الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل
[تعريف الإحسان]
وأما الإحسان فقوله صلى الله عليه وسلم: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"(1).
قد قيل: إن الإحسان هو الإخلاص (2).
والتحقيق: أن الإحسان يتناول الإخلاص وغيره، والإحسان يجمع كمال الإخلاص لله، ويجمع الإتيان بالفعل الحسن الذي يحبه الله تعالى.
قال الله تعالى: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112)} [البقرة: 112].
= الصلاة، وذكر حشدًا من الأدلة على كفر تاركها، وكان ذلك كله في سياق أهمية العمل، وأن جنس الأعمال لازم لإيمان القلوب.
(1)
هذا جزء من حديث جبريل عليه السلام المشهور، وقد تقدم تخريجه في أول الكتاب.
(2)
قال القاضي عياض في معنى الإحسان: "الإخلاص ومراقبة الله في السر والإعلان" كتاب الإيمان من إكمال المعلم (1/ 100)، وقال الخطابي في معالم السنن نحوًا من ذلك (5/ 71).
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله في الفتح (1/ 211) عن معنى الإحسان في حديث جبريل: "وأما الإحسان ففسره بنفوذ البصائر في الملكوت حتى يصير الخبر للبصيرة كالعيان، فهذه أعلى درجات الإيمان. . . قيل: المراد: أن نهاية مقام الإحسان أن يعبد المؤمن ربه كأنه يراه بقلبه، فيكون مستحضرًا ببصيرته وفكرته لهذا المقام، فإن عجز عنه وشق عليه انتقل إلى مقام آخر، وهو أن يعبد الله على أن الله يراه ويطلع على سره وعلانيته، ولا يخفى عليه شيء من أمره. . . قال بعض السلف: من عمل لله على المشاهدة فهو عارف، ومن عمل على مشاهدة الله إياه فهو مخلص، فهذان مقامان:
أحدهما: مقام المراقبة، وهو أن يستحضر العبد قرب الله منه واطلاعه عليه فيتخايل أنه لا يزال بين يدي الله يراقبه في حركاته وسكناته وسره وعلانيته، فهذا مقام المراقبين المخلصين، وهو أدنى مقام الإحسان.
والثاني: أن يشهد العبد بقلبه ذلك شهادة فيصير كأنه يرى الله ويشاهده، وهذا نهاية مقام الإحسان، وهو مقام العارفين. . ".
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (1/ 120): "الإحسان هو مصدر، تقول أحسن يحسن إحسانًا، ويتعدى بنفسه وبغيره، نقول: أحسنت كذا إذا أتقنته، وأحسنت إلى فلان إذا أوصلت إليه النفع. . ".
وقال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النساء: 125]، فذكر إحسان الدين أولًا، ثم ذكر الإحسان ثانيًا، فإحسان الدين هو والله أعلم الإحسان المسؤول عنه في حديث جبريل عليه السلام، فإنه سأله عن الإسلام والإيمان ففي # (1) إحسان هذا
(1) من هنا يبدأ السقط الكبير في (م) و (ط)، لتنفرد نسخة الأصل بذلك إلى نهاية الكتاب.
إننا لنُرجِّح، بل نكاد نجزم أن هذه الزيادة الهامة التي تتعلق بالمرتبة العليا من الدين -وهي الإحسان- هي من كتاب "شرح حديث جبريل" المعروف بالإيمان الأوسط، وهي من نفيس كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وتوضيح ذلك بالأدلة كما يلي:
أولًا: ما قبل (فصل الإحسان) كتب بخط شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
ثانيًا: أما (فصل الإحسان) فقد أملاه شيخ الإسلام، ولم يكتبه بخط يده.
وهاتان القضيتان يؤكدهما ما ورد في الهامش، وما ذكرناه أعلاه.
ثالثًا: أن بعض النصوص التي وردت في هذه الزيادة قد جاءت في رسالة الحسبة للمصنف نفسه، مجموع الفتاوى (28/ 60 - 120)، لكن مع اختلاف بيِّن وفرق واضح جلي.
كما أن هذا الفصل عن الإحسان فصل متكامل، وقد وردت في ثناياه الإشارة مرات عدة إلى الإحسان، ووردت كلمات الإحسان ومكانها فيه أكثر من ثلاثين مرة، وفيه عدة فصول لم نرد في رسالة الحسبة على الإطلاق، وهي متعلقة تمامًا بالإحسان، وما ورد فيه، وجاء في رسالة الحسبة، في اختلاف، من حيث التقديم والتأخير، وتنوع في العبارة في بعض الأحيان.
وفي الواقع فإن هذا ليس بغريب على منهج المصنف، والمتابع له رحمه الله يعرف ذلك جيدًا، فهو يذكر نصوصًا كثيرة -تكاد تكون بعينها- في مواضع شتى من كتبه، وكل هذا يدل على درجة عزيزة من الحفظ، وحدة في الذهن.
رابعًا: أننا إذا لم نقل بذلك فالكتاب يعتبر ناقصًا، على أن هذا الأمر يرجح بأن هذه الزيادة للمصنف، ولكن يبقى النقاش، هل هي من كتاب "شرح حديث جبريل" المعروف باسم "الإيمان الأوسط" أم لا؟ وهذا ما نود إثباته.
خامسًا: أن هذه أقدم نسخة للكتاب عثر عليها -حتى الآن- على الإطلاق.
سادسًا: أن النسختين الأخريين للكتاب، سواء النسخة المطبوعة في مجموع الفتاوى، أو النسخة المخطوطة في مكتبة المحمودية، قد ذكر فيهما أول هذا الفصل، ولكنه فيهما ناقص مخروم، ولم تشر أي منهما إلى شيء يمكن أن =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= يشكك في صلة هذا الفصل بالكتاب، وهذا من أقوى الأدلة على ما أردنا إثبات وتقريره.
سابعًا: أن ما نقول به هو الأصل، ونعني بذلك أن هذه الزيادة في الأصل من الكتاب، والشك في نسبتها إليه يخالف ذلك الأصل، وإذا لم نقل بذلك، فكيف نفسّر الأمر إذن؟
ثامنًا: أن الحواشي على هذه الزيادة لم تفتأ تذكر أن الكتاب بها قد بلغ مقابله وتصحيحًا، وقد وردت هذه العبارة نحو أربع مرات، (في الألواح 57 أ، 60 ب، 62 ب، 63 ب)، وجاء في هامش (اللوحة 61 ب): تابع كتاب الإيمان.
تاسعًا: أن الشيخ أبا محمد الإسكندري -كما ذكرنا في ترجمته- من تلامذة شيخ الإسلام الذين أوذوا بسببه، بل من المتخصصين المشتهرين في نقل ونسخ كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وفتاويه، ومن المستبعد تمامًا أن يضيف شيئًا إلى الكتاب وهو ليس منه، أو أن يقحم فيه حتى من كلام المؤلف ما ليس منه.
عاشرًا: أن ناسخ هذه النسخة هو الذي نسخ نسخة "الإيمان الكبير" وكان ذلك سنة 743 هـ، وقد نص هذا الناسخ على أن المصنف لم يكمل كتاب "الإيمان الكبير"، بينما لم يشر إلى شيء يتعلق بكتاب "شرح حديث جبريل".
الحادي عشر: ومما يقوي القول إلى ما ذهبنا إليه أن ابن عبد الهادي قد ذكر في كتابه "العقود الدرية"(34): أن من بين مؤلفات شيخ الإسلام رحمه الله قاعدة في الإحسان، ولعلها هذه الواردة في كتابنا هذا، وقام أحد من الناس بإفرادها، كما هو الحال في بعض مصنفات شيخ الإسلام.
الثاني عشر: وقد ذكر أحد تلامذة شيخ الإسلام المعروفين، وهو علم الدين البرزالي، فيما نقله عنه الحافظ ابن كثير يرحمهما الله، وأورده في البداية والنهاية (14/ 142) عبد ترجمته لشيخ الإسلام ما يلي:"وله تصانيف كثيرة، وتعاليق مفيدة، في الأصول والفروع، كمل منها جملة وبيضت وكتبت عنه وقرئت عليه أو بعضها، وجملة كبيرة لم يكملها، وجملة كملها ولم تبيض إلى الآن".
الثالث عشر: أن الكتاب شرح لحديث جبريل عليه السلام، وقد أفاض في الحديث عن الإسلام والإيمان، فلم يبق غير الإحسان، وقد تكلم عنه في آخر الكتاب، وقد أشار المصنف في الكتاب (7/ 485) إلى شيء من ذلك، حيث قال:"فقد قسم سبحانه الأمة التي أورثها الكتاب واصطفاها ثلاثة أصناف، ظالم لنفسه، ومقصد، وسابق بالخيرات، وهؤلاء الثلاثة ينطبقون على الطبقات الثلاث المذكورة في حديث جبريل: الإسلام، والإيمان، والإحسان، كما سنذكره إن شاء الله".
وإننا لنرجح أن كتاب "شرح حديث جبريل" الذي وفق الله عز وجل إلى تحققه هو من =