الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(حرف النون)
أنشد فيه، وهو الإنشاد الثاني والخمسون بعد الخمسمائة:
(552)
أقائلن أحضروا الشهودا
على أن توكيد اسم الفاعل بنون التوكيد لضرورة الشعر، قال ابن جني في باب الاستحسان من كتاب "الخصائص": الاستحسان علة ضعيفة غير مستحكمة، إلا أن فيه ضرباً من الاتساع والتصرف، ومن ذلك:
أريت أن جئت به أملودا
…
مرجلاً ويلبس البرودا
أقائلن أحضروا الشهودا
فألحق نون التوكيد اسم الفاعل تشبيها له بالفعل المضارع، فهذا إذن استحسان لا عن قوة علة، ولا عن استمرار عادة ألا تراك، لا تقول: أقائمن يا زيدون، ولا أمنطلقن يا رجال، إنما تقول بحيث سمعته، وتعتذر له، وتنسبه على أنه استحسان منهم على ضعف منه واحتمال بالشبهة لهم. انتهى. وقال أيضاً في "سر الصناعة" وشبه بعض العرب اسم الفاعل بالفعل، فألحقه النون توكيداً، فقال:
أريت إن جئت به أملودا .. إلى آخر الرجز.
يريد: أقائلون، فأجراه مجرى: أتقولون، وقال آخر:
يا ليت شعري عنكم حنيفا
…
أشاهرن بعدنا السيوفا
انتهى. وهذا رجز أورده السكري في "أشعار هذيل" لرجل منهم بلفظ "قائلون"، قال: وقال رجل من هذيل:
أريت إن جاءت به أمولدا
…
مرجلاً ويلبس البرودا
أي: إن جاءت به ملكاً أملوداً أملس
ولا ترى مالاً له معدودا
أي: لا يعد ماله من جوده.
أقائلون أعجلي الشهودا
…
فظلت في شر من اللذكيدا
كاللذتزبى صائداً فصيدا
ويروى: "فاصطيدا"، "تزبى زبية": حفر زبية، واللذ: يريد الذي. يقول: أرأيت إن ولدت هذه المرأة رجلاً هذه صفته أيقال لها: أقيمي البينة أنك لم تأتي به من غيره؟ انتهى. وكذا أورده ابن دريد في "أماليه" بدون:
ولا ترى مالاً له معدودا
قال: أخبرنا أبو عثمان التوي عن أبي عبيدة، قال: أتى رجل من العرب له أمة، فلما حبلت، جحدها، فأنشأت تقول:
أريت إن جاءت به أملودا .. إلى آخره.
وعلى هذا لم تلحق نون التوكيد اسم الفاعل، وعلى رواية إلحاقها، فقوله: أقائلن جميع، وأصله: أقائلون، فلما أكد وصار: أقائلونن حذفت نون الجمع لتوالي الأمثال، وحذفت الواو أيضاً لاجتماعها ساكنة مع نون التوكيد، وبقيت الضمة دليلاً عليها، ولا يجوز أن يكون أصله: أقائل أنا، لأنه خطاب.
وزعم الدماميني هنا، وفي "شرح التسهيل" أن أصله أقائلن أنا، فحذفت الهمزة اعتباطا، ثم أدغم التنوين في نون أنا على حد (لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي) [الكهف/38] كما قيل فيه انتهى. وقد سبقه المراكشي بقوله: يمنع كون هذا توكيداً بجعل أصله: أقائل أنا، ففعل كما فعل بقوله تعالى:(لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي)، ورد عليه بأنه لو كان كذلك، لكان البيت: أقائلنا بألف بعد النون، وقد رد الشيخ خالد في "التصريح" على الدماميني بما ذكرنا وبهذا، فقال: وعليه اعتراض من وجهين، أحدهما: أنه يعتبر في المقيس أن يكون على وزان المقيس عليه، وهذا ليس كذلك، لأن الألف الثانية في المقيس عليه مذكورة، وفي المقيس محذوفة. والثاني: أن هذا الاحتمال إنما يتمشى حيث كان المعنى: أقائل أناعلى التكلم، أما إذا كان المعنى على الخطاب، أي: أأنت قائل كما تعطيه السوابق واللواحق فلا. انتهى. واعترض على الأخير الشنواني بأن في إعطاء ما ذكر نظراً لجواز أن المتكلم جرد من نفسه نفساً خاطبها. انتهى. ولا يخفى أن ادعاء التجريد ممكن فيما إذا لم يكن مخاطب، وأما هنا، فلا مساغ له، كما علم مما نقلنا عن ابن دريد.
واعترض على الأول أيضا بوجهين:
الأول: أنه يعتبر في المقيس أن يكون على وزان المقيس عليه في علة الحكم لا في غيرها.
الثاني: سلمنا ما ذكره، لكن نقول إن الألف الثانية في المقيس عليه محذوفة في قراءة غير ابن عامر، لأن ابن عامر قرأ بإثبات الألف وصلاً ووقفاً، والباقون بحذفها وصلاً، وبإثباتها وقفاً، وكفى ذلك في كون المقيس على وزان المقيس عليه. انتهى. وفي كل منهما نظر.
أما الأول: فلأن الألف الثانية إذا حذفت لم يبق دليل على أن النون بقية أنا حتى تقاس على غيرها في الإدغام.
وأما ثانياً، فلأن من قرأ بحذف الألف من (لكنا) وصلاً لا يحذفها خطاً، والخط يدل عليها، ولو وقف الدماميني على رواية الشعر، وعلى كلام "سر الصناعة" لم يقل ذلك، ولا كان يقول: سمعت شيوخنا ينشدونه بضم اللام من "أقائلن" ولم أقف عليه مضبوطا كذلك في كتاب معتمد. انتهى. فإن ضم اللام من لازم جمعه بالواو والنون، ثم قوله: فإن ثبتت رواية الضم فيه أن العربي لا يبنيه عند إلحاق هذه النون المتصلة به، لكن يسأل حنيئذ لم أعرب مع قيام الشبه المقتضي للبناء؟ انتهى. يريد بالشبه شبه اسم الفاعل المتصلة به النون بفعل الأمر، كما صرح به، وهذا السؤال واه جداً ناش عن غفلة، فإن مشابهة الاسم للفعل إنما تقتضي منعه من الصرف، لا بناءه.
والمشابهة إنما تكون في علتين من العلل التسع لا في مطلق المشابهة، والشبه المقتضي للبناء إنما يكون لمشابهته الحروف على أن النون غير متصلة باللام للفصل بالواو، والفعل المؤكد بها مع فصل ضمير بارز لا يبنى على الصحيح، فكيف الاسم!
وأغرب من هذا قول الشيخ خالد بعد اعترافه بأن اللام مضمومة، يسلك بالوصف مع نون التوكيد مسلك الفعل من البناء على الفتح مع المفرد، وعلى الضم مع جماعة الذكور، ولم أقف على نص في ذلك. انتهى. مع أن الدماميني صرح في أنه عند ضم اللام لا يكون مبنياً جزما إلا أنه غفل عن عدم اتصال النون باللام. وغاية ما أجاب الشمني عن عدم البناء بأن النون إنما تدخل الوصف لشبهه بالمضارع لفظاً
ومعنى، والأصل في الأسماء الإعراب، فيبقى على أصله مع أنه لا ضرورة في بنائه، بل في لحاق النون به، هذا كلامه.
وقد اعترض الشنواني على الشيخ خالد بأن بناء الفعل المؤكد بالنون على الضم مع واو جماعة الذكور لم أقف على نص في ذلك، فإن الذي وقفنا عليه بناؤه مع نون التوكيد، وإن لم تباشره، وأما أن بناءه على الضم مع الواو، وعلى الكسر مع الياء، فلم نره في شيء مما وقفنا عليه، فإن كان هو اطلع على نقل في ذلك، فسمعاً وطاعة، وإلا فهو محل توقف. انتهى. وهذا نقد جيد. وعلم معنى الشعر مما نقلناه من ابن دريد ومن السكري.
وقول الدماميني في معناه –تقول: أخبرني إن جاءت هذه المرأة بشاب يتزوجها رجل الشعر، حسن اللباس كالغصن الناعم، أتأمره بإحضار الشهود لعقد نكاحها عليه؟ ينكر وقوع ذلك منه. انتهى. –كلام صادر عن تخمين مخالف للمنقول، وقد تبعه عليه الشيخ خالد، وابن الملا حتى قال الزرقاني فيما كتبه على "التصريح"، قوله: ينكر وقوع ذلك منه، أي: ينكر وقوع إحضار الشهود، وذلك لأن الاستفهام في: أقائلن إنكاري، ووجه إنكار ذلك أن من كان على الصفة المذكورة كان من أهل الحضر، وذلك لا يصاهرهم، قاله بعض شيوخنا. انتهى.
قوله: أريت، أصله: أرأيت، بمعنى: أخبرني، حذفت الهمزة تخفيفاً. وقوله: إن جئت، بالتكلم على لسان المرأة وهي رواية ابن جني في "سر الصناعة" و"الخصائص" و "المحتسب" هذا إذا كانالقائل غيرها، فإن كانت هي القائلة، فهو على مقتضى الظاهر، ورواه السكري وابن درير:"إن جاءت" فهو على رواية السكري يكون عن لسانها، وعلى رواية ابن دريد يكون كلامها نزلت نفسها منزلة الغائبة، فأخبرت عنها. قال الجوهري: غصن أملود، أي: ناعم، ورجل أملود، وامرأة أمورد، والمرجل، بفتح الجيم المشددة: اسم مفعول من رجل شعره ترجيلاً،