الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السامع إلى معرفته، فقدَّرَ أنَّهُ سأل فقال: من يبكيه؟ /90 آ/ فقال مجيبًا: له ضارع أي يبكيه ضارع ومختبط يقول: إنَّهُ كان لنصره للمظلوم ولمواساته للفقراء يقصده هذان النوعان من الناس، فينبغي أن يبكي عليه الآن كلُّ ذليلٍ لا ناصر له، وكلُّ محتاجٍ قد أهلكته حوادثُ الزمان، وتركته لا معينَ له.
وزعم بعضُهم أنَّهُ لا دليلَ في البيت، لجواز أنْ يكونَ يزيدُ منادىَّ، وضارع مفعول يبكي، أي: يا يزيدُ يجبُ بعدَك أنْ يبكي الذليلُ والمحتاجُ فإنَّهما قد هلكا بهلاكك.
والتوجيه الأول أولى، لأنَّه رُوى: ليَبْكِ يزيدَ، بفتح ياء «يبك» وكسر كافة، ونصب يزيد، فلما ظهر (ضارعٌ) فاعلاً في هذه الرواية استحق أن يقدَّرَ فاعلاً في الأخرى ليستويا.
مسألة [127]
يجوز في الكلام حذفُ تاءِ التأنيث من الفعلِ الماضي المسندِ إلى مؤنثٍ حقيقي
إذا فُصِلَ بينهما يغير إلاً، كقوله:[البسيط].
(إنَّ أمرأً غرَّهُ منكن واحدةٌ
…
بعدي وبعدَكِ في الدنيا لمغرورُ)
فإن كان الفاصل إلّا فالحذفُ قليلٌ كقولِه: [الطويل]
([طَوى النَّحْرُ والأجرازُ ما في غُرُوضِها]
…
وما بَقَيْت إلّا الضُّلوعُ الجَراشِعُ)
وأكثرُهم يخصُّهُ بالشعر، ويجوز في الشعر حذف التاء من الماضي المسند إلى ضميره متصل مجازى التأنيث، كقوله:[المتقارب]
(فلا مُزْنَةٌ ودَقَتْ وَدْقَها
…
ولا أرضَ أبقلَ إِبقالها)
فأما البيت الأول فـ (غَرَّه) صفه لـ (امرأ)، وواحدة فاعل، وهو صفة لمحذوف، وقد إختلف في تقديره، فقال سيبويه والجمهور: امرأة واحدة مؤنث حقيقي، وترك التاء من الفعل، إذ لم يقل غرته للفصل بالمفعول، وهو الهاء، وبالجار والمجرور، وهو (منكن).
وقال المبرِّد: التقدير: خصلة واحدة، فلا دليلَ في البيتِ حينئذٍ، لأنَّ التأنيثَ مجازيٌّ، والتقدير الأول أظهر، لأنَّه إلى الذهن أسبق، ويؤيدُ صحتَهُ حكايةُ سيبويهِ: حضر القاضي امرأة.
وأما البيت الثاني فإنَّه لذى الرُّمة، صدره:
(طوى النحز والاجراز ما في غروضها)
والنَّحْز، بفتح النون والحاء المهملة والزاي: النخس والاستحثاث الشديد. والاجراز، بالجيم والراء وآخرها زاي، جمع جُرُز، بضمتين، وهي الأرضُ التي لا نبتَ بها، والغُرُوض، بضمتين، أولاهما معجمة، جمع غرض، هو حزام الرجل. والجراشع جمع جُرشع، بضم الجيم والراء [و] المعجمة، المنتفخة الجنوب والبطون، يصفُ ناقَتُه بقول: طوى وهزل
ما أصابها من شدة الاستحثاث والركض ومن السير في الأرض التي لا نبات بها.
«ما في حزامها» وهو حشاها، فما بقيت من كثرة سبرها إلَّا أضلاع منتفخة عظيمة، يريد ذهب لحمها فلم يبق إلَا ضلوع مشرفة /90 ب/ مرتفعة.
وأما البيت الثالث فإنه لرجل طائي، وهو عامر بن جُوَيْن، بلفظ تصغير الجون، للأسود والأبيض.
و (مزنة) مبتدأ، أو اسم لا، على إلغائها أو أعمالها عمل ليس، وهي واحدة المزن، وهو السحاب الأبيض، ويقال للمطر حبّ المزن. ووهم ابن يسعون فقال: المطر نفسه، ويرده قوله تعالى:{أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ} [الواقعة: 69]، والودق، بالدال المهملة، المطر، وودقت تدق: مطرت، والجملة خبر المبتدأ، أو خبر لا، أو نعت لمزنة والخبر محذوف، أي موجود.
وودقها وإبقالها مصدران يشتبهان. و (أرض) اسم لا التبرئة، وأيقل خبرها فمحله الرفع، أو نعت لاسمها فمحله النصب، أو الرفع.
ويقال للمكان أول ما ينبت فيه البقل أبقل، وقد يقال بقل بقلاً
وبقولاً، ولوجهِ الغلامِ أول ما نبت فيه الشعر (بقل) لا غير.
وأنكر جماعة منهم الأصمعي: بقل في المكان، ولهذا ادعوا أنَّ باقلاً من الشواذ كأعشب، فهو عاشب.
والشاهد في قوله أبقل بإسقاط التاء مع كون الفاعل المؤنث مضمرًا متصلاً، وذلك لوجود شَرْطَيْهِ: كون التأنيث مجازيًا لا حقيقيًا، وكونه في الشعر لا في النثر، وكأنّه لما أُضطُّر حمل الأرض على الموضع أو السهل.
وعن ابن كيسان أنَّ ذلك جائزٌ في النثر، وإن البيت ليس بضرورة لتمكُّنِ قائلِه مِنْ أنْ يقولَ: أبقلت، وأنْ ينقلَ كسرةَ الهمزةِ إلى التاء، ثم يحذف الهمزة.
وأجاب السيرافي بأنَّهُ يجوزُ إِنْ يكونَ الشاعرُ ليس من لغتِه تخفيفُ الهمزة، وحينئذٍ لا يمكنه ما ذكره.
وذكر ابن يسعون أنَّ بعضَ الرواةِ رواه بالتاء، وبالنقل المذكور فإن صحَّتِ الروايةُ وصحَّ أنَّ القائلَ ذلك هو الذي قال: ولا أرض أبقل، بالتذكير، صح لابن كيسان مُدّعاهُ، وإلّا فقد كانت العرب ينشد بعضُهم شعرَ بعضٍ، ولا