الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثانية الكلام على الأحاديث التي ذكر فيها الإسلام والإيمان
يذكر المصنف بادئ ذي بدء أن حديث جبريل عليه السلام في تعريف الإسلام، وهو قوله:"الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت"، متفق مع حديث ابن عمر الذي جاء فيه:(بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا).
وقد تكلم المصنف رحمه الله عن السبب في وقوع الاختلاف في بعض الأحاديث في هذا الباب، وكيف أن بعضها ذكرت بعض الأركان دون بعض، وتكلم في سبب ذلك.
والعمدة في السبب عند المصنف في هذا المجال هو تاريخ فرض هذه الأركان، وزمن وجوبها، وفي ذلك يقول: "فإن الله تعالى لما بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم رسولًا إلى الخلق، كان الواجب على الخلق تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، ولم يأمرهم حينئذٍ بالصلوات الخمس، ولا صيام شهر رمضان، ولا حج البيت، ولا حرم عليهم الخمر والربا، ونحو ذلك، ولا كان أكثر القرآن قد نزل، فمن صدقه حينئذٍ فيما نزل من القرآن، وأقر بما أمر به من الشهادتين وتوابع ذلك، كان ذلك الشخص حينئذٍ مؤمنًا تام الإيمان الذي وجب عليه، وإن كان مثل ذلك الإيمان لو أتى به بعد الهجرة لم يقبل منه، ولو اقتصر عليه كان كافرًا.
قال الإمام أحمد: "كان بدء الإيمان ناقصًا فجعل يزيد حتى كمل"(1).
ولهذا قال تعالى عام حجة الوداع: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3](2).
(1) سيأتي تخريجه أثناء تحقيق المتن إن شاء الله.
(2)
المصدر السابق (396).
ويقول فى موضع آخر: "ومعلوم أن الخمس المذكورة في حديث جبريل، لم تجب في أول الأمر، بل الصيام والحج وفرائض الزكاة، إنما وجبت بالمدينة، والصلوات الخمس إنما وجبت ليلة المعراج، وكثير من الأحاديث ليس فيها ذكر الحج لتأخر وجوبه إلى سنة تسع أو عشر على أصح القولين، ولما بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم كان من اتبعه وآمن بما جاء به، مؤمنًا مسلمًا، وإذا مات كان من أهل الجنة، ثم إنه بعد هذا زاد الإيمان والإسلام، حتى قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} "(1).
فالمصنف يريد من ذكر الكلام على هذه الأحاديث أمورًا منها:
أولًا: الرد على طوائف المرجئة -وقد سبق هذا في أثناء الرد عليهم- الذين يعتقدون أن الإيمان لا يتبعض، أي يذهب بعضه ويبقى بعضه، ومعلوم أن التدرج في فرض شرائع الإسلام والإيمان لمن أعظم الردود عليهم.
ثانيًا: إثبات أن الإيمان كان في أول الأمر ناقصًا، ثم جعل يكتمل حتى صار كاملًا، ونزل قوله تعالى:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} وحديث كل من جبريل عليه السلام وابن عمر كانا في آخر الأمر، حيث اتفقا على ذكر المباني الخمسة، ومن أجل ذلك فهذا الأمر يعد ردًا أيضًا على المرجئة الذين أخرجوا الأعمال من مسمى الإيمان، وقالوا: إن الإنسان يكون مؤمنًا كامل الإيمان، ولو لم يعمل خيرًا قط، فإن من أخل بشيء من هذه الأمور فإيمانه ناقص أو معدوم، وقد مر أن كثيرًا من السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين قد حكموا بكفر من ترك شيئًا من الأركان الأربعة -مع خلافهم في ذلك- وأما الشهادتان فهم متفقون على كفر تاركها إذا كان قادرًا، ولم يتلفظ بها.
وكذلك رد على شبهة المرجئة حين قالوا: إن الله قد خاطب بالإيمان قبل نزول الأعمال، فدل على أنها ليست من الإيمان.
(1) الإيمان (334).
ثالثًا: إزالة اللبس والغموض، وكف ما يبدو من خلاف في الأحاديث التي ورد فيها ذكر الإسلام والإيمان، وبيان أنه لا تناقض بينها.
إشكال وجوابه:
ذكر المصنف إشكالاً مفاده: لماذا ذكرت بعض الأركان في بعض الأحاديث دون بعض؟ .
فذكر أولاً: أن بعض الناس قد أجاب على هذا الإشكال بأن ذلك وقع من اختصار الرواة في متون بعض الأحاديث! ! .
وضعف المصنف هذا القول، ورد عليه بأمرين:
الأول: أن هذا طعن في الرواة، ونسبة لهم إلى الكذب.
الثاني: أن هذا الجواب قد يسلم به في الحديث الواحد، مثل حديث وفد عبد القيس، حيث ذكر بعضهم الصيام، ولم يذكره بعضهم.
وذكر ثانيًا: أن الاختصار لا يمكن أن يقع في الحديثين المنفصلين، لاسيما -كما يقول- والأحاديث قد تواترت بكون الأجوبة كانت مختلفة، وفيها ما بين قطعًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تكلم بهذا تارة وبهذا تارة (1).
أما حل المصنف لهذا الإشكال فمن جوابين:
الجواب الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أجاب بحسب نزول الفرائض، وأول ما فرض الله الشهادتين، ثم الصلاة، حيث روي أنها فرضت في بادئ الأمر ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي، ثم فرضت الصلوات الخمس ليلة المعراج، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم زيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر، وكانت الصلاة تكمل شيئًا فشيئًا، وإن كانوا قد أمروا بالزكاة والإحسان في المدينة، لكن فرائض الزكاة ونصبها إنما شرعت في المدينة.
وأما صوم شهر رمضان فقد فرض في السنة الثانية من الهجرة، وأما الحج فقد فرض على الصحيح سنة عشر للهجرة (2).
(1) شرح حديث جبريل (541).
(2)
المصدر السابق (547).
الجواب الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر في كل مقام ما يناسبه، فيذكر تارة الفرائض الظاهرة التي تقاتل عليها الطائفة الممتنعة، كالصلاة والزكاة، ويذكر تارة ما يجب على المسائل، فمن أجابه بالصلاة والصيام مثلاً، لم يكن عليه زكاة يؤديها، ومن أجابه بالصلاة والزكاة والصيام، فإما أن يكون هذا قبل فرض الحج، وإما أن يكون المسائل ممن لا حج عليه (1).
ولكن قد يرد على هذين الجوابين مثل حديث معاذ رضي الله عنه، وهو من آخر الأحاديث، ولا شك في ذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم مات ومعاذ في اليمن، ومع ذلك فلم يذكر في حديثه لا الصيام ولا الحج! ! ! .
وقد أجاب المصنف بعدم ذكر الصيام لأنه تبع وهو باطن، ولم يذكر الحج لأن وجوبه خاص ليس بعام، وهو لا يجب في العمر إلا مرة واحدة (2).
والقول المتوجه في حديث معاذ رضي الله عنه أن المقام لم يكن مقام فرض وتشريع، ولكنه كان مقام دعوة وتعليم، وأسلوب الحديث ينبئ عن صحة هذا القول، وبالله التوفيق (3).
(1) المصدر نفسه (549).
(2)
المصدر السابق (550).
(3)
وسيرد إن شاء الله تعالى مزيد من التوضيح عند الكلام على حديث معاذ رضي الله عنه أثناء تحقيق متن الكتاب.