاجُ السُّبْكِيُّ: إنَّهُ دَلَّ عَلَى مَحْظُورٍ وَلَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ فَالْأَظْهَرُ وُجُوبُ الِانْكِفَافِ يَعْنِي احْتِيَاطًا، وَفِي كَلَامِ الْإِمَامِ مَا يُؤَيِّدُهُ.
قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ أَلْفِيَّةِ الْعِرَاقِيِّ. وَقَوْلُنَا عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا يُخَاطَبُ بِالْفَرْضِ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ لِوَلِيِّهِ أَنْ يُجَنِّبَهُ مُخَالَطَةَ مَا لَا يَحِلُّ لِلْمُكَلَّفِ مُخَالَطَتُهُ لِئَلَّا يَتَطَبَّعَ عَلَى ذَلِكَ فَيَكُونَ ذَرِيعَةً لِلْفَسَادِ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي زَمَانِنَا. وَمِنْ أَقْبَحِ مَا بَقِيَ مِنْ الْوَلِيِّ إلْبَاسُ ابْنِهِ أَوْ مَمْلُوكِهِ الصَّغِيرِ الْحَسَنِ الصُّورَةِ الثِّيَابَ الْجَمِيلَةَ أَوْ شَيْئًا مِنْ الْحِلْيَةِ الْمُوجِبَةِ لِتَعَلُّقِ نَفْسِ الْفَاسِقِ بِهِ، بَلْ لَا تَبْعُدُ حُرْمَةُ ذَلِكَ عَلَى الْوَلِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمَّا كَانَتْ حُرْمَةُ النَّظَرِ مُخْتَصَّةً بِحَالَةِ الْعَمْدِ عَلَى وَجْهِ الِالْتِذَاذِ قَالَ:(وَلَيْسَ فِي النَّظْرَةِ الْأُولَى) إلَى مَا لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ (بِغَيْرِ تَعَمُّدِ) الْتِذَاذٍ أَوْ نَحْوِ انْتِقَاصٍ (حَرَجٌ) أَيْ إثْمٌ وَذَلِكَ بِأَنْ يَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى وَجْهِ جَمِيلٍ أَوْ جَمِيلَةٍ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَغَضَّهُ سَرِيعًا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْحَرَجِ، وَأَمَّا لَوْ تَعَمَّدَ النَّظَرَ لِلِالْتِذَاذِ أَوْ أَدَامَهُ مَعَ قَصْدِهِ لَا إثْمَ لِأَنَّهُ لَا يُحَرَّمُ النَّظَرُ بِمُجَرَّدِهِ، لِمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي بَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ مِنْ أَنَّ وَجْهَ الْأَجْنَبِيَّةِ لَيْسَ مِنْهَا، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ فِي حَالَةٍ خَاصَّةٍ وَذَلِكَ عِنْدَ قَصْدِ الِالْتِذَاذِ أَوْ خَشْيَةِ الِافْتِتَانِ. (وَلَا) حَرَجَ أَيْضًا (فِي النَّظَرِ إلَى وَجْهِ الْمُتَجَالَّةِ) وَهِيَ الَّتِي لَا تَمِيلُ إلَيْهَا نَفْسُ النَّاظِرِ، وَأَمَّا لَوْ نَظَرَ إلَيْهَا مَنْ يَلْتَذُّ بِهَا فَيَنْزِلُ عَلَى النَّظَرِ إلَى الشَّابَّةِ لِأَنَّ كُلَّ سَاقِطَةٍ لَهَا لَاقِطَةٌ. (وَلَا) حَرَجَ أَيْضًا (فِي النَّظَرِ إلَى الشَّابَّةِ لِعُذْرٍ) وَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ:(مِنْ شَهَادَةٍ عَلَيْهَا) فِي مُعَامَلَةٍ أَوْ نِكَاحٍ (وَشَبَهِهِ) أَيْ الْعُذْرُ كَالطَّبِيبِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِكُلٍّ النَّظَرُ إلَيْهَا، لَكِنَّ الشَّاهِدَ يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا فَقَطْ، وَمَحَلُّ الْجَوَازِ إذَا كَانَتْ غَيْرَ مَعْرُوفَةِ النَّسَبِ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا عَلَى مِنْ لَا يُعْرَفُ إلَّا عَلَى عَيْنِهِ لِيُسَجِّلَ مَنْ زَعَمَتْ أَنَّهَا بِنْتُ فُلَانٍ، وَلَا عَلَى مُتَنَقِّبَةٍ لِتَتَعَيَّرَ لِلْأَدَاءِ، وَيَجُوزُ لِلشَّاهِدِ النَّظَرُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ، وَلَوْ لَزِمَ عَلَى ذَلِكَ تَأَمُّلُ جَمِيعِ صِفَاتِهَا لِأَنَّ النَّظَرَ مُتَمَحِّضٌ لِلشَّهَادَةِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مَطْلُوبُ الطَّبِيبِ فِي عَوْرَتِهَا فَإِنَّهُ يَبْقُرُ الثَّوْبَ عَنْ الْمَوْضِعِ الْمَأْلُومِ لِيَنْظُرَ إلَيْهِ الطَّبِيبُ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْمَرَضُ بِفَرْجِهَا لِلضَّرُورَةِ، وَيَنْبَغِي أَوْ يَتَعَيَّنُ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إذَا كَانَ الطَّبِيبُ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ إلَّا بِرُؤْيَتِهِ بِنَفْسِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الطَّبِيبُ يَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ النِّسَاءِ وَيَصِفْنَهُ لَهُ فَلَا أَظُنُّ أَحَدًا يَقُولُ بِجَوَازِ رُؤْيَةِ الرَّجُلِ لِفَرْجِ الْمَرْأَةِ وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ. وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْوَاعِ عُيُوبِ الزَّوْجَةِ الَّتِي يَدَّعِيهَا الزَّوْجُ، فَإِنْ كَانَ فِي وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا فَيَشْهَدُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي نَحْوِ ظَهْرِهَا أَوْ بَطْنِهَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ خَارِجٌ عَنْ فَرْجِهَا فَلَا يَشْهَدُ عَلَيْهِ إلَّا النِّسَاءُ وَلَا تَحِلُّ رُؤْيَةُ الرِّجَالِ لَهُ وَلَوْ رَضِيَتْ الْمَرْأَةُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ بِفَرْجِهَا فَتُصَدَّقُ الْمَرْأَةُ فِي نَفْيِهِ إلَّا أَنْ تُمَكِّنَ النِّسَاءَ مِنْ رُؤْيَةِ فَرْجِهَا فَتُقْبَلَ شَهَادَتُهُنَّ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ خَلِيلٍ: وَإِنْ أَتَى بِامْرَأَتَيْنِ تَشْهَدَانِ لَهُ قُبِلَتَا.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْإِجْمَالِ وَأَنَّ الطَّبِيبَ لَيْسَ كَالشَّاهِدِ لِضَرُورَةِ نَظَرِ الطَّبِيبِ دُونَ الشَّاهِدِ.
الثَّانِي: مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّ رُؤْيَةَ وَجْهِ الشَّابَّةِ لِغَيْرِ عُذْرٍ فِيهِ الْحَرَجُ أَيْ الْإِثْمُ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لِغَيْرِ قَصْدِ اللَّذَّةِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ، لِأَنَّ نَظَرَ وَجْهِ الشَّابَّةِ مَظِنَّةٌ لِلِالْتِذَاذِ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ لَا حَرَجَ عِنْدَ عَدَمِ قَصْدِ الِالْتِذَاذِ، لِأَنَّ الْقَلْشَانِيَّ نَقَلَ عَنْ ابْنِ مُحْرِزٍ أَنَّ النَّظَرَ إلَى وَجْهِ الْأَجْنَبِيَّةِ مَكْشُوفًا بِغَيْرِ لَذَّةٍ جَائِزٌ، وَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي تَرْجَمَةِ عِيسَى الْغُبْرِينِيِّ عَنْ ابْنِ نَاجِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: وَجَائِزٌ أَنْ يَنْظُرَ إلَى شَعْرِ الْمَرْأَةِ وَوَجْهِهَا أَنَّ الْقَوْلَ بِالْمَنْعِ أَنْكَرَهُ الْحُفَّاظُ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ، وَأَفْهَمَ تَمْثِيلُ الْمُصَنِّفِ الْعُذْرَ بِالشَّاهِدِ وَالطَّبِيبِ أَنَّ التَّعْلِيمَ لَيْسَ مِنْ الْعُذْرِ، فَلَا يَجُوزُ النَّظَرُ إلَى وَجْهِ الشَّابَّةِ عِنْدَ تَعْلِيمِ عِلْمٍ أَوْ قُرْآنٍ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ عَرَا عَنْ قَصْدِ اللَّذَّةِ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ لِأَنَّ مُدَاوَمَةَ النَّظَرِ يَنْشَأُ عَنْهَا الِالْتِذَاذُ غَالِبًا، بِخِلَافِ النَّظَرِ إلَى وَجْهِ الذَّكَرِ فَيَجُوزُ، وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا لَمْ يَخْشَ الْمُعَلِّمُ بِإِدَامَةِ النَّظَرِ إلَيْهِ الِافْتِتَانَ بِهِ، وَإِلَّا حَرُمَ النَّظَرُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ.
الثَّالِثُ: اعْلَمْ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَ يُخْشَى مِنْ رُؤْيَتِهَا الْفِتْنَةُ وَجَبَ عَلَيْهَا سَتْرُ جَمِيعِ جَسَدِهَا حَتَّى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُخْشَ مِنْ رُؤْيَتِهَا ذَلِكَ فَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُ مَا عَدَا وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا، وَلِمَا قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ سَتْرُ وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ لَهَا ذَلِكَ، وَعَلَى الرَّجُلِ غَضُّ بَصَرِهِ عَنْ النَّظَرِ إلَيْهَا بِشَهْوَةٍ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِهِمْ. وَأَقُولُ: الَّذِي يَقْتَضِيه الشَّرْعُ وُجُوبَ سَتْرِهَا وَجْهَهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ، لَا لِأَنَّهُ عَوْرَةٌ وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِمَا تُعُورِفَ عِنْدَ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ الْفَاسِدِ أَنَّ كَشَفَ الْمَرْأَةِ وَجْهَهَا يُؤَدِّي إلَى تَطَرُّقِ الْأَلْسِنَةِ إلَى قَذْفِهَا، وَحِفْظُ الْأَعْرَاضِ وَاجِبٌ كَحِفْظِ الْأَدْيَانِ وَالْأَنْسَابِ وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ. (وَقَدْ أُرْخِصَ) أَيْ سُومِحَ (فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي النَّظَرِ إلَى وَجْهِ الشَّابَّةِ وَكَفَّيْهَا (لِلْخَاطِبِ) لِنَفْسِهِ إذَا كَانَ قَصَدَ مُجَرَّدَ عِلْمِ صِفَتِهَا فَقَطْ.
قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ نَظَرُ وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا فَقَطْ بِعِلْمٍ وَيُكْرَهُ اسْتِغْفَالُهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِمَنْ قَالَ لَهُ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ: اُنْظُرْ