الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأما البيت الرابع فإنه لأبي أسيدة الدبيري، وقبله:
(إنَّ لنا شيخين لا ينفعاننا
…
غنيين لا يُجدي علينا غناهما)
وقوله: (إن) بتقدير لأن، وقوله:(يَسَّرت) بياء مفتوحة وسين مهملة مفتوحة، معناه: كثرت ألبانها، ونسلها، ورجل مُيسِر، بكسر السنين خلاف /260 (230) / المجنِب، بكسر النون، من قولهم: جُنَّب القوم، إذا قلَّت ألبانُ إبلهم. وثنى (الغنم) كما جاء في الحديث:«مثل المنافقِ كمثلِ الشاةِ العائرة بين الغنمين» . و (العائرة) بالمهملتين، التي تخرج من غنم إلى أخرى، ليضربَها الفحل.
وأما البيت الخامس فإنه يروى برفعِ (ربع) ونصبه، فمَنْ رفعَ جعله فاعل (شجاك) ، و (أظن) ملغاة، ومَنْ نصبَ جعلَه مفعولاً أولاً لا ظنّ. وجملة (شجاك مفعولاً ثانياً مقدَّماً، وفاعله ضمير مستتر راجع إلى الربع، لأنه مؤخر لفظاً مقدَّم تقديراً، إذ أصله التقدم على (شجاك).
مسألة [119]
إذا تقدَّم الفعل القلبي على مفعوليه لم يَجُزَّ إلغاؤه، وموهم ذلك محمول على جعل المفعول الأول ضميرَ شأنٍ محذوفاً، والجملة المذكورة مفعولاً ثانياً، أو على أنَّ الفعلَ معلَّقٌ بلام ابتداء مقدَّرة، كما تعلْق بها مظهره
، ومثال ذلك قوله:[الكامل]
(فعبرتُ بعدَهُمُ بعيشٍ ناصبٍ
…
وإخالُ إنّي لاحِقٌ مستتبَعُ)
وأنشد الشارح على ذلك قوله: [البسيط]
(أرجو وآملُ أنْ تدنو مودتُها .. وما إخالُ لدينا منكِ تنويلُ)
/261 (231) / وقوله: [البسيط]
(كذاك أُدْبتُ حتَّى صارَ من خُلُقِي
…
إنّي رأيتُ مِلاكُ الشيمةِ الأدبُ)
وقدّر في الأول ضمير الشأن، أي: وما إخاله. وفي الثاني اللام، أي: لملاك. وعليه اعتراض من وجهين، أحدهما: أنه لا يظهر وجه تخصيص الأول بالضمير، والثاني باللام، بل لو حُمِل كلاً منهما على إضمار اللام أو الضمير لصحَّ، والثاني: إنَّ الناظم وغيره نصّوا على أن العامل المتقدَّم على مفعوليه متى تقدم عليه ما يتعلق به ثاني المفعولين، أو بالكلام يسهَّل الإلغاء، فالأول، نحو: متى ظننت زيد قائم، فإن متى متعلقة بقائم، والثاني كما في البيتين، لتقدم ما في البيت الأول، وإن في الثاني.
وصرَّحَ الناظم بذلك في شرح الكافية وغيرها، وذَهَل عنه ابنُه فحمل قوله في الخلاصة:
(وانوِ ضمير الشأن أو لام ابتداء
…
في موهم إلغاء ما تقدما)
على إرادة هذين البيتين ونحوها.
والصواب أنه إما أراد ما سمع من نحو: ظننت زيد قائم، وعليه البيت الذي أنشدته، وذلك فيمَنْ رواه:(إني) بكسر الهمزة، وأنها إنما تكسر بعد الفعل القلبي إذا عُلِّقَ باللام، نحو:{وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} [المنافقون:1] ، فالتقدير على هذا، إني للاحق، وناصب، ذو نصب، ولو كان /261 (231) / اسم فاعل لكان منتصباً، لأنك تقولُ: انصبَهُ الأمرُ، وإخال، بكسر الهمزة في لغة جميع العرب إلّا بني أسد، فإنَّهم يفتحونها وهو القياس.
ومعناها هنا اليقين. و (مستتبَع) بفتح الباء، جعلهم كأنَّهم سألوه أنْ يتبعَهم.
والبيت لأبي ذؤيب الهذلي، من مرثيته المشهورة، وأولها:
(أمنِ المنون وريبهِ تتوجُعُ
…
والدهرُ ليس بمعتبٍ مَنْ يَجْزَعُ)
ومنها:
(أودىَ بَنيّ واعقبوني حسرةً
…
بعد الرقاد وعبرةً ما تقلِعُ)
(فالعينُ بعدَهُم كأنَّ حداقَها
…
سُلِمَتْ بشوكٍ فهي عُورٌ تدمعُ)
(سبقوا هُوي وأعنقوا لهواهم
…
فتُخُرِّموا ولكلِّ جنبٍ مصرعُ)
ومنها:
(فليس بهم فجع الزمان وريبه
…
إني باهل مودتي لمفجعُ)
(ولقد حرصت بأن أدافع عنهم
…
فإذا المنيّةُ اقبلتْ لا تُدْفَعُ)
(وإذا المنيّةُ أتشبَتْ أظفارَها
…
ألفيتُ كلَّ تميمةٍ لا تنفعُ)
/263 (233) (وتجلّدي للشامتين أريهُمُ
…
إني لريْبِ الدهرِ لا اتضعضعُ)
(والنفسُ راغبةٌ إذا رغْبْتَها
…
وإذا تُرَدُّ إلى قليلٍ تقنعُ)
(كَمْ مِنْ جميعِ الشَّملِ ملتئمِ الهوى
…
كانوا جميعاً قبلنا فتصدَّعوا)
أودى الشباب: ذهبَ. و (العين) نائب عن العينين. و (الحداق) نائب عن الحدقتين. و (السَّمْل): الفَقْء. وبني قوله: (فهي عور) على لفظ قول (حداقها)، ولو راعى المعنى لقال: فهما عوراوان، أو على العين في أول البيت لقال: فهي عوراء.
وشرح البيت الرابع يأتي -إن شاء الله- في باب كيفية التثنية والجمع.
و (التميمية) والعاذة والعوذة بمعنى.
وأما البيت الثاني فإنه لكعب بن زهير رضي الله عنه من لاميته المشهورة التي صدرها:
(بانتْ سعادُ فقلبي اليوم متبول)
وفيه شواهد، أحدها، أن يقال: أمَل، بالتخفيف، يأمُل، كقتل
يقتل. وقد وهم بعض المتأخرين فزعم أنّه إنّما يقال: أمّل، بالتشديد.
وقد ذكرت حكاية ظريفة في ذلك في شرح القصيدة المذكورة، وفي قوله أيضاً في القصيدة:
(والعفو عند رسول الله مأمول)
دليل أيضاً على ذلك. الثاني: عطف الشيء على نفسه لاختلاف اللفظ. فإنَّ /264 (234) / الرجاءَ والأملَ بمعنىً، ومثله قوله تعالى:{فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا} [آل عمران:146]، وهذا العطف من خصائص الواو. والثالث: تسكين المنصوب المعتل بالواو للضرورة، أو إهمال أنْ المصدرية حملاً على أختها (ما). الرابع: جواز إلغاء الفعل القلبي المتقدِّم على مفعولية إذا تقدَّم عليه شيءٌ يتعلّق بالكلام. والخامس: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب.
وأما البيت الثالث فهو حماسي، وقبله:
(أكنِّيةِ حينَ أناديهِ لأكرمَهُ
…
ولا الّقبه والسوءةُ اللقبُ)
وقد روى هذا الشعر مرفوع القافية كما أورده الشارح ومنصوبه وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على قوله: (أكنيه .... البيت) في باب المفعول معه.