الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أي: غاب فعل ذي كرم وجبّأ بطلا ودرى ما هيجت لنا، وهذا واضح، لأنَّه إذا قدّر تمام الكلام قبل المفعول حسب السؤال. وإناءًا جمع نأى وهو البعد، وهو مما جمع فيه فعلى الصحيح العين على أفعال كفرح وأفراح وندر ورأد وارآد.
والديار على حذف مضاف، أي: أهل الديار، أو سمى أهل الديار ديارًا تسمية للحال باسم المحل، وعلى الاحتمالين قوله:[الطويل]
/91 ب/ (لئن نزحتْ دارٌ لليلى لربَّما
…
غنينا بخير والديار جميعُ)
وقد يكون جميع بمعنى جامعه فلا يحتاج إلى واحد من التأويلين، وقوله: وِشامها، بكسر الواو وإعجام الشين، جمع وشم، وهو.
مسألة [129]
أجاز الأخفش وابن جني وأبو عبد الله الطوال أن يعود ضمير من الفاعل المقدّم على المفعول المؤخّر
، نحو: ضرب غلامه زيدًا، لأن استلزام الفعل للمفعول يقوم مقام تقدّمه، ومنعه الجمهور، لعود الضمير على متأخر لفظًا ورتبةً، وللاتفاق على المنع في قولك: صاحبُها في الدار، ويشهد للأول قوله:[الطويل]
(جزى ربُّه عنّي عديَّ بنَ حاتمٍ
…
جزاءَ الكلابِ العاوياتِ وَقَدْ فَعَلْ)
وقوله: [البسيط]
(جزى بنوه أبا الغيلانِ عن كبرٍ
…
وحسن فعل كما يجزى سنمارُ)
وقوله: [الطويل]
(ولو أنَّ مجدًا خلّدَ الدهرّ واحدًا
…
مِنَ الناسِ أبقَى مَجْدُهُ الدهرَ مُطْعِما)
وقوله: [الطويل]
(كسى حلمه ذا الحلم أثوابَ سؤددٍ
…
ورقى نداء ذا الندى في ذرى المجدِ)
وقال بعضُهم: هو جائز في الضرورة ممتنعٌ في الكلام، وأجازه ابن الناظم.
فأمّا البيت الأول فإنه لأبي الأسود الدؤلي يهجو عدى بن حاتم.
والجزاء يستعمل في الخير والشر، والجملة خبرية اللفظ دعائية، واختلف في المراد بجزاء الكلاب العاويات، فقيل: هو الضرب والرمي بالحجارة.
وقال الأعلم: ليس هذا بشيء، وإنَّما دعا عليه بالأبنة، إذ الكلام تتعاوى عند طلب السفاد، قال: وهذا من ألطف الهجو.
ومن قال المراد الضرب فليس بشيء، ثم حقّق المدعو به بقوله وقد فعل، ومن هنا اتّجه الأعلم أن سماه هجاء، وإلاً فالدعاء لا هجاء فيه، ونظيره في تحقيق المدعو به قوله سبحانه:{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد:1]، وقد حققت الجملة المدعو بها في الآية على وجه أكمل، إذ لم يقل: وتبت يداه، بل بأنَّه كلُّه قد خسر، يداه وغيرها.
وأجاب المانعون بأن الضمير في (ربه) ليس عائدًا إلى (عَدِيّ) بل إلى الجزاء المفهوم من قوله: جزى، وكأنَّه قيل جزاء مالِك الجزاءِ، أي الذي بيده أمرُ الجزاء، ويشهد لهم قول النابغة:[الطويل]
(جزى الله عبسًا والجزاءُ يكفه
…
جزاء الكلاب العاويات وقد فَعَلْ)
وقوله علي رضي الله عنه: [الطويل]
(جزى الله عني والجزاء بفضله
…
ربيعة خيرًا ما أعف وأكرما)
وعلى هذا فإذافة كلمة الرب إلى ضمير الجزاء أعطى المعنى الذي تعطيه الجملتان المعترضتان في البيتين.
وفي كتاب النوادر لابي عمر الزاهد غلام ثعلب أن ابن كيسان تسمع ثعلبا يقول: لا يتقدم المكني على الظاهر، فاعترض عليه بهذا البيت، فأجاب بأنَّهُ شاذٌ، وبأنَّه يجوز أن تكون الكناية لغير (عديّ) وكأنّه وصف رجلاً
أحسن اليه، ثم قال جزاه ربُّه خيرًا، وجزى عني عديّ بنَ حاتم شرًّا، فلا شذوذ في البيت، ولا خفاء بما في هذا التأويل من السقوط لكثرة تكلّفه، وادعاء حذف ما لا دليل عليه.
واما البيت الثاني فلا [يحتم] من الضمير ما قدّمنا /95 ب/ من التأويل، و (عن) فيه بمعنى بعد مثلها في «لتركبن طبقًا عن طبق» ، وقوله: وحسن فعل، أي لهم، وقوله: يجزي أي جزى، فأتى به على صيغة المضارع لاستحضار الحال الماضي لغرابته، وسِنِمَّار بوزنِ طِرَّماح اسم الرجل من البناة، وهو في الأصل علم للقمر، وهذا الرجل بنى الحورنق، وهو قصر عظيم لم يرَ العربُ مثله، بناه للنعمان الأكبر ملك الحيرة ليكون فيه ولده ونساؤه، ولما بناه رماه من أعلاه، فهلك، فصار يضرب به المثل في سوء المكفأة، فقيل:(جزاني جزاء سنمار)، وكان بناؤه في عشرين سنة، وذكر الجاحظ في كتاب الحيوان لبعض العرب:[الطويل].
(جزاني جزاه الله شرّ جزائه
…
جزاء سنمار وما كان ذا ذنبِ)
(بنى ذلك البنيان عشرين حجة
…
يُعَلَّى عليه بالقراميد والسكبِ)
(فلما انتهى البنيانُ يومَ تمامِه
…
وآضَ وكمثِل الطود واللدع الصعبِ)
(رمى سنمار على حقّ رأسه
…
وذاك لعمر الله من اعظمِ الخطبِ)
واختلف في سبب ما فعل به ذلك فقيل: لأنه.
واما البيت الثالث فإنه لحسان بن ثابت الانصاري رضي الله عنه يمدح المطعم بن عدي. والدهر هنا جميع الزمان، وهو منصوب بأخلد وبأبقى.
واما البيت الرابع فواضح، وفيه شاهد على هذه المسألة، فهو من أنفع الأبيات.