الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فإنه فصل بين المتضايفين بمفعول المضاف مع تمكنه من أن يضيف المصدر إلى المفعول، ثم يرفع الفاعل.
وظهر لي وجهان غير ما ذكر، أحدهما: أن أكثر أشعارهم كانت تقع من غير روية، فقد لا يتمكنون من تخير الوجه الذي لا ضرورة فيه. والثاني: أن الشعر كان مظنّة الضرورة استباحوا فيه ما لم يضطروا إليه، كما أبيح القصر في السفر، لكونه مظنة المشقة مع أنها قد تنتفي مع بقاء الرخصة.
ويقال: باليته وبه ويحتملان هنا، لأن الجار يحذف من (أنّ وأنْ) قياساً، والمحمل على الأول نصب، وعلى الثاني نصب أو جر على الخلاف المشهور، و (إذا) ظرف لـ (نبالي) أن قدّر تجرده من معنى الشرط، وإلا فناصبه فعل الجواب المحذوف، أو فعل الشرط إذا لم تقدّر (إذا) مضافة، و (ديّار) من ألفاظ العموم، ولا تستعمل في الإيجاب، وأصلها (ديْوارٌ).
مسألة [15]
كما جاز إيقاع المتصل موقع المنفصل يجوز العكس، وذلك بشرطين أحدهما: الضرورة كما في المسألة التي قبلها /26/، والثاني: كون الضمير مرفوعاً أو منصوباً لا مجروراً، وهذا الشرط أهملوه لوضوحه وشاهد فصل المرفوع قوله:[البسيط].
(وما أصاحب من قوم فاذكرهم
…
إلا يزيدهم حبا إلي هم)
وقائله رجل من بني عديّ، وهو زياد بن حمل عذابي تمام، وزياد بن منقذ عند الجوهري، والمرزباني، والمرّار بن منقذ عند القتبي. ومعناه: أنه ما يصاحب من بعد قومه قوماً فيذكر قومه إلا يزيد أولئك القوم قومه حباً إليه، أما لما يرى من تقاصرهم عن قومه، أو لما يسمع منهم من الثناء عليهم، والذكر على الأول بالقلب، وعلى الثاني باللسان، ويشهد للأول أنه يروي: فأخبرهم.
ومحل الشاهد قوله (هم) فإنه فاعل (يزيد) فكان حقه أن يتصل به، فيقال: ألا يزيدونهم.
وزعم بعض من فسر الضرورة بما ليس للشاعر عند مندوحة، أن هذا ليس بضرورة، لتمكن قائله من أن يقول:
(ألا يزيدونهم حباً إلى هم)
ويكون الضمير المنفصل توكيداً للفاعل، ورده الناظم بأنه يتقضي كون الفاعل والمفعول ضميرين متصلين لمسمى واحد، وإنما يجوز ذلك في باب ظن، نحو:{أَنْ رَأَىَهُ اسْتَغْنَى} [سورة العلق: 7]، وهذا سهو؛ لأن مسمى الضميرين مختلفان؛ إذ ضمير الفاعل راجع لقوم، وضمير المفعول لقومه الممدوحين، ويحتمل عندي أن يكون فاعل (يزيد) ضمير المذكر، ويكون (هم)
المنفصل توكيداً لـ (هم) المتصل، فلا يكون في البيت شاهد لأنه يجوز أن يؤكد بالمرفوع المنفصل كل متصل، ويجوز في (فاذكرهم) و (فاخبرهم) الرفع عطاً على (اصاحب)، والنصب في جواب النفي؛ لأن انتقاض النفي إنما هو بالنسبة إلى لمعمول، ونظيره:
ما تأتينا فتحدثنا إلا في الدار.
وزعم أبو حيان أن الناظم حرّف صدر هذا البيت، وأن صوابه:
لم ألف بعدهم /27/ حياً فأخبرهم.
ولا مستند له في ذلك إلا أنه وجده في "حماسة أبي تمام" هكذا، والذي أورده الناظم هو رواية ابن قتيبة في "طبقات الشعراء"، ورواه المبرد أيضاً كذلك، إلا أنه أورده بالفاء في أوله، فقال: إذا اضطر الشاعل فصل الضمير، كقوله:[الرجز].
(أتتك عنس تقطع الأراكا
…
إليك حتى بلغت إياكا)
وقوله: [الكامل].
(أصرحت حبل القوم أم صرموا
…
يا صاح بل صرم الحبال هم)
وقوله:
فما أصاحب
…
البيت.
(لا حبذا أنت يا صنعاءُ من بلدٍ
…
ولا شعوب هوى منى ولا نُقُم)
(إذا سقى الله أرضاً صوب غادية
…
فلا سقاهن إلا النار تضطرم)
(وحبذا حين تمسي الريح باردةً
…
وادي أشي وفتيانٌ به هُضُمُ)
ومنها:
(هم البحور عطاء حين تسألهم
…
وفي اللقاء إذا تلقى بِهم بُهم)
(مخدّمون كرام في مجالسهم
…
وفي الرجال إذا لاقيتهم خدم)
و (شعوب) بضم الشين المعجمة، والعين المهملة، و (نقم) بضم النون والقاف، وهما وصنعاء بلاد كرهها هذا الشاعر حين أتى اليمين، وحنّ إلى وطنه.
و (الغادية) السحابة التي تمطر بالغداة، و (أشي) بضم الهمزة وفتح الشين المعجمة، أكمة ببلاد تميم، يصرف ولا يصرف، و (هضم) بضمتين جمع هضوم، وهو الطاوي الكشح، و (البهم) بضم الموحدة وفتح الهاء، جمع بهمة، بضمة فسكون: الفارس الذي لا يدري من أين يؤتى من شدة بأسه.
وشاهد فصل المنصوب قول الفرزدق، وقيل: أمية بن أبي الصلت، ولم أجده في ديوانه:[البسيط].
(بالباعث الوارث الأموات قد ضمنت
…
إياهم الأرض في دهم الدّهارير)
وقبله:
(وإني حلفت ولم أحلف على فندٍ
…
فِناءَ بيتٍ من /28/ السارين معمور)
الفند، بفتحتين: الكذب، وفناء: ظرف لحلفت، وما بينهما اعتراض، ومعمور: صفة لبيت تقدم عليه الظرف المتعلق به، والبيت: الكعبة المشرفة، والباء متعلقة بحلفت، والأموات: إما منصوب بالوارث على أن الوصفين تنازعاه، وأعمل الثاني، وإلا لا ضمير فيه، وإما مخفوض بإضافة الأول أو الثاني على حد قولهم:[البسيط].
(يا من رأى عارضاً أرقت له
…
بين ذراعي وجبهة الأسد)
وسيأتي في باب الإضافة إن شاء الله تعالى.
ومعنى (الوارث): الذي ترجع إليه الأملاك بعد فناء المُلاّك، و (ضمنت): أما بمعنى تضمنت، أي اشتملت عليهم، أو بمعنى كفلت، كأنها تكفّلت بأبدانهم، و (إياهم) مفعوله، وكان حقه: قد ضمنتهم، بالاتصال، وهذا محل الشاهد، والدهر والزمان واحد، قال [الخفيف].
(إن دهراً يلف شملي بسُعدى
…
لزمان يهم بالاحسان)
و (دهر الدهارير) الزمن السالف، وقيل: أول الأزمنة السالفة، فهو من باب التنبيه مثل:{فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} ؛ لأنه إذا بعث من تقادم زمانه، وتطاول عهده فما قرب أولى، وإذا قيل: دهر دهارير، بالصفة، فمعناه شديد، كما يقال: ليلة ليلاء، يوم أيوم، وساعة سوعاء، أنشد سيبويه لرجل من أهل نجد:[البسيط].
(حتى كأن لم يكن إلا تذكره
…
والدهر أيتما حال دهارير)
والدهر شديد في كل وقت، وقبل هذا البيت:
(استقدر الله خيراً وأرضين به
…
فبينما العسر إذ دارت مياسير)
(وبينما المرء في الأحياء مغتبط
…
إذا هو الرمس تعفوه الأعاصير)