الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقال في الحديث الصحيح: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"(1) أي: فهو مردود غير مقبول.
فمن اتقى الكفر وعمل عملاً ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم يقبل منه، وإذا (2) صلى بغير وضوء لم يقبل منه لأنه ليس متقياً في ذلك العمل، وإن كان متقياً للشرك وقد (3) قال تعالى:{وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60)} [المؤمنون: 60]، وفي حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: يا رسول الله أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر ويخاف أن يعذب؟ فقال: "لا يا بنت (4) الصديق، ولكنه الرجل يصلي ويصوم ويتصدق، ويخاف أن لا يقبل منه"(5).
[مأخذ أكثر السلف في الاستثناء]
وخوف من خاف من السلف أن لا يتقبل منه، لخوفه أن لا يكون أتى بالعمل على الوجه (6) المأمور، وهذا أظهر الوجوه في استثناء من استثنى منهم في الإيمان، وفي أعمال الإيمان، كقول أحدهم: أنا مؤمن إن شاء الله، وصليت إن شاء الله (7)، لخوف أن لا يكون أتى بالواجب على
(1) هذا هو أحد لفظي مسلم رواه برقم (1718) 3/ 1343 كتاب الأقضية باب نقض الأحكام الباطنة، ورد محدثات الأمور، ورواه البخاري برقم (2697) كتاب الصلح باب إذا اصطلحوا على جور فالصلح مردود، ولفظه:(من أحدث في أمرنا هذا. . .) وأحمد برقم (24298).
(2)
في (ط): "وإن".
(3)
"قد" ليست في (م).
(4)
في (ط): "يا ابنة". وهو خلاف ما في نسخة الأصل و (م) الموافق للفظ الحديث.
(5)
رواه الترمذي برقم (3175) كتاب تفسير القرآن، وابن ماجه برقم (4198) كتاب الزهد، وأحمد برقم (24523)، والحاكم (2/ 427) وصححه ووافقه الذهبي، وسكت عنه الحافظ في الفتح (8/ 446)، (11/ 301) وحسنه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (162) وفي كتابه صحيح ابن ماجه برقم (3384).
(6)
في (ط): "على وجهه".
(7)
هذه مسألة الاستثناء في الإيمان وهي من أصول مسائل الإيمان، ولم يناقشها المؤلف في هذا الكتاب كثيراً، وإنما ناقشها وأطال فيها في كتاب (الإيمان الكبير) في عدة مواضع، ويعتبر كلامه في هذه الحالة من أبرز الفروق بين =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الكتابين، وقد آثرت أن أنقل قطوفاً من ذلك الكتاب حتى تتضح الصورة حول هذا الموضوع الهام:
قال المؤلف في الإيمان الكبير ما نصه: "وأما الاستثناء في الإيمان بقول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله، فالناس فيه ثلاثة أقوال: منهم من يوجبه، ومنهم من يحرمه، ومنهم من يجوز الأمرين باعتبارين، وهذا أصح الأقوال. فالذين يحرمونه هم المرجئة والجهمية ونحوهم، ممن جعل الإيمان شيئًا واحداً يعلمه الإنسان من نفسه، كالتصديق بالرب ونحو ذلك مما في قلبه. . . قالوا: فمن استثنى في إيمانه فهو شاك فيه وسموهم الشكاكة.
والذين أوجبوا الاستثناء لهم مأخذان:
أحدهما: أن الإيمان هو ما مات عليه الإنسان، والإنسان إنما يكون عند الله مؤمناً وكافراً، باعتبار الموافاة، وما سبق في علم الله أنه يكون عليه، وما قبل ذلك لا عبرة به، قالوا: والإيمان الذي يتعقبه الكفر يموت صاحبه ليس بإيمان، كالصلاة التي يفسدها صاحبها قبل الكمال، وكالصيام الذي يفطر صاحبه قبل الغروب، وصاحب هذا هو عند الله كافر لعلمه بما يموت عليه، وكذلك قالوا في الكفر. وهذا المأخذ مأخذ كثير من المتأخرين من الكلابية وغيرهم ممن يريد أن ينصر ما اشتهر عن أهل السنة والحديث من قولهم: أنا مؤمن إن شاء الله، ويريد مع ذلك أن الإيمان لا يتفاضل، ولا يشك الإنسان في الموجود منه، وإنما يشك في المستقبل، قالوا: والله يحب في أزله من كان كافراً إذا علم أنه يموت مؤمناً، فالصحابة ما زالوا محبوبين لله وإن كانوا قد عبدوا الأصنام مدة من الدهر، وإبليس ما زال الله يبغضه وإن كان لم يكفر بعد. . . فهؤلاء يقولون: إذا علم أن الإنسان يموت كافراً، لم يزل مريداً لعقوبته، فذاك الإيمان الذي كان معه باطل لا فائدة فيه، بل وجوده كعدمه فليس هذا بمؤمن أصلاً، وإذا علم أنه يموت مؤمناً لم يزل مريداً لإثابته، وذاك الكفر الذي فعله وجوده كعدمه، فلم يكن هذا كافراً عندهم أصلاً، فهؤلاء يستثنون في الإيمان على هذا المأخذ، وكذلك بعض محققيهم يستثنون في الكفر، مثل أبي منصور الماتريدي، فإن ما ذكروه مطرد فيهما، ولكن جماهير الأئمة على أنه لا يستثنى في الكفر، والاستثناء فيه بدعة لم يعرف عن أحد من السلف، ولكن هو لازم لهم.
والذين فرَّقوا من هؤلاء قالوا: نستثني في الإيمان رغبة إلى الله في أن يثبتنا عليه إلى الموت، والكفر لا يرغب فيه أحد، لكن يقال: إذا كان قولك: مؤمن كقولك: في الجنة، فأنت تقول عن الكافر: هو كافر، ولا تقول: هو في النار، إلا معلقاً بموته على الكفر، فدل على أنه كافر في الحال قطعاً، وإن جاز أن يصير مؤمناً، كذلك لمؤمن، وسواء أخبر عن نفسه أو عن غيره. . . وهذا القول =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= قاله كثير من أهل الكلام أصحاب ابن كلاب، ووافقهم على ذلك كثير من أتباع الأئمة، لكن ليس هذا قول أحد من السلف، لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا كان أحد من السلف الذين يستثنون في الإيمان يعللون بهذا، لا أحمد ولا من قبله.
ومأخذ هذا القول طرده طائفة ممن كانوا في الأصل يستثنون في الإيمان اتباعاً للسلف، وكانوا قد أخذوا الاستثناء عن السلف، وكان أهل الشام شديدين على المرجئة. . . . وكانوا يستثنون في الإيمان اتباعاً للسلف، واستثنوا أيضاً في الأعمال الصالحة، كقول الرجل: صليت إن شاء الله ونحو ذلك، بمعنى القبول، لما في ذلك من الآثار عن السلف. ثم صار كثير من هؤلاء بآخرة يستثنون في كل شيء، فيقول: هذا ثوبي إن شاء الله، وهذا حبل إن شاء الله، فإذا قيل لأحدهم: هذا شك فيه، قال: نعم لا شك فيه، لكن إذا شاء الله أن يغيره غيره، فيريدون بقولهم: إن شاء الله جواز تغييره في المستقبل، وإن كان في الحال لا شك فيه، كأن الحقيقة عندهم التى لا يستثنى فيها ما لم تتبدل، كما يقوله أولئك في الإيمان: إن الإيمان ما علم الله أنه لا يتبدل حتى يموت صاحبه عليه. لكن هذا القول قاله قوم من أهل العلم والدين باجتهاد ونظر، وهؤلاء الذين يستثنون في كل شيء تلقوا ذلك عن بعض أتباع أشياخهم، وشيخهم الذي ينتسبون إليه يقال له: أبو عمرو بن مرزوق، لم يكن ممن يرى هذا الاستثناء، بل كان في الاستثناء على طريقة من كان قبله، ولكن أحدث ذلك بعض أصحابه بعده، وكان شيخهم منتسباً إلى الإمام أحمد. . . . وهؤلاء كلهم وإن كانوا منتسبين إلى الإمام أحمد، فهم يوافقون ابن كلاب على أصله الذي كان أحمد ينكره على الكلابية. . . . . وهذه الطائفة المتأخرة تنكر أن يقال: قطعاً في شيء من الأشياء، مع غلوهم في الاستثناء، حتى صار هذا اللفظ منكراً عندهم، وإن قطعوا بالمعنى فيجزمون بأن محمدا رسول الله، وأن الله ربهم، ولا يقولون: قطعاً.
وأما مذهب سلف أصحاب الحديث كابن مسعود وأصحابه، والثوري وابن عيينة وأكثر علماء الكوفة، ويحيى بن سعيد القطان فيما يرويه عن علماء أهل البصرة، وأحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة، فكانوا يستثنون في الإيمان، وهذا متواتر عنهم، لكن ليس في هؤلاء من قال: أنا أستثنى لأجل الموافاة، وإن الإيمان هو اسم لما يوافي به العبد ربه، بل صرح أئمة هؤلاء بأن الاستثناء إنما هو لأن الإيمان يتضمن فعل الواجبات، فلا يشهدون لأنفسهم بذلك، كما لا يشهدون لها بالبر والتقوى، فإن ذلك مما لا يعلمونه وهو تزكية لأنفسهم بلا علم. . . وأما الموافاة فما علمت أحداً من السلف علل بها الاستثناء، ولكن كثير من المتأخرين يعلل بها من أصحاب الحديث من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم، كما =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= يعلل بها نظارهم كأبى الحسن الأشعري وأكثر أصحابه، لكن ليس هذا قول سلف أصحاب الحديث. . .
والمأخذ الثاني في الاستثناء (لمن يوجبونه): أن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله، وترك المحرمات كلها، فإذا قال الرجل: أنا مؤمن بهذا الاعتبار فقد شهد لنفسه بأنه من الأبرار المتقين القائمين بفعل جميع ما أمروا به وترك كل ما نهوا عنه، فيكون من أولياء الله، وهذا من تزكية الإنسان لنفسه، وشهادة لنفسه بما لا يعلم، ولو كانت هذا الشهادة صحيحة لكان ينبغي له أن يشهد لنفسه بالجنة إن مات على هذه الحال، ولا أحد يشهد لنفسه بالجنة، فشهادته لنفسه بالإيمان كشهادته لنفسه بالجنة إذا مات على هذا الحال، وهذا مأخذ عامة السلف الذين كانوا يستثنون، وإن جوزوا ترك الاستثناء بمعنى آخر. . . وقد كان أحمد وغيره من السلف مع هذا يكرهون سؤال الرجل لغيره: أمؤمن أنت؟ ويكرهون الجواب؛ لأن هذه بدعة أحدثها المرجئة ليحتجوا بها لقولهم، فإن الرجل يعلم من نفسه أنه ليس بكافر، بل يجد قلبه مصدقاً بما جاء به الرسول، فيقول: أنا مؤمن، فيثبت أن الإيمان هو التصديق، لأنك تجزم بأنك مؤمن، ولا تجزم بأنك فعلت كل ما أمرت به، فلما علم السلف مقصدهم صاروا يكرهون الجواب، أو يفصلون في الجواب، وهذا لأن لفظ الإيمان فيه إطلاق وتقييد، فكانوا يجيبون بالإيمان المقيد الذي لا يستلزم أنه شاهد فيه لنفسه بالكمال؛ ولهذا كان الصحيح أنه يجوز أن يقال: أنا مؤمن بلا استثناء إذا أراد ذلك، لكن ينبغي أن يقرن كلامه بما يبين أنه لم يرد الإيمان المطلق الكامل، ولهذا كان أحمد يكره أن يجيب على المطلق بلا استثناء يقدمه. . . فعلم أن أحمد وغيره من السلف كانوا يجزمون ولا يشكون في وجود ما في القلب من الإيمان في هذه الحال، ويجعلون الاستثناء عائداً إلى الإيمان المطلق المتضمن فعل المأمور، ويحتجون أيضاً بجواز الاستثناء فيما لا يشك فيه، وهذا مأخذ ثان، وإن كنا لا نشك فيما في قلوبنا من الإيمان، فالاستثناء فيما يعلم وجوده قد جاءت به السنة لما فيه من الحكمة" مجموع الفتاوى (7/ 429) وما بعدها. وأعتذر عن الإطالة في النقل ولكن المقصود أن تكتمل الموضوعات الهامة في هذا الكتاب الذي نقوم بتحقيقه من نفس كلام المؤلف ومما تضمنه شقيقه الأكبر (الإيمان الكبير).
وقال ابن أبي العز رحمه الله تعالى في شرحه للعقيدة الطحاوية (2/ 498): "وأما من يجوز الاستثناء وتركه فهم أسعد بالدليل من الفريقين (وهما من يوجبه ومن يحرمه) وخير الأمور أوسطها، فإن أراد المستثني الشك في أصل إيمانه منع من الاستثناء، وهذا مما لا خلاف فيه، وإن أراد أنه مؤمن من المؤمنين الذين =
الوجه المأمور به، لا على جهة الشك فيما بقلبه من التصديق، لا يجوز أن يراد بالآية أن الله لا يقبل (1) العمل إلا ممن اتقى (2) الذنوب كلها، لأن الكافر والفاسق حين يريد أن يتوب ليس متقياً، فإن كان قبول العمل مشروطاً يكون الفاعل حين فعله (3) لا ذنب له، امتنع قبول التوبة، بخلاف ما إذا اشترط التقوى في العمل، فإن التائب حين يتوب يأتي بالتوبة الواجبة، وهو حين شروعه في التوبة منتقل من الشر إلى الخير، لم يخلص من الذنب، بل هو متقٍ في حال الخلصة (4) منه.
وأيضاً فلو أتى الإنسان بأعمال البر وهو مصر على كبيرة، ثم تاب لوجب أن تسقط سيئاته بالتوبة، وتقبل منه تلك الحسنات، وهو حين أتى بها كان فاسقاً.
وأيضاً فالكافر إذا أسلم وعليه للناس مظالم من قتل وغصب وقذف، وكذلك الذمي إذا أسلم قبل إسلامه مع بقاء مظالم العباد عليه (5)،
= وصفهم الله في قوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)} وفي قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15)} فالاستثناء حينئذ جائز، وكذلك من استثنى وأراد عدم علمه بالعاقبة، وكذلك من استثنى تعليقاً للأمر بمشيئة الله لا شكاً في إيمانه، وهذا القول في القوة كما ترى".
وهنا مسألة أخرى نبَّه عليها المؤلف في (الإيمان الكبير)(7/ 259) وهي الاستثناء في الإسلام، إنه إن أراد بالإسلام الكلمة على قول الزهري وهي الشهادتان فلا استثناء فيها، يقول رحمه الله:(فالإسلام الذي لا يستثنى فيه الشهادتان باللسان فقط فإنها لا تزيد ولا تنقص فلا استثناء فيها) وقال أيضاً: (وتعليل أحمد وغيره من السلف ما ذكروه في اسم الإيمان يجيء في اسم الإسلام، فإذا أريد بالإسلام الكلمة فلا استثناء فيه، كما نص عليه أحمد وغيره، وإذا أريد به من فعل الواجبات الظاهرة كلها فالاستثناء فيه كالاستثناء في الإيمان).
(1)
في (ط): "يقبل".
(2)
في (ط): "يتقي".
(3)
في (م): "يفعله".
(4)
في (ط): "تخلصه".
(5)
تعرَّض المصنف في مجموع الفتاوى (10/ 323) لمسألة وهي: هل تغفر ذنوب الكافر إذا أسلم ولم يتب منها؟ وقال: "إن فيها قولين معروفين: =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= أحدهما: يغفر له الجميع، لإطلاق قوله صلى الله عليه وسلم:"الإسلام يهدم ما قبله" رواه مسلم، مع قوله تعالى:{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} .
القول الثاني: أنه لا يستحق أن يغفر له بالإسلام إلا ما تاب منه، فإذا أسلم وهو مصر على كبائر دون الكفر، فحكمه في ذلك حكم أمثاله من أهل الكبائر، وهذا القول هو الذي تدل عليه الأصول والنصوص، فإن في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له حكيم بن حزام:(يا رسول الله، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ فقال: "من أحسن منكم في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر") فقد دل هذا النص على أنه إنما ترفع المؤاخذة بالأعمال التى فعلت في حال الجاهلية عمن أحسن، لا عمن لا يحسن، وإن لم يحسن أخذ بالأول والآخر، ومن لم يتب منها فلم يحسن، وقوله تعالى:{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} يدل على أن المنتهي عن شيء يغفر له ما قد سلف منه، لا يدل على أن المنتهي عن شيء يغفر له ما سلف من غيره. . .
وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الإيمان يهدم ما قبله" وفي رواية: (يجب ما قبله): فهذا قاله لما أسلم عمرو بن العاص، وطلب أن يغفر له ما تقدم من ذنبه، فقال له:"يا عمرو، أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن التوبة تهدم ما كان قبلها، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها" ومعلوم أن التوبة إنما توجب مغفرة ما تاب منه، لا توجب التوبة غفران جميع الذنوب".
وهذه المسألة ذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري (12/ 266) عند شرحه للحديث السابق -الذي ذكر شيخ الإسلام أن حكيم بن حزام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس في الصحيحين أو الروايات الأخرى ذكر له، وإنما الحديث عن عبد الله بن مسعود أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم، قال الحافظ:(ولم أقف على اسمه) وفي رواية: سألنا النبي صلى الله عليه وسلم ولعل شيخ الإسلام عرض له حديث حكيم بن حزام في الصحيحين عندما ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أموراً كان يصنعها في الجاهلية من صلة وصدقة وعتق، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"أسلمت على ما أسلفت من خير" رواه البخاري برقم (5992) كتاب الأدب، ومسلم برقم (123) كتاب الإيمان.
وقد ذكر الحافظ أقوالاً فىِ شرح المقصود بالإساءة في هذا الحديث:
منها ما ذهب إليه القرطبي أنها إسلام الرجل رياء وسمعة، ومال إلى قول من قال: إنها الكفر، وأن الكافر إذا أسلم ثم ارتد ومات على كفره كان كمن لم يسلم، فيعاقب على جميع ما قدمه، وذكر أن الخطابي وابن بطال نقلا الإجماع على أن المسلم لا يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ثم ذكر أنه وجد في "كتاب السنة" لعبد العزيز بن جعفر أحد رؤوس الحنابلة ما يدفع دعوى الخطابي =
فلو كان العمل لا يقبل إلا ممن لا كبيرة عليه، لم يصح إسلام الذمي حتى يتوب من الفواحش والمظالم، بل يكون مع إسلامه مخلداً.
وقد كان الناس يسلمون (1) على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهم ذنوب معروفة، وعليهم تبعات، فيقبل إسلامهم، ويبرؤون إلى الله من التبعات، كما ثبت في الصحيح:"أن المغيرة بن شعبة لما أسلم ، وكان قد رافق قوماً في الجاهلية فغدر بهم، وأخذ أموالهم، وجاء فأسلم، فلما جاء عروة بن مسعود عام الحديبية، والمغيرة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم بالسيف ، دفعه المغيرة بالسيف، فقال: من هذا؟ فقالوا: ابن أختك المغيرة فقال: يا غدر [ألست] (2) أسعى في غدرتك! ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أما الإسلام فأقبله، وأما المال فلست منه في شيء" (3).
وقال تعالى: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52)} [الأنعام: 52].
وقال لنوح عليه السلام: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113)} [الشعراء: 111].
= وابن بطال في الإجماع، وهو ما نقل عن الميموني عن أحمد أنه قال: بلغني أن أبا حنيفة يقول: إن من أسلم لا يؤاخذ بما كان في الجاهلية، ثم رد عليه بحديث ابن مسعود.
ففيه أن الذنوب التي كان الكافر يفعلها في جاهليته إذا أصر عليها في الإسلام، فإنه يؤاخذ بها، لأنه بإصراره لا يكون تاب منها، وإنما تاب من الكفر، فلا يسقط عنه ذنب تلك المعصية لإصراره عليها، وإلى هذا ذهب الحليمي من الشافعية، ولكن هذا القول هو خلاف قول الجمهور.
(1)
في (ط): "مسلمين".
(2)
في نسخة الأصل: "أو لست"، والتصحيح من (م) و (ط)، وهو الموافق لرواية البخاري.
(3)
هو جزء من حديث الحديبية الطويل رواه البخاري برقم (2731 - 2632) كتاب الشروط باب الشروط في الجهاد، وأحمد برقم (18166).
ولا يعرف (1) أحد من المسلمين جاءه ذمي يسلم فقال له: لا يصح إسلامك حتى لا يكون عليك ذنب، وكذلك سائر أعمال البر من الصلاة والزكاة والصيام (2).
السبب الرابع: الدافع للعقاب دعاء المؤمنين للمؤمن، مثل صلاتهم على [جنازته] (3) فعن عائشة وأنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له (4) إلا شفعوا فيه "(5).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلاً، لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه"(6) رواهما مسلم.
وهذا دعاء له بعد الموت، فلا يجوز أن تحمل المغفرة على المؤمن التقي الذي اجتنب الكبائر، وكفِّرت عنه الصغائر وحده، فإن ذلك مغفور له عند المنازعين (7)، فعلم أن هذا الدعاء من أسباب المغفرة للميت.
السبب الخامس: ما يعمل عنه (8) من أعمال البر كالصدقة ونحوها، فإن هذا (9) ينتفع به بنصوص السنة الصحيحة الصريحة واتفاق الأئمة، وكذلك العتق والحج.
(1) في (ط): "نعرف أحداً".
(2)
"الصيام" ساقطة من (م) و (ط).
(3)
في نسخة الأصل و (م): جنازة، وآثرنا ما أثبتناه من (ط) لأنه أقرب وأدق.
(4)
"له": ليست في (ط).
(5)
رواه مسلم برقم (947) 2/ 654 كتاب الجنائز باب من صلى عليه مائة شفعوا فيه، والترمذي برقم (1029) كتاب الجنائز، والنسائي برقم (1991) كتاب الجنائز، وأحمد برقم (22997).
(6)
رواه مسلم برقم (948) كتاب الجنائز باب من صلى عليه أربعون شفعوا فيه، وأبو داود برقم (317)، وأحمد برقم (2379).
(7)
في (ط): "المتنازعين".
(8)
في (ط): "يعمل للميت".
(9)
في (م): "فهذا".
بل قد ثبت في الصحيحين أنه قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه)(1).
وثبت مثل ذلك في الصحيح في صوم النذر من وجوه أخرى (2).
ولا يجوز أن يعارض هذا بقوله: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39)} [النجم: 39] لوجهين:
أحدهما: أنه قد ثبت بالنصوص المتواترة وإجماع سلف الأمة، أن المؤمن ينتفع بما ليس من سعيه، كدعاء الملائكة واستغفارهم له كما في قوله تعالى:{الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9)} [غافر: 7 - 9](3).
ودعاء النبيين والمؤمنين واستغفارهم كما في قوله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة: 103].
وقوله سبحانه: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ [يؤمن بالله واليوم الآخر و] (4) يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ} [التوبة: 99].
وقوله عز وجل: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19] وكدعاء المصلين للميت ولمن زار قبره من المؤمنين.
(1) رواه البخاري برقم (1952) كتاب الصوم باب من مات وعليه صوم، ومسلم برقم (1147) 2/ 803 كتاب الصيام باب قضاء الصيام عن الميت، وأبو داود برقم (2400) كتاب الصوم.
(2)
روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه، أكان يؤدي ذلك عنها؟ قالت: نعم، قال: فصومي عن أمك" ورقمه (1148) 2/ 804 كتاب الصيام باب قضاء الصيام عن الميت.
(3)
الآية فى (ط) ليست كاملة.
(4)
ما بين المعكوفتين ليس في نسخة الأصل.
الثاني: أن الآية ليس (1) في ظاهرها إلا أنه ليس له إلا سعيه، وهذا حق فإنه لا يملك و (2) يستحق إلا سعي نفسه، وأما سعي غيره فلا يملكه، لا يستحقه لكن هذا لا يمنع أن ينفعه الله ويرحمه به، كما أنه دائماً يرحم عباده بأسباب خارجة عن مقدورهم، وهو سبحانه بحكمته ورحمته يرحم العباد بأسباب [تفعلها](3) العباد ليثيب أولئك على تلك الأسباب، فيرحم الجميع كما في الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ما من رجل يدعو لأخيه بدعوة إلا وكل الله به ملكاً كلما دعا لأخيه قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل"(4).
وذلك (5) كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال: "من صلى على جنازة فله قيراط ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان أصغرهما مثل أحد"(6). فهو قد يرحم المصلي على الميت بدعائه [له](7)، ويرحم الميت أيضاً بدعاء هذا الحي له.
السبب السادس: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وغيره في أهل الذنوب يوم القيامة، كما قد تواترت عنه أحاديث الشفاعة، مثل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:(شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)(8).
(1) في (ط): "ليست".
(2)
في (ط): "ولا يستحق".
(3)
في (م) و (ط): "يفعلها".
(4)
رواه مسلم برقم (2732) 4/ 2094 كتاب الذكر والدعاء باب فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب، وأبو داود برقم (1534) كتاب الصلاة، وابن ماجه برقم (2895) كتاب المناسك، وأحمد برقم (20717).
(5)
"ذلك" ساقطة من (م) و (ط).
(6)
رواه البخاري بنحوه برقم (47) كتاب الإيمان باب، ومسلم برقم (945) 2/ 652 كتاب الجنائز باب فضل الصلاة على الجنازة واتباعها، والترمذي برقم (1040) كتاب الجنائز، والنسائي برقم (1994) كتاب الجنائز، وابن ماجه برقم (1539) كتاب ما جاء في الجنائز، وأحمد برقم (4635).
(7)
ما بين المعكوفتين ليس في نسخة الأصل.
(8)
رواه الترمذي برقم (2435) كتاب صفة القيامة، وقال: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وأبو داود برقم (4739) كتاب السنة، وابن ماجه برقم (4310) كتاب الزهد، وأحمد برقم (12745)، والحاكم 1/ 69، والطيالسي في مسنده برقم (2596)، وهو حديث صحيح.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "خيرت بين أن يدخل نصف أمتي الجنة، وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة لأنها أعم وأكفى (1) أترونها للمتقين؟ لا، ولكنها للمذنبين المتلوثين الخطائين"(2).
السبب السابع: المصائب التي يكفر الله بها الخطايا في الدنيا كما في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا غم ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه"(3).
السبب الثامن: ما يحصل في القبر من الفتنة والضغطة والروعة فإن هذا مما تكفَّر (4) به الخطايا.
السبب التاسع: أهوال يوم القيامة وكربها وشدائدها.
السبب العاشر: رحمة الله وعفوه ومغفرته بلا سبب من العباد.
فإذا ثبت أن الذم والعقاب قد يدفع عن أهل الذنوب بهذه الأسباب العشرة كان دعواهم أن عقوبات الكبائر لا تندفع إلا بالتوبة مخالف لذلك (5).
(1) في (ط): "أكثر بدل أكفى".
(2)
رواه الترمذي برقم (2441) كتاب صفة القيامة، وابن ماجه برقم (4311) كتاب الزهد، وأحمد برقم (5195) بألفاظ مختلفة، والحديث قال عنه الهيثمي في مجمع الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات.
(3)
الحديث في الصحيحين، وقد تقدم تخريجه ص 330 من هذا الكتاب.
(4)
في (م) و (ط): "يكفر".
(5)
هذه الأسباب العشرة تحدث عنها المؤلف رحمه الله كثيراً في بعض مؤلفاته الأخرى، من ذلك كلامه عنها في منهاج السنة (4/ 325) حيث أفاض فيها فى أكثر من موضع، وذكر فيها فائدة جديدة وهي توضيح مصادر هذه الأسباب، وأن ثلاثة منها وهي التوبة والاستغفار والحسنات الماحية مصدرها من العبد نفسه، وثلاثة منها وهي دعاء المؤمنين وإهداؤهم العمل الصالح له وشفاعة النبى صلى الله عليه وسلم من الناس، والأربعة الباقية وهي المصائب المكفرة في الدنيا وفي البرزخ وفي عرصات القيامة ومغفرة الله له بفضل الله ورحمته من الله عز وجل يبتدأ بها الله العبد.
وقد توسَّع فيها بعد ذلك وأطال فيها جداً (6/ 206 - 238) واستقصى كثيراً من =