الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[مذهب الخوارج والرد عليهم]
وهم أول من كفَّر أهل القبلة بالذنوب، واستحلوا دماء أهل القبلة بذلك فكانوا كما نعتهم النبي صلى الله عليه وسلم:"يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان"(1) وكفروا علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان ومن والاهما (2)، وقتلوا علي بن أبي طالب مستحلين لقتله، قتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي (3) منهم، وكان هو وغيره من الخوارج مجتهدين في العبادة، لكن
= واستقل بمذهب انفرد فيه بآراء عن سائر الخوارج، وكانت فتنته أيام ابن الزبير، واستقر بالبحرين، وتسمى بأمير المؤمنين، وروى مسلم وغيره أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن أشياء، منها هل يضرب للمرأة والعبد بسهم من الغنيمة إذا شهدا المعركة، وعن جواز قتل الصبيان -حين كان الأزارقة يجيزون قتلهم- كما ذكره الأشعري عنهم، وأن ابن عباس رضي الله عنهما أجابه عليها خوفاً من كتمان العلم. صحيح مسلم برقم (1812) كتاب الجهاد والسير.
وقتل نجدة سنة تسع وستين من الهجرة، والنجدات كما حكى الأشعري عنهم لا يقولون مثل سائر الخوارج إن كل كبيرة كفر، ولا يقولون إن الله يعذب أصحاب الكبائر عذاباً دائماً، وقالوا إن من فعل صغيرة وأصر عليها فهو مشرك، وربما سموا بالعاذرية لأنهم عذروا بالجهالات في أحكام الفروع، وأجمعوا كما ذكر الشهرستاني على أنه لا حاجة للناس إلى إمام قط، وإنما عليهم أن يتناصفوا بينهم. الكامل للمبرد (2/ 129)، الكامل لابن الأثير (4/ 78)، الخطط للمقريزي (2/ 354)، لسان الميزان (6/ 148)، مقالات الإسلاميين (1/ 174)، الملل والنحل (174)، الفرق بين الفرق (52)، الفصل في الملل والنحل (5/ 53).
(1)
هو جزء من حديث تقدم تخريجه.
(2)
يقول الشهرستاني في الملل والنحل (115): "ويجمعهم (أي الخوارج) القول بالتبري من عثمان وعلي رضي الله عنها، ويقدمون ذلك على كل طاعة، ولا يصححون المناكحات إلا على ذلك، وذكر الأشعري أن الخوارج أجمعوا على كفر علي رضي الله عنه مع اختلافهم هل كفره شرك أم لا.
(3)
هو عبد الرحمن بن ملجم المرادي الحميري الكندي، من فرسان الخوارج، قيل إنه أدرك الجاهلية، وكان من أشد الخوارج زهداً وعبادة، في وجهه أثر السجود، تآمر مع رجلين من الخوارج على قتل كل من علي ومعاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهم، واتفقوا على قتلهم غيلة في ليلة واحدة وهي ليلة السابع عشر من رمضان، وتولى ابن ملجم أخزاه الله قتل علي، وكمن له مع اثنين في صلاة الفجر، وتمكن من إصابته إصابة بليغة، وتوفي رضي الله عنه متأثراً بها، وكان ذلك سنة أربعين للهجرة، وقبض على ابن ملجم وقتل، فأما صاحباه فتمكن أحدهما من جرح معاوية رضي الله عنه، وعوفي بعد ذلك، وقتل الخارجي، وأما الآخر الذي =
كانوا جهالًا فارقوا السنة والجماعة، فقال هؤلاء: ما الناس إلا مؤمن وكافر، والمؤمن من فعل جميع الواجبات، وترك جميع المحرمات، فمن لم يكن كذلك فهو كافر مخلد في النار (1)، ثم جعلوا كل من خالف قولهم كذلك، فقالوا:
إن عثمان وعليًا ونحوهما حكموا بغير ما أنزل الله وظلموا فصاروا كفارا (2).
ومذهب هؤلاء باطل بدلائل كثيرة من الكتاب والسنة، فإن الله سبحانه أمر بقطع يد السارق دون قتله، ولو كان كافراً مرتدًا لوجب قتله، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من بدل دينه فاقتلوه"(3).
وقال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنى بعد إحصان، أو قتل نفس يقتل بها"(4).
= انتدبه الخوارج لقتل عمرو بن العاص، فلم يتمكن من قتله رضي الله عنه، لأنه لم يخرج لصلاة الفجر بسبب مرض أصابه، وخرج بدله نائبه خارجة فقتله الخارجي وظنه عمراً، فقال: أردت عمراً وأراد الله خارجة، وصارت مثلاً، وقتل هو أيضاً. الكامل للمرد (2/ 136)، طبقات ابن سعد (3/ 23)، لسان الميزان (3/ 439)، البداية والنهاية (7/ 338).
(1)
ومما استدل به الأزارقة على مذهبهم كفر إبليس، وقالوا: ما ارتكب إلا كبيرة حيث أمر بالسجود لآدم عليه السلام فامتنع. الملل والنحل (122).
(2)
لا بد من التنبيه إلى أن الخوارج ليست لهم مصادر لمذهبهم، وقد أشار المصنف رحمه الله إلى ذلك في غير هذا الموضوع حيث قال في مجموع الفتاوى (13/ 49):"وأقوال الخوارج إنما عرفناها من نقل الناس عنهم، لم نقف لهم على كتاب مصنف، كما وقفنا على كتب المعتزلة، والرافضة، والزيدية، والكرامية، والأشعرية، والسالمية، وأهل المذاهب الأربعة، والظاهرية، ومذاهب أهل الحديث، والفلاسفة، والصوفية، ونحو هؤلاء. . ".
(3)
رواه البخاري برقم (3017) كتاب الجهاد والسير باب لا يعذب بعذاب الله، والترمذي برقم (1458) كتاب الحدود، والنسائي برقم (4059) كتاب تحريم الدم، وأبو داود برقم (4351) كتاب الحدود، وابن ماجه برقم (2535) كتاب الحدود، وأحمد برقم (1874).
(4)
رواه قريباً من هذا اللفظ الترمذي برقم (2158) كتاب الفتن، وأبو داود برقم (4502) كتاب الديات، والنسائي برقم (4019) كتب تحريم الدم، وابن ماجه =
وأمر سبحانه أن يجلد الزاني والزانية مائة جلدة (1)، ولو كانا كافرين لأمر بقتلهما، وأمر سبحانه أن (2) يجلد قاذف المحصنة ثمانين جلدة (3)، ولو كان كافراً لأمر بقتله.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجلد شارب الخمر (4) ولم يقتله، بل قد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم
= برقم (2533) كتاب الحدود، وأحمد برقم (439)، وجاءت هذه الروايات بلفظ الإسلام بدل الإيمان فرواية الترمذي جاء فيها "ارتداد بعد إسلام"، ورواية أبي داود جاء فيها "كفر بعد إسلام"، ورواية النسائي جاء فيها "كفر بعد إسلامه"، ورواية ابن ماجه جاء فيها "رجل ارتد بعد إسلامه"، ورواية أحمد جاء فيها "كفر بعد إسلامه"، ورواه أبو داود برقم (4363) كتاب الحدود بلفظ "كفر بعد إيمان"، وجاء لفظ الإيمان في نسخة الأصل، ولفظ الإسلام في (م)، (ط)، وجميع هذه الروايات من رواية أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، ورواه البخاري برقم (6878) كتاب الديات باب إذا قتل بحجر أو بعصا، ورواه مسلم برقم (1676) كتاب القسامة والمحاربين باب ما يباح به دم المسلم (3/ 1302)، والترمذي برقم (1402) كتاب الديات، والنسائي برقم (4642) كتاب تحريم الدم، وأبو داود برقم (3788) كتاب الحدود، وابن ماجه برقم (2525) كتاب الحدود، وأحمد برقم (3614)، والدارمي برقم (2298) كتاب الحدود، من رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بلفظ:(لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة).
(1)
في قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} [النور: 2].
(2)
في (م)، (ط):"بأن".
(3)
في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [النور: 4].
(4)
روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "أتى النبي صلى الله عليه وسلم بسكران فأمر بضربه، فمنا من يضربه بيده، ومنا من يضربه بنعله، وما من يضربه بثوب، فلما انصرف قال رجل: ما له أخزاه الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم" برقم (6781) كتاب الحدود باب الضرب بالجريد والنعال، ورواه أبو داود برقم (4477) كتاب الحدود، وأحمد برقم (7926)، وروى البخاري أيضاً عن عقبة بن الحارث رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بنعيمان -أو بابن نعيمان- وهو سكران، فشق عليه، وأمر من في البيت أن يضربوه فضربوه بالجريد والنعال، وكنت فيمن ضربه" برقم (6775) كتاب الحدود باب الضرب بالجريد والنعال، =
في صحيح البخاري وغيره (1) أن رجلاً كان يشرب الخمر، وكان اسمه عبد الله حماراً، وكان يضحك النبي صلى الله عليه وسلم، وكان كلما أتي به إليه جلده فأتي به إليه مرة فلعنه رجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله"(2) فنهى عن لعنته (3) بعينه، وشهد له بحب الله ورسوله، مع أنه قد لعن شارب الخمر عموماً، وهذا من أجود ما يحتج به على أن الأمر بقتل الشارب (4) في
= وروى البخاري عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين، برقم (6773) كتاب الحدود باب ما جاء في ضرب شارب الخمر، وروى مسلم عن أنس رضي الله عنه قال:"أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قد ضرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين" برقم (1706) 3/ 1330 كتاب الحدود باب حد الخمر.
(1)
لفظة "وغيره" ساقطة من (ط).
(2)
رواه البخاري برقم (6780) كتاب الحدود باب ما يكره من لعن شارب الخمر، وأنه ليس بخارج من الملة، ولفظه "لا تلعنوه فوالله ما علمت أنه يحب الله ورسوله".
(3)
في (ط): "لعنه".
(4)
الأمر بقتل شارب الخمر جاء في أكثر الروايات في المرة الرابعة، وقد روي ذلك عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، منهم معاوية وأبو هريرة وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وجرير بن عبد الله وشرحبيل بن أوس وقبيصة بن ذؤيب والشريد بن سويد رضي الله عن الصحابة أجمعين. فحديث معاوية رواه الترمذي برقم (1444) كتاب الحدود، وأبو داود برقم (4482) كتاب الحدود، وابن ماجه برقم (2573) كتاب الحدود، وأحمد برقم (16405)، والحاكم في المستدرك 4/ 272، والطحاوي في شكل الآثار 2/ 91، وحديث أبي هريرة رواه النسائي برقم (5662) كتاب الأشربة، وأبو داود برقم (4484) كتاب الحدود، وابن ماجه برقم (2572) كتاب الحدود، والطحاوي في مشكل الآثار (2/ 91)، والحاكم في المستدرك (4/ 371) وصححه. ورواه النسائي برقم (5661) كتاب الأشربة، وأحمد برقم (6162)، وأبو داود برقم (4483) كتاب الحدود، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رواه أحمد برقم (6752) وكان رضي الله عنه يقول: ائتوني برجل قد شرب الخمر في الرابعة فلكم علي أن أقتله، ورواه الطحاوي في مشكل الآثار (2/ 91)، والحاكم في المستدرك (4/ 372)، وحديث جرير رواه الحاكم (4/ 371)، وحديث شرحبيل بن أوس رواه أحمد برقم (17591)، والحاكم في المستدرك (4/ 372)، وحديث قبيصة رواه أبو داود برقم (4485) كتاب الحدود، والطحاوى في مشكل الآثار (2/ 92)، وحديث الشريد رواه أحمد =
الثالثة أو (1) الرابعة منسوخ، لأن هذا أتي به ثلاث مرات، وقد أعيا الأئمة الكبار جواب هذا الحديث، ولكن نسخ الوجوب لا يمنع [الجواز] (2) فيجوز أن يقال: يجوز قتله إذا رأى الإمام المصلحة في ذلك، فإن ما بين الأربعين إلى الثمانين ليس حداً مقرراً في أصح قولي العلماء، كما هو مذهب الشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين (3)، بل الزيادة على الأربعين إلى الثمانين يرجع (4) إلى اجتهاد الإمام، فيفعلها عند المصلحة كغيرها في (5) أنواع التعزير (6)، وكذلك صفة الضرب، فإنه يجوز جلد الشارب بالجريد والنعال وأطراف الثياب، بخلاف الزاني والقاذف، فيجوز أن يقال: قتله في الرابعة من هذا الباب.
وأيضاً فإن الله تعالى قال: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
= برقم (18966)، وكذلك روى الحاكم في مستدركه عن أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعى النضر الحديث المذكور (4/ 373).
والحديث بمجموعه حديث صحيح ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وممن ذكر أن الحديث منسوخ الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام (264)، والصنعاني في سبل السلام (4/ 62).
(1)
في (ط): "و".
(2)
في نسخة الأصل: الجواب، والتصحيح من (م) و (ط).
(3)
انظر: المغني (10/ 325).
(4)
في (ط): "ترجع".
(5)
في (ط)"من".
(6)
قال الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى: "من تأمل الأحاديث رآها تدل على أن الأربعين حد، والأربعون الزائدة عليها تعزير اتفق عليه الصحابة رضي الله عنه، والقتل إما منسوخ، وإما أنه إلى رأي الإمام بحسب تهالك الناس فيها واستهانتهم بحدها، فإذا رأى قتل واحد لينزجر الباقون فله ذلك. زاد المعاد (5/ 48).
والقول بنسخ القتل في الرابعة هو مذهب الأئمة الأربعة، واتفق أهل العلم كافة إلا من شذ على عدم القتل، وذكر الإمام الترمذي في سننه (4/ 49) حديثاً لجابر بن عبد الله وقبيصة بن ذؤيب وفيه أنه صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب الخمر في الرابعة فضربه ولم يقتله، قال الراوي: فرفع القتل وكان رخصة. ثم قال: والعمل على هذا الحديث عند عامة أهل العلم لا نعلم بينهم اختلافاً في ذلك القديم والحديث.
فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات: 9، 10] فقد وصفهم بالإيمان والأخوة، وأمرنا بالإصلاح بينهم (1).
فلما شاع في الأمة أمر الخوارج، و (2) تكلمت الصحابة فيهم، ورووا عن النبي صلى الله عليه وسلم الأحاديث فيهم، وبينوا ما في القرآن من الرد عليهم، ظهرت (3) بدعتهم في العامة.
فجاء (4) بعدهم المعتزلة (5) الذين اعتزلوا الجماعة بعد موت الحسن البصري وهم:
(1) كلمة "بينهم" ساقط من (م).
(2)
الواو ليست في (ط)، وفي (م):"فتكلمت".
(3)
في (ط): "وظهرت".
(4)
في (م) و (ط): "فجاءت".
(5)
المعتزلة من الفرق الإسلامية الكبرى التي ظهرت في أوائل عصر بني العباس، أوصلهم بعض العلماء إلى عشرين فرقة، واستطاعوا في عهد الخليفة العباسي المأمون (المتوفى سنة 218 هـ) أن يصلوا إلى أرفع المناصب في الدولة كرئاسة الوزراء ورئاسة القضاء وغيرها، وأن يلحقوا الأذى بعلماء الأمة حيث أكره الناس على الإيمان بمعتقدهم الخبيث، وامتحنوا العباد على القول ببدعتهم الشنيعة في القول بخلق القرآن، وسار المعتصم والواثق على طريق المأمون في نصر أهل الاعتزال، والتنكيل بأهل السنة، وأوذي الإمام المبجل أحمد بن حنبل إيذاء بليغاً، وسجن وجلد واضطهد، فما زاده إلا ثباتاً ورسوخاً في الحق بإذن ربه، حتى جاء المتوكل فأظهر السنة وأكرم أهلها، وقمع أهل البدعة والاعتزال، فانكمش المعتزلة، ولكنهم ظلوا محافظين على وجودهم عدة قرون ثم ما لبثوا أن انقرضوا اسمًا، وتبنى عقيدتهم طوائف أخرى كالرافضة والزيدية وغيرهما.
وقد اختلف في سبب تسميتهم بالمعتزلة، ويرى الشهرستاني أنهم سموا بذلك حين اعتزل واصل بن عطاء -المؤسس الحقيقي- حلقة الحسن البصري لتقرير بدعته في الحكم في مرتكب الكبيرة، وقال أبو الحسين الملطي في "التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع" (36):"وهم سموا أنفسهم معتزلة، وذلك عندما بايع الحسن بن علي عليه السلام! ! (كذا في المطبوع) معاوية، وسلم إليه الأمر، اعتزلوا الحسن ومعاوية وجميع الناس، وذلك أنهم كانوا من أصحاب علي، ولزموا منازلهم ومساجدهم، وقالوا: نشتغل بالعلم والعبادة، فسموا معتزلة. . ".
ويجب أن يؤخذ هذا القول من باب انتحال المعتزلة له، ومحاولتهم إثبات تقدمهم وأصالتهم، وأن لهم سابقة في نصرة أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، ومما يدحض هذ القول وقيعة كثير من المعتزلة في علي وغيره من الصحابة رضي الله عنهم، ورد شهادة علي وشهادة من قاتله، كما هو معروف من مذهبهم، ولعل هذا يفهم من قول الملطي رحمه الله:"وهم سموا أنفسهم معتزلة". =
عمرو بن عبيد (1) وواصل بن عطاء الغزال (2) وأتباعهما فقالوا: أهل الكبائر يخلدون (3) في النار كما قالت الخوارج (4)، ولا نسميهم لا مؤمنين ولا كفارًا، بل فساق ننزلهم منزلة بين منزلتين (5)، وأنكروا شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم
= وأصول بدعتهم هي الأصول الخمسة، وهي العدل والتوحيد والمنزلة بين المنزلتين والوعد والوعد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتتضمن هذه الأصول جملة من البدع المذمومة منها القول بخلق القرآن، ونفي الصفات، وإنكار رؤية الله بالأبصار في الدار الآخرة، وأن الله لا يخلق أفعال العباد، والطعن في الصحابة رضي الله عنهم، وبالغ المستشرقون وتلامذتهم في المسلمين في الإشادة بالمعتزلة، ووصفهم بأنهم أهل التحرر العقلي من قيود النص، وبالغوا في تضخيم دورهم في الرد على الدهرية والملحدين في عهد بني العباس. مقالات الإسلاميين (1/ 123)، الملل والنحل (43)، والفرق بين الفرق (70)، وانظر كذلك: شرح الأصول الخمسة، والمغني، للقاضي عبد الجبار المعتزلي، وهما المصدران الرئيسيان لمذهب المعتزلة.
(1)
عمرو بن عبيد بن باب أبو عثمان، من أئمة المعتزلة بل من مؤسسيها الأوائل، كان ينسب إلى نوع من الزهد والورع لعله رأى في ذلك دعاية لبدعته -وكل شيء ليس على سنة فلا خير فيه- ووافق واصل بن عطاء في أكثر من بدعة، ونسب إليه البغدادي فرقة العمروية، له مؤلفات في تقرير مذهبه الفاسد ذكر منها الإمام الذهبي: العدل والتوحيد والرد على القدرية يعني أهل السنة، توفي سنة 144 هـ. تاريخ بغداد (12/ 166)، سير أعلام النبلاء (6/ 104)، البداية والنهاية (10/ 81)، تهذيب التهذيب (8/ 62)، شذرات الذهب (1/ 210)، ميزان الاعتدال (3/ 273)، وفيات الأعيان (3/ 130) طبقات المعتزلة (35)، مروج الذهب للمسعودي (3/ 313)، الفرق بين الفرق (70).
(2)
واصل بن عطاء أبو حذيفة المخزومي مولاهم البصري المعروف بالغزال رأس المعتزلة ومؤسسها الأول، كان بليغاً رغم أنه كان يلثغ بالراء، ويخطب طويلاً فلا يذكر الراء في كلامه، تقدم مخالفته للحسن واعتزاله مجلسه، ذكر الذهبي من مؤلفاته: التوحيد والمنزلة بين المنزلتين. توفي عام 131 هـ.
سير أعلام النبلاء (5/ 464) ، الملل والنحل (4/ 6)، الخطط للمقريزي (3452)، وفيات الأعيان (2/ 170)، لسان الميزان (6/ 214)، شذرات الذهب (1/ 182)، مرآة الجنان (1/ 274).
(3)
في (ط): "مخلدون".
(4)
انظر: شرح الأصول الخمسة (666).
(5)
يقول القاضي عبد الجبار من شيوخ المعتزلة الذين أصلوا منهجهم: "صاحب الكبيرة لا يسمى مؤمناً، ولا كافراً، ولا منافقاً، بل يسمى فاسقاً، وكما سماه الله، =
لأهل الكبائر من أمته (1).
وأن يخرج أحد (2) من النار بعد أن دخلها (3).
وقالوا: ما الناس إلا رجلان: سعيد لا يعذب، أو شقي لا ينعم، والشقي نوعان: كافر وفاسق، ولم يوافقوا الخوارج على تسميتهم كفارًا (4).
= وأجمع عليه أهل الملة، وهذا هو القول بالمنزلة بين المنزلتين" فضل الاعتزال (4).
ويقول أحمد بن يحيى المرتضى في "طبقات المعتزلة"(8): "فقد أجمعت المعتزلة على أن للعالم محدثًا. . . وأن الإيمان قول ومعرفة وعمل، وأن المؤمن من أهل الجنة، وعلى المنزلة دين المنزلتين، وهو أن الفاسق لا يسمى مؤمناً ولا كافراً. . ". وقال في موضع آخر: وأ
(1)
يقول القاضي عبد الجبار: "فأما قولنا في الشفاعة فهو معروف، ونزعم أن من أنكره فقد أخطأ الخطأ العظيم، ولكننا نقول: لأهل الثواب دون أهل العقاب، ولأولياء الله دون أعدائه، ويشفع صلى الله عليه وسلم فيهم يزيدهم تفضلاً عظيماً" فضل الاعتزال (207).
والمعتزلة والخوارج وغيرهم من أهل البدع أجمعوا على إنكار شفاعته صلى الله عليه وسلم لقوم استحقوا دخول النار فلم يدخلوها، وفي إخراج أهل الكبائر المعذبين في النار منها، يقول المؤلف رحمه الله تعالى في موضع آخر:"وأما شفاعته لأهل الذنوب من أمته فمتفق عليها. . ". وأنكرها كثير من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة والزيدية وقال هؤلاء: من يدخل النار لا يخرج منها لا بشفاعة وغيرها" مجموع الفتاوى (1/ 148)، وقال في موضع آخر: "وأما الخوارج والمعتزلة فأنكروا شفاعته لأهل الكبائر، ولم ينكروا شفاعته للمؤمنين" مجموع الفتاوى (1/ 108).
وقال القاضي أبو بكر الباقلاني عن المعتزلة: "واتفقوا بأسرهم على أنه لا شفاعة للنبي صلى الله عليه وسلم في أحد يستحق أقل العقاب في الآخرة، وأنه إن سأل الله تعالى لم يقبل شفاعته ولم يجب مسألته" تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل (293).
والشفاعة أنواع مثل الشفاعة العظمي وهي الشفاعة العامة، والشفاعة في زيادة درجات بعض أهل الجنة، وهاتان الشفاعتان لا تنكرهما المعتزلة كما ذكر الإمام القرطبي رحمه الله. التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة (276). وكما ذكر ذلك أيضاً القاضي عياض فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر في الفتح. فتح الباري (11/ 428). وإنما أنكرت المعتزلة من الشفاعة ما ذكرناه سابقاً وهو شفاعته صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر من أمته مع تواتر الأحاديث بذلك كما قال ابن أبي العز رحمه الله تعالى في شرح العقيدة الطحاوية (1/ 290)، والشيخ السفاريني في لوامع الأنوار (2/ 212).
(2)
كلمة "أحد" ساقطة من (ط).
(3)
في (ط): "يدخلها".
(4)
عدم تسمية المعتزلة لمرتكب الكبيرة كافراً -كما صنع الخوارج- هو أحد أصولهم =
وهؤلاء يرد عليهم بمثل ما ردوا به على الخوارج، فيقال لهم: كما أنهم قسموا الناس إلى مؤمن لا ذنب له، وكافر لا حسنة له، قسمتم الناس إلى مؤمن لا ذنب له، وإلى كافر وفاسق لا حسنة له، فلو كانت حسنات هذا كلها حابطة (1) وهو مخلد في النار [لاستحق](2) المعاداة المحضة بالقتل والاسترقاق، كما يستحقها المرتد، فإن هذا قد أظهر دينه بخلاف المنافق.
وقد قال الله في كتابه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 116] فجعل ما دون الشرك (3) معلقاً بمشيئة.
ولا يجوز أن يحمل هذا على التائب فإن التائب لا فرق في حقه بين الشرك وغيره.
كما قال تعالى في الآية الأخرى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53] فهنا عمَّ (4) وأطلق لأن المراد به التائب، وهناك خص وعلَّق.
فقد قسم [الله](5) سبحانه الأمة التي أورثها الكتاب، واصطفاها ثلاثة
= الخمسة المشهورة، وهو أنه لا مؤمن ولا كافر بل هو في منزلة بين منزلتين، وذكر الشهرستاني أن المعتزلة اتفقوا على خلود صاحب الكبيرة في النار لكن يكون عذابه أخف من عذاب الكافر. الملل والنحل (5).
(1)
في (م)، (ط)"محبطة".
(2)
في نسخة الأصل: لا يستحق، والتصحيح من (م)، (ط).
(3)
في (ط): "ما دون ذلك الشرك".
(4)
في (م)، (ط):"عمم".
(5)
لفظ الجلالة مضاف من (م).
أصناف: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق للخيرات (1).
وهؤلاء الثلاثة ينطبقون على الطبقات الثلاث (2) المذكورة في حديث جبريل عليه السلام: الإسلام والإيمان والإحسان كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
ومعلوم أن الظالم لنفسه (3) إن أريد به من اجتنب الكبائر، أو (4) التائب من جميع الذنوب، فذلك مقتصد أو سابق، فإنه ليس أحد من بني آدم يخلو عن ذنب، لكن من تاب كان مقتصداً [أو](5) سابقًا.
و(6) كذلك (7) من اجتنب الكبائر كفرت عنه السيئات، كما قال تعالى:{إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31].
فلا بد أن يكون هناك ظالم لنفسه موعود بالجنة، ولو بعد عذاب يطهر من الخطايا.
فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن ما يصيب المؤمن في الدنيا من المصائب هو (8) مما يجزى به ويكفر به من (9) خطاياه، كما في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ما يصيب المؤمن من وصب، ولا نصب (10)، ولا هم، ولا حزن، ولا غم، ولا أذى، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه"(11).
وفي المسند وغيره أنه لما نزلت هذه الآية: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ}
(1) أطال الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى في وصف هؤلاء الأصناف الثلاثة وبيان حالهم في كتابه: طريق الهجرتين (186) وما بعدها.
(2)
في نسخة الأصل: الثلاثة، والصحيح من (م)، (ط).
(3)
"لنفسه" ليست في (م).
(4)
في (ط): "و".
(5)
في نسخة الأصل: "و". والصحيح من (م) و (ط).
(6)
الواو ساقطة من (ط).
(7)
في (م): "ولذلك".
(8)
هو ليست في (ط).
(9)
في (ط): "ويكفر عنه".
(10)
النص هو التعب، والوصب هو دوام الوجع ولزومه، النهاية في غريب الحديث (5/ 62، 190).
(11)
رواه البخاري برقم (5642) كتاب المرضى باب ما جاء في كفارة المرض، ومسلم برقم (2573) كتاب البر والصلة والآداب باب ثواب المؤمن فيما يصيب من مرض أو حزن أو نحو ذلك حتى الشوكة يشاكها 4/ 1992، والترمذي برقم (966) كتاب الجنائز وأحمد برقم (7967).