الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تمهيد
مسألة الإيمان، ومذاهب الطوائف فيها، وبيان الراجح منها:
تعد مسألة الإيمان من أهم مسائل العقيدة الإسلامية على الإطلاق، ولا ريب أن أول خلاف وقع في الأمة كان فيها، وكان الخلاف فيها محورًا رئيسيًا تبلورت حوله آراء عدة فرق، وصار معلمًا بارزًا لكل منها.
ومسألة الإيمان هي الأصل العظيم، الذي يخرج به الناس من الظلمات إلى النور، وبه يتميز السعداء من الأشقياء، وأولياء الله من أعدائه، وبه تنال الحياة الطيبة في الدنيا، والجزاء الحسن، والأجر العظيم في جنات النعيم {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)} [النحل: 97].
ولقد أفسد الخلاف فيها بين الفرق المحدثة على المسلمين كثيرًا من معانيها العظيمة، وأحالوها في كثير من الأحيان إلى مجرد قضية عقلية باهتة، لا علاقة لها بالحياة، وعظم الخطب حين نادت بعض هذه الفرق بفصلها -فعلًا- عن الحياة، وذلك يوم أصرَّت على إخراج الأعمال من الإيمان.
وإننا لنريد أن تعود هذه القضية الكبرى رائدةً للقضايا الإسلامية المعاصرة، على منهج خير القرون، وأن تكون هي الأصل الأصيل الذي نعتمد عليه في بعث الأمة من جديد.
وقبل معرفة مذاهب الطوائف والفرق في مسألة الإيمان، لا بد من إطلالة موجزة على معنى هذه الكلمة في اللغة فنقول:
الإيمان لغة:
يقول الأزهرى: "اتفق أهل العلم من اللغويين وغيرهم أن الإيمان
معناه التصديق، قال تعالى حكاية عن إخوة يوسف:{وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} لم يختلف أهل التفسير أن معناه: وما أنت بمصدق لنا" (1).
ويقول الجوهري في باب النون، فصل الألف، عن معنى كلمة أمن:"الأمان والأمانة بمعنى، وقد أمِنْتُ فأنا آمن، وآمنت غيري، من الأمن والأمان، والإيمان: التصديق، والله تعالى المؤمن، لأنه آمن عباده من أن يظلمهم"(2).
ويقول الراغب الأصفهاني: "آمن إنما يقال على وجهين: أحدهما: متعديًا بنفسه، يقال: آمنته، أي جعلت له الأمن، ومنه قيل لله مؤمن، الثاني: غير متعدٍ، ومعناه صار ذا أمن، قال تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} قيل معناه: بمصدق لنا، إلا أن الإيمان هو التصديق الذي معه أمن"(3).
ويقول صاحب القاموس المحيط: "آمن به إيمانًا، صدقه، والإيمان الثقة، وإظهار الخضوع، وقبول الشريعة"(4).
وذكر ابن فارس، وابن منظور، قريبًا من هذا الكلام (5).
وعلى هذا نجد أن من معاني هذه الكلمة في اللغة الأمن، والتصديق.
وإلى ذلك أشار القاضي أبو بكر بن العربي، واستدل على المعنى الأول بقول النابغة:
والمؤمن العائذات الطير يمسحها. . . ركبان مكة بين الغَيل والسند (6)
ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أن هناك من يقول: إن معنى الإيمان في اللغة هو الإقرار (7).
(1) تهذيب اللغة (15/ 513).
(2)
الصحاح (5/ 2071).
(3)
المفردات في غريب القرآن (26).
(4)
القاموس المحيط (1518).
(5)
لسان العرب (13/ 21)، مجمل اللغة (1/ 102).
(6)
أحكام القرآن 21/ 506).
(7)
الإيمان الكبير (101).
بل إن شيخ الإسلام ليذهب في الكتاب الذي نقوم بتحقيقه إلى أن الإيمان "مأخوذ من الأمن، الذي هو الطمأنينة، كما أن لفظ الإقرار مأخوذ من قر يقر، وهو قريب من آمن يأمن. . . فالمؤمن داخل في الأمن"(1).
وذكر صاحب لوامع الأنوار هذه الأقوال الثلاثة (2).
على أن بعض علماء اللغة ذكر الاتفاق على أن الإيمان في اللغة هو التصديق (3)، وادعى بعض المتكلمين -كالباقلاني- الإجماع على ذلك (4)، ودعوى الاتفاق ومن باب أولى دعوى الإجماع محل نظر، فقد رأينا أن بعض علماء اللغة ذكروا أن من معاني كلمة الإيمان في اللغة الأمن.
على أن هناك مسألة هامة ينبغي التنبيه لها في أثناء الخوض في هذه القضية، وهي أن كثيرًا من علماء اللغة -خصوصًا المتأخرين منهم- متأثرون بعلم الكلام واصطلاحات المتكلمين، ومن هنا وجب الحذر في النظر فيما يتكلمون في من ألفاظ ومعانٍ تعلق بمصطلحات العقيدة.
وأما الإيمان في الاصطلاح:
فقد تعددت الأقوال فيه (5):
1 -
فأهل السنّة والجماعة الذين هم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة يقولون: الإيمان قول وعمل، فالقول يشمل قول القلب وقول اللسان، والعمل يشمل عمل القلب وعمل الجوارح، أو هو: اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح.
2 -
والخوارج والمعتزلة يقولون كظاهر قول السلف: الإيمان اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح.
(1) شرح حديث جبريل (414).
(2)
لوامع الأنوار البهية للشيخ محمد بن أحمد السفاريني (1/ 404).
(3)
كما ذكر ذلك ابن منظور على سبيل المثال في لسان العرب (13/ 21).
(4)
سيأتي الكلام عن الرد على هذه القضية عند التعرض لمناقشة المذاهب في الإيمان.
(5)
نود التنبيه إلى أن توثيق هذه الأقوال من مصادرها قد تم خلال تحقيق متن الكتاب.
غير أنهم يحبطون الإيمان بالكبيرة، ويكفرون صاحبها -كما فعلت الخوارج- أو ينزلونه في منزلة بين المنزلتين -كما صنعت المعتزلة- مع اتفاق الفريقين على خلود صاحبها في النار.
وهناك المرجئة على اختلاف طوائفها التي اتفقت على إخراج الأعمال من مسمى الإيمان.
3 -
فمرجئة الفقهاء يقولون: الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان.
4 -
والكرامية يقولون: الإيمان قول باللسان.
5 -
والجهمية يقولون: الإيمان هو المعرفة فقط.
6 -
والأشاعرة والماتريدية يقولون: الإيمان هو التصديق (1).
وسنعرض أثناء دراسة مسائل الكتاب -إن شاء الله- لآراء هذه الفرق بالتفصيل ومآخذها، ليظهر لنا جليًا أن مذهب السلف الذي عليه أهل السنّة والجماعة هو المذهب الحق لا ريب فيه، وأن ما سواه هو الباطل الذي لا شك في بطلانه.
وأننا ما إن نقوم ببيان مذهب السلف وإظهاره حتى تتهاوى المذاهب الأخرى، فإذا هي زاهقة، قال تعالى:{بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18)} [الأنبياء: 18].
(1) الإيمان لأبي عبيد (53)، الإيمان لابن منده (1/ 331)، التبصير في معالم الدين لأبي جعفر الطبري (188/ 189)، الانتصار في الرد على المعتزلة الأشرار للعمراني (3/ 736)، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (2/ 459)، شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي (708 - 709)، شرح العقائد النسفية (156)، فتح الباري (1/ 46)، لوامع الأنوار (1/ 405).