الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الخامسة تقرير مذهب السلف في الإيمان
مذهب السلف كما سبق في الإيمان هو قول وعمل، والإيمان على وجه التفصيل يتكون من الأجزاء التالية:
قول القلب وقول اللسان وعمل القلب وعمل الجوارح:
أو يتركب من العناصر التالية: اعتقاد بالجنان وقول باللسان وعمل بالأركان.
فقول القلب هو تصديقه وعلمه، وقول اللسان هو تهليله وذكره، وعمل القلب هو حبه وخوفه ورجاؤه وغيره، وعمل الجوارح هو الأعمال الظاهرة، من صلاة وصيام وحج وذبح ونذر ودعاء وغير ذلك.
فالإيمان إذن يتكون من ظاهر وباطن، والظاهر يشمل قول اللسان وعمل الجوارح، وأما الباطن فيشمل قول القلب وعمل القلب.
وقد قام المصنف رحمه الله من خلال كتابه "شرح حديث جبريل" بتقرير مذهب أهل السنة والجماعة في قضايا الإيمان المختلفة، وسوف نعرض هذه القضايا المختلفة عرضًا موجزًا، وكما عرضها المصنف.
ونستطيع أن نقول: إن هذه القضايا تمثل جملة معتقد أهل السنّة والجماعة في الإيمان، وفيما يلي أهم القضايا التي تحدث عنها المؤلف:
1 -
أن الإيمان قول وعمل، أو قول وعمل ونية، أو قول وعمل ونية واتباع للسنّة، أو قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان وكل ذلك قد ورد عن السلف، والمعنى متقارب (1).
2 -
أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي (2).
3 -
أن العباد لا يتساوون في الإيمان، ولا يتماثلون فيه أبدًا، وأن القول بتساوي إيمان الناس بدعة شنعاء (3).
(1) شرح حديث جبريل (368).
(2)
المصدر نفسه (366).
(3)
المصدر نفسه (447).
4 -
أن تفاضل الناس في الإيمان يكون في أجزاء الإيمان الأربعة، في قول القلب، وهو التصديق، وفي قول اللسان وهو الذكر، وفي أعمال القلوب، وفي أعمال الجوارح.
5 -
أن أعمال القلب وأعمال الجوارح من الإيمان، وقد شنَّع السلف على من أخرج الأعمال من مسمى الإيمان، وهم المرجئة -مع اهتمامهم بالعمل والعبادة في حياتهم- أيما تشنيع.
يقول الإمام الأوزاعي رحمه الله: "وكان من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل، والعمل من الإيمان، والإيمان من العمل"(1).
6 -
أن الكفر كفران، كفر أصغر، وكفر أكبر، والنفاق نفاقان، نفاق أصغر، ونفاق أكبر، والشرك كذلك شركان، شرك أصغر وشرك أكبر، فالأصغر من هذه الأمور ليس مخرجًا من الملة، والأكبر هو المخرج منها (2).
7 -
أن الكفر يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح، وليس محصورًا في كفر القلب، أو التكذيب بالحق -كما ذهب إلى ذلك كثير من طوائف أهل البدع-، والمصنف رحمه الله كلامه في كتاب "شرح حديث جبريل" وغيره من كتبه، يدور على ذلك، أي على أن الكفر قد يكون تكذيبًا في القلب، أو قولًا باللسان، أو أعمالًا ظاهرة في الجوارح تناقض الإيمان (3).
أما أهل البدع فهم يجعلون الإيمان محصورًا في التصديق، ويجعلون ما يقابله وهو الكفر محصورًا في التكذيب.
وقد ذكر الأشعري أن من مذهب الجهمية "أن الإيمان والكفر، لا يكونان إلا في القلب دون غيره من الجوارح"(4).
(1) الإبانة لابن بطة (2/ 807)، وقد ذكره شيخ الإسلام في الإيمان (232).
(2)
شرح حديث جبريل (405).
(3)
المصدر نفسه (444 - 450)، الإيمان (175).
(4)
مقالات الإسلاميين (1/ 213).
يقول المصنف رحمه الله: "فإنا نعلم أن من سب الله ورسوله طوعًا بغير كره، بل من تكلم بكلمات الكفر طائعًا غير مكره، ومن استهزأ بالله وآياته ورسوله فهو كافر باطنًا وظاهرًا"(1).
ويقول أيضًا: "فالقلب إذا كان معتقدًا صدق الرسول، وأنه رسول الله، وكان محبًا لرسول الله معظمًا له، امتنع مع هذا أن يلعنه ويسبه، فلا يتصور ذلك منه إلا مع نوع من الاستخفاف به وبحرمته، فعلم بذلك أن مجرد اعتقاده أنه صادق، لا يكون إيمانًا إلا مع محبته وتعظيمه بالقلب"(2).
ويقول في موضع آخر: "وأيضًا فإنه سبحانه استثنى المكره من الكفار، ولو كان الكفر لا يكون إلا بتكذيب القلب وجهله، لم يستثن منه المكره، لأن الإكراه على ذلك ممتنع، فعُلم أن التكلم بالكفر كفر، لا في حال الإكراه. . . "(3).
ويقول الحافظ ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: "وأما الكفر الأكبر، فخمسة أنواع:
كفر تكذيب.
وكفر استكبار وإباء، مع التصديق.
وكفر إعراض.
وكفر شك.
وكفر نفاق.
فأما كفر التكذيب: فهو اعتقاد كذب الرسل، وهذا القسم قليل في الكفار. . .
وأما كفر الإباء والاستكبار: فنحو كفر إبليس، فإنه لم يجحد أمر الله، ولا قابله بالإنكار، وإنما تلقاه بالإباء والاستكبار، ومن هذا كفر من عرف صدق الرسول، وأنه جاء بالحق من عند الله، ولم ينقد له إباءًا واستكبارًا، وهو الغالب على كفر أعداء الرسل.
(1) شرح حديث جبريل (449).
(2)
المصدر نفسه (450).
(3)
المصدر نفسه (453)، وانظر أيضًا نفس المصدر (455).
أما كفر الإعراض: فأن يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول، لا يصدقه، ولا يكذبه، ولا يواليه، ولا يعاديه، ولا يصغي إلى ما جاء به البتة.
وأما كفر الشك، فإنه لا يجزم بصدقه، ولا يكذبه، بل يشك في أمره.
وأما كفر النفاق، فهو أن يظهر بلسانه الإيمان، وينطوي قلبه على التكذيب. . " (1).
8 -
أن حكم مرتكب الكبيرة عند أهل السنة والجماعة في الدنيا، أنه مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، ولا يخرج من الإيمان إلى الكفر، بل يقولون: إن صاحب الكبيرة خرج من الإيمان إلى الإسلام، وأما في الآخرة فهو في مشية الله عز وجل، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له (2).
يقول المصنف رحمه الله: "وبتحقيق هذا المقام يزول الاشتباه في هذا الموضع، ويعلم أن في المسلمين قسمًا، ليس هو منافقًا محضًا في الدرك الأسفل من النار، وليس هو من المؤمنين الذين قيل فيهم: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15)} [الحجرات: 15]، ولا من الذين قيل فيهم: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [الأنفال: 4]، فلا هم منافقون، ولا هم من هؤلاء الصادقين المؤمنين حقًا، ولا من الذين يدخلون الجنة بلا عقاب، بل له طاعات ومعاصٍ، وحسنات وسيئات، ومعه من الإيمان ما لا يخلد معه في النار، وله من الكبائر ما يستوجب دخول النار، وهذا القسم قد يسميه بعض الناس: الفاسق الملي. . "(3).
(1) مدارج السالكين (1/ 366)، وانظر: كتاب "نواقض الإيمان القولية والعملية"(36 - 46) للدكتور عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف، فقد ذكر نقولًا عن جمع من العلماء تبين أن الكفر يكون بالقلب واللسان والجوارح، ومن هؤلاء: محمد بن نصر المروزي، وابن الجوزي، وابن حزم، وشيخ الإسلام ابن تيمية الإمام المصنف، وتاج الدين السبكي، وابن القيم، وابن كثير، وابن الوزير، وابن نجيم الحنفي.
(2)
شرح حديث جبريل (311)، الإيمان (190) مجموع الفتاوى (7/ 673).
(3)
شرح حديت جبريل (313)، (404).
ويقول في موضع آخر عن حكم مرتكب الكبيرة: "وهل يطلق عليه اسم مؤمن؟ هذا فيه القولان، والصحيح التفصيل، فإذا سئل عن أحكام الدنيا، كعتقه في الكفارة، قيل: هو مؤمن، وكذلك إذا سئل عن دخوله في خطاب المؤمنين.
وأما إذا سئل عن حكمه في الآخرة، قيل: ليس هذا النوع من المؤمنين الموعودين بالجنة، بل معه إيمان يمنعه الخلود في النار، ويدخل به الجنة بعد أن يعذب في النار، إن لم يغفر الله له ذنوبه، ولهذا قال من قال: هو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته" (1).
9 -
أنه لا بد أن يدخل النار جمع من أهل القبلة، ثم يخرجون منها، كما تواترت بذلك الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم (2).
ويقول رحمه الله: "بل السلف والأئمة متفقون على ما تواترت به النصوص، من أنه لا بد أن يدخل النار قوم من أهل القبلة، ثم يخرجون منها"(3).
10 -
أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الذنوب يوم القيامة، كما قد تواترت عنه أحاديث الشفاعة (4).
وشفاعته صلى الله عليه وسلم لقوم استحقوا دخول النار، فلا يدخلونها، ولقوم يخرجون منها بعد أن دخلوها (5).
11 -
أن الإيمان له شعب كثيرة، منها ما يزول الإيمان بزوالها، كالشهادتين (6) ومنها من لا يزول الإيمان بزواله، كإماطة الأذى عن الطريق على سبيل المثال (7).
ويقول رحمه الله في موضع آخر شارحًا لحقيقة الإيمان: "ثم هو في
(1) الإيمان (278).
(2)
شرح حديث جبريل (331).
(3)
المصدر نفسه (361).
(4)
المصدر نفسه (358).
(5)
شرح العقيدة الطحاوية (1/ 288، 290).
(6)
وترك الصلاة بالكلية -على الصحيح-.
(7)
المصدر نفسه (376، 378).
الكتاب بمعنيين: أصل وفرع واجب. . وهو مركب من أصل لا يتم بدونه، ومن واجب ينقص بفواته نقصًا يستحق صاحبه العقوبة، ومن مستحب يفوت بفواته علو الدرجة، فالناس فيه ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق، كالحج".
ويقول الحافظ ابن القيم رحمه الله: "إن الإيمان عند جمهور أهل السنّة له شعب متعددة، كما أخبر بذلك أعلم الخلق صلى الله عليه وسلم في حديث شعب الإيمان"(1).
وكما أن الإيمان شعب وأجزاء، فكذلك الكفر، يقول الحافظ ابن القيم:"الكفر ذو أصل وشعب، فكما أن شعب الإيمان إيمان، فشعب الكفر كفر"(2).
12 -
أنه يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق، وبعض شعب الإيمان وشعبة من شعب الكفر (3).
والمعنى: يجتمع إيمان مع نفاق أصغر، أي: عملي، ويجتمع إيمان وكفر أصغر لا ينقل عن الملة، أما الإيمان والكفر الأكبر، والإيمان والنفاق الأكبر، فلا يجتمعان في قلب عبد قط، لأن الإيمان والكفر الأكبر متضادان، إذا وُجد أحدهما بطل الآخر.
13 -
ليس من شرط الإيمان وجود العلم التام (4)، ولهذا كان الصواب أن الجهل ببعض أسماء الله وصفاته، لا يكون صاحبه كافرًا، إذا كان مقرًا بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يبلغه ما يوجب العلم بما جهله على وجه يقتضي كفره إذا لم يعلمه (5).
(1) الصلاة (53).
(2)
المصدر نفسه (53).
(3)
شرح حديث جبريل (398)، الإيمان (275).
(4)
نود أن نشير إلى وقوع خطأ كبير في المطبوع، وهو أن العبارة جاءت فيه كالتالي:"فمن شرط الإيمان وجود العلم التام"، وهو مخالف لعقيدة أهل السنة والجماعة، ولا يلاءم مع سياق المصنف، وقد نبهنا عليه في مكانه من متن الكتاب المحقق.
(5)
المصدر نفسه (423).
14 -
أن الإيمان المطلق هو الذي يتناول القول المطلق، والعمل المطلق، أي يتناول قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح (1).
فهو يتناول فعل الواجبات، وترك المحرمات (2).
وهو الذي يستحق به المؤمن الثواب بلا عقاب، والوعد بالجنة (3)، وإذا أطلق فإنه يشمل الأعمال الظاهرة والباطنة (4).
15 -
أن الإيمان الواجب يختلف باختلاف حال نزول الوحي من السماء، وبحال المكلف في البلاغ وعدمه (5).
16 -
أن العمل الظاهر لا يكون مستلزمًا للإيمان، ولا لازمًا له، بل يوجد معه تارة، ومع نقيضه تارة، فالعمل الظاهر ليس مستلزمًا لإيمان الباطن، وذلك كما في أعمال المنافق، وعلى العكس من ذلك تمامًا، فإذا وجد الإيمان الباطن وجدت الأعمال الظاهرة بحسبه (6).
17 -
أن أصل الإيمان في القلب، والأعمال والأقوال الظاهرة من لوازمه التي لا تنفك عنه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:"ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب"(7).
18 -
أن اسم الإيمان يطلق تارة على ما في القلب من الأقوال القلبية والأعمال القلبية، وتكون الأعمال الظاهرة من لوازمها التي لا تنفك عنها، وتارة يطلق اسم الإيمان على ما في القلب والبدن جميعًا.
وسبب ذلك أن الاسم الواحد تختلف دلالته بالإفراد والاقتران، فإذا أفرد اسم الإيمان دخلت فيه الأعمال الظاهرة، أما إذا قرن بالإسلام أو بالعمل الصالح فإن الإيمان بطلق في تلك الحال على ما في القلب (8).
(1) المصدر نفسه (370).
(2)
الإيمان (38).
(3)
شرح حديث جبريل (406).
(4)
المصدر نفسه (481).
(5)
المصدر نفسه (396)، الإيمان (156).
(6)
شرح حديث جبريل (490).
(7)
المصدر السابق (442)، الإيمان (149)، مجموع الفتاوى (7/ 644).
(8)
شرح حديث جبريل (442).
19 -
أن من لا يكلم بالشهادتين مع القدرة عليهما، فهو كافر باطنًا وظاهرًا باتفاق المسلمين.
وفي هذا بقول المصنف رحمه الله: "وبهذا تعرف أن من آمن قلبه إيمانًا جازمًا امتنع أن لا يتكلم بالشهادتين مع القدرة، فعدم الشهادتين مع القدرة مستلزم انتفاء الإيمان القلبي التام"(1).
ويقول أيضًا: "فأما الشهادتان إذا لم يتكلم بهما مع القدرة، فهو كافر باتفاق المسلمين، وهو كافر باطنًا وظاهرًا، عند سلف الأمة وأئمتها، وجماهير علمائها. . "(2).
ويقول في موضع آخر: "وقد اتفق المسلمون على أنه من لم يأت بالشهادتين فهو كافر. . "(3).
20 -
أن الشارع ينفي اسم الإيمان عن الشخص، لانتفاء كماله الواجب، وإن كان معه بعض أجزائه (4).
فالزاني مثلًا حين يزني يكاد يكون عمل قلبه مفقودًا، ولكن قول القلب وهو التصديق عنده موجود (5).
ويقول رحمه الله في موضع آخر: "كذلك الزاني والسارق والمنتهب، لم يعدم الإيمان الذي به يستحق أن لا يخلد في النار ، وبه ترجى له الشفاعة والمغفرة، وبه يستحق المناكحة والموارثة، لكن عُدم الإيمان الذي به يستحق النجاة من العذاب، ويستحق به تكفير السيئات، وقبول الطاعات، وكرامة الله ومثبوته، وبه يستحق أن يكون محمودًا مرضيًا"(6).
(1) المصدر نفسه (444).
(2)
المصدر نفسه (552).
(3)
الإيمان (237)، (174).
(4)
شرح حديث جبريل (406)، الإيمان (37، 38).
(5)
الإيمان (240).
(6)
مجموع الفتاوى (7/ 676).
تنبيه هام: يقول الحافظ ابن رجب رحمه الله في جامع العلوم والحكم (1/ 111): وأما اسم الإسلام فلا ينتفي بانتفاء بعض واجباته، أو انتهاك بعض محرماته، وإنما ينتفي بالإتيان بما ينافيه بالكلية، ولا يعرف في شيء من السنة الصحيحة نفي =
21 -
أن الرجل قد يكون مسلمًا لا مؤمنًا، ولا منافقًا مطلقًا، بل يكون معه أصل الإيمان دون حقيقته الواجبة (1).
كما قال تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14].
وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه (أو مسلم! ! )، حين قال سعد:"يا رسول الله أعطيت فلانًا، وتركت فلانًا، وهو مؤمن"(2).
22 -
لم يثبت المدح في الكتاب والسنة إلا على إيمان معه العمل، لا على إيمان خالٍ عن عمل (3).
23 -
أن اسم الإسلام يجري على المنافقين في الظاهر، لأنهم استسلموا ظاهرًا، بما أتوا به من الأعمال الظاهرة، وأما في الآخرة فهم في الدرك الأسفل من النار (4).
24 -
أن الكفر كفران: كفر ظاهر، وكفر باطن، أو كفر نفاق، من هنا فقد يحكم للشخص في الظاهر بالإسلام، وهو في الآخرة كافر من أهل النار، كالمنافقين (5).
25 -
أن الدين ثلاث مراتب: أعلاها الإحسان، وأوسطها الإيمان، وأدناها الإسلام، فمن حقَّق درجة الإحسان، فهو سابق بالخيرات بإذن ربه، ومن حقق الدرجة الثانية، وهي الإيمان، فهو مقتصد، ومن حقق الإسلام فهو ظالم لنفسه:"وهكذا من أتى بالإسلام الظاهر مع تصديق القلب، لكن لم يقم بما يجب عليه من الإيمان الباطن، فإنه معرض للوعيد. . "(6).
= الإسلام عمن ترك شيئًا من واجباته، كما ينفى الإيمان عمن ترك شيئًا من واجباته، وإن كان قد ورد إطلاق الكفر على فعل بعض المحرمات، وإطلاق النفاق أيضًا.
(1)
شرح حديث جبريل (406).
(2)
المصدر نفسه (306).
(3)
الإيمان (145).
(4)
شرح حديث جبريل (567 - 585) الإيمان (276).
(5)
شرح حديث جبريل (576).
(6)
شرح حديث جبريل (330 ، الإيمان (290).
كما قال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} [فاطر: 32].
26 -
أن الإيمان أفضل من الإسلام، وأن الإسلام يفترق عن الإيمان، فإذا اجتمعا افترقا، وكان الإسلام هو الأعمال الظاهرة، وكان الإيمان هو الأعمال الباطنة، وإذا افترقا اجتمعا، فإذا ذكر الإسلام دخل فيه الإيمان، وإذا ذكر الإيمان دخل فيه الإسلام (1).
27 -
أن عقوبة الذنوب تزول عن العبد في الآخرة بنحو عشرة أسباب:
الأول: التوبة.
الثاني: الاستغفار.
الثالث: الحسنات الماحية.
الرابع: دعاء المؤمنين للعبد، وصلاتهم على جنازته.
الخامس: ما يعمل للميت من أعمال البر، كالصدقة والحج ونحوهما.
السادس: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم.
السابع: المصائب التي يكفّر الله بها الخطايا.
الثامن: ما يقع في القبر من الفتنة والضغطة والروعة.
التاسع: أهوال يوم القيامة وكربها وشدائدها.
العاشر: رحمة الله وعفوه ومغفرته بلا سبب (2).
28 -
أن هنالك نزاعًا في تكفير تارك الأركان الأربعة (الصلاة والزكاة والصيام والحج) أو أحدها بين علماء السلف رضي الله عنه.
(1) شرح حديث جبريل (442، 446) ، الإيمان (204).
(2)
شرح حديث جبريل (336 - 359)، وانظر: موانع إنفاذ الوعيد، للدكتور عيسى بن عبد الله السعدي، رسالة ماجستير مقدمة إلى قسم العقيدة بجامعة أم القرى، عام 1411 هـ.
فبعضهم قال: إن الإنسان يكفر بترك واحد من الأربعة، حتى الحج إن عزم على تركه بالكية.
وبعضهم قال: إنه لا يكفر إلا بترك الصلاة، وهذا هو أشهر الأقوال.
وقال آخرون: إنه يكفر بترك الصلاة والزكاة.
وقال غيرهم: إنه يكفر بترك الصلاة والزكاة إذا قاتل الإمام عليها.
وقال كثير من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي: لا يكفر بترك شيء من ذلك ما دام مقرًا بوجوبها (1).
ونود أن نشير في هذا المقام إلى قضيتين هامتين:
الأولى: أن النزاع بين أهل السنّة في تكفير تارك المباني الأربعة، أو تارك بعضها، أمر مشهور وليس كما يعتقد كثير من الناس، من أنه لا نزاع في ذلك، أو يعتمدون أن النزاع محصور فقط بين جمهور الفقهاء والحنابلة في تارك الصلاة تكاسلًا، ويعدون القول بكفر تارك الصلاة قولًا لأحمد فقط، نعم إن أرادوا بذلك من أصحاب المذاهب الأربعة فنعم، وإن أرادوا غير ذلك فباطل قطعًا، لأن جمهور السلف رضوان الله عليهم متفقون مع أحمد رحمه الله في ذلك.
وإلى ذلك أشار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بقول: "وأما الأعمال الأربعة، فاختلفوا في تكفير تاركها، ونحن إذا قلنا: أهل السنة متفقون على أنه لا يكفر بالذنب، فإنما نريد به المعاصي، كالزنى والشرب، وأما هذه المباني ففي تكفير تاركها نزاع مشهور. . "(2)، وقد ذكر مثل ذلك الحافظ ابن رجب رحمه الله (3).
(1) شرح حديث جبريل (554 - 556)، مجموع الفتاوى (20/ 96).
(2)
الإيمان (237).
(3)
الفتح (1/ 23)، وقال المصنف في كتاب "السياسة الشرعية لإصلاح الراعي والرعية" (28/ 359): إن المنقول عن أكثر السلف أن حكم تارك الصلاة تكاسلًا وتهوانًا قتله كافرًا مرتدًا.
ويقول أيضًا: "أن مباني الإسلام الخمس المأمور بها، وإن كان ضرر تركها لا يتعدى صاحبها، فإنه يقتل بتركها في الجملة عند جماهير العلماء، ويكفر أيضًا عند كثير منهم، أو أكثر السلف. . "(1).
وروى الخلال أن سفيان بن عيينة سئل عن الإرجاء، فقال:"يقولون: الإيمان قول وعمل، والمرجئة أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله، مصرًا بقلبه على ترك الفرائض، وجعلوه ذنبًا بمنزلة ركوب المحارم، وليسا سواء، لأن ركوب المحارم عن غير استحلال معصية، وترك الفرائض متعمدًا من غير جهل ولا عذر كفر. . "(2).
الثانية: أن هذا دليل بقياس الأولى -على أن تارك جنس العمل ليس مؤمنًا، لا باطنًا، ولا ظاهرًا، كما سبق بيانه.
29 -
أن تارك الصلاة بالكلية عند جمهور السلف الصالح كافر كفرًا أكبر، يقول عبد الله بن شقيق:"كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئًا تركه كفر إلا الصلاة"(3).
وبذلك استفاضت كتب العقيدة السلفية، ككتاب الإيمان للحافظ ابن أبي شيبة (4)، والسنّة للإمام عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل (5)، وتعظيم قدر الصلاة للإمام محمد بن نصر المروزي (6)، والشريعة لأبي بكر الآجري (7)، والإبانة لأبي عبد الله بن بطة (8)، وغيرها.
(1) مجموع الفتاوى (20/ 95).
(2)
السنة للخلال (لوحة 109) نقلًا عن ظاهرة الإرجاء (2/ 704)، وذكره الحافظ ابن رجب في الفتح (1/ 23).
(3)
رواه الترمذي برقم (2622)، ورواه الحاكم في المستدرك (1/ 7) عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة رضي الله عنه، وسكت عنه، وقال الذهبي في التلخيص:"إسناده صالح"، وصححه الشيخ ناصر الألباني رحمه الله في سلسلته الصحيحة (1/ 130).
(4)
الإيمان (26، 27، 40، 46، 47، 49).
(5)
السنة (6/ 352 - 359).
(6)
تعظيم قدر الصلاة (873 - 936).
(7)
الشريعة (642 - 655).
(8)
الإبانة (2/ 669 - 684).
وقد صار الأمر في ذلك غريبًا، حين أخرجه كثير من العلماء -من كتب العقيدة إلى كتب الفقه، ولقد أثر ذلك في الحكم على تارك الصلاة، حتى صار القول بتكفيره قولًا مخالفًا لمذهب جمهور الفقهاء، بل عدَّه بعضهم غلوًا في الحكم، وإنا لنلمس أثر الإرجاء في هذه القضية، كما قال المصنف حين تحدث عن حكم تارك الصلاة فقال:"فهذا الموضع ينبغي تدبره، فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن، زالت عنه الشبهة في هذا الباب، وعلم أن من قال من الفقهاء: إنه إذا أقر بالوجوب وامتنع عن الفعل لا يقتل، أو يقتل مع إسلامه، فإنه دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية"(1).
30 -
أن أهل السنَّة لا يكفرون أحدًا من الناس، إلا بعد قام الحجة عليه، وذلك بتحقق الشروط، وانتفاء الموانع، وهم يفرقون بين التكفير المطلق، وبين تكفير المعين.
يقول رحمه الله: "والتحقيق في هذا: أن القول قد يكون كفرًا، كمقالات الجهمية الذين قالوا: إن الله لا يتكلم، ولا يرى في الآخرة، ولكن قد يخفى على بعض الناس أنه كفر، فيطلق القول بتكفير القائل، كما قال السلف: من قال: إن القرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر، ولا يكفر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة. . "(2).
31 -
أن أهل السنة والجماعة يجيزون الاستثناء في ادعاء الإيمان، ويجيزون تركه، خلافًا لمن يحرمه، وخلافًا لمن يوجبه، فيمنعونه لمن أراد الشك، ويجيزونه لعدم تزكية أنفسهم، والحكم بأنهم قد حققوا الإيمان الكامل (3).
(1) شرح حديث جبريل (566).
(2)
المصدر نفسه (572).
(3)
الإيمان (341).