الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الأولى مناقشات المصنف لبعض أقوال الفلاسفة وغلاة المتصوفة:
والداعي إلى هذه المناقشات عند المصنف، ليس الاستطراد الذي ينطلق بلا غاية أو هدف، ولكنه كما قال رحمه الله:"التنبيه على تشابه رؤوس الضلال، حتى إذا فهم المؤمن قول أحدهم، أعانه على فهم قول الآخر، واحترز منهم، وبين ضلالهم، لكثرة ما أوقعوا في الوجود من الضلالات. . "(1).
ولا بد أن نشير إلى أن هذه المناقشات جاءت سريعة موجزة في الغالب، لأنها جاءت من باب الاستطراد.
والذي حدا به إلى ذكر قول الفلاسفة في سبب تحقيق السعادة -على سبيل المثال- هو تشبيه لقول الجهمية ومن اتبعهم في الإيمان -حين قالوا: إن مجرد المعرفة والتصديق هي الإيمان- بقول الفلاسفة في السعادة إنها في المعرفة فقط.
أولًا: مناقشة الفلاسفة:
من أهم القضايا التي ناقش المصنف فيها الفلاسفة قولهم: "إن سعادة الإنسان أن بعلم الوجود على ما هو عليه"(2)، "حتى يصير الإنسان عالمًا مطابقًا للعالم الموجود"(3) فالعلم هو الذي تتحقق به السعادة عند الفلاسفة، وليس هو العلم الشرعي المأثور عن الأنبياء والمرسلين، ولكنها الفلسفات العقيمة التي تورث الحيرة والشك.
وبين رحمه الله أن العلم وحده لا يكفي أبدًا في تحقيق السعادة، دون أن يقود صاحبه إلى محبة الله عز وجل، والعمل بمرضاته.
وفي هذا يقول رحمه الله: "وليس صلاح الإنسان ونفسه في مجرد أن يعلم الحق دون أن لا يحبه ويريده ويتبعه.
(1) شرح حديث جبريل (514).
(2)
المصدر نفسه (496).
(3)
المصدر نفسه (498).
كما أنه ليست سعادته في أن يكون عالمًا بالله مقرًا بما يستحقه، دون أن يكون محبًا لله عابدًا لله مطيعًا لله، بل أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه، فإذا علم الإنسان الحق وأبغضه وعاداه كان مستحقًا من غضب الله وعقابه ما لا يستحقه من ليس كذلك، كما أن من كان قاصدًا للحق طالبًا له -وهو جاهل بالمطلوب وطريقه- كان فيه من الضلال، وكان مستحقًا من اللعنة -التي هي البعد عن رحمة الله- ما لا يستحقه من ليس مثله.
ولهذا أمرنا الله تعالى أن نقول: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} [الفاتحة: 6 - 7]، والمغضوب عليهم علموا الحق فلم يحبوه ولم يتبعوه، والضالون قصدوا الحق لكن بجهل وضلال به وبطريقه، فهذا بمنزلة العالم الفاجر، وهذا بمنزلة العابد الجاهل، وهذا حال اليهود فإنهم مغضوب عليهم، وهذا حال النصارى فإنهم ضالون. . " (1).
بل إن المصنف -كعادته دائمًا- حين يقارن بين المذاهب والنحل والأديان والفرق، ويذكر أيها أقرب إلى الحق، ينتقد الفلاسفة انتقادًا عنيفًا، ويقول عنهم: إنهم أسوأ حالًا من اليهود والنصارى، لأنهم جمعوا بين جهل النصارى وضلالهم، وبين فجور اليهود وظلمهم.
ثم يُذكِّر أن هؤلاء الفلاسفة بمعزل عن العلم الإلهي الذي تنال به السعادة، الذي جاء به الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وأن جهلهم أكبر من علمهم، وضلالهم أكبر من هداهم (2).
ومن المسائل الهامة التي عرض لها المصنف خلال مناقشته، مسألة وجود الله، التي يسميها الفلاسفة واجب الوجود، ولم يفته -وهو العالم المنصف- أن يذكر أن كلامهم في هذا المقام لم يخل من بعض الحق رغم قلته، ولكن الباطل فيه أكثر، والفساد عليه مهيمن.
(1) المصدر السابق (498).
(2)
المصدر السابق (498).
ولقد أماط المصنف اللثام عن حقيقة كلام الفلاسفة في كثير من القضايا التي تكلموا فيها، وبين أن كلامهم لا حقيقة له في الواقع البتة، وإنما هو أفكار وأوهام تدور في العقول، ويظن أصحابها خطأً أنها واقعة في الوجود.
وذكر أن كلامهم: "يعود عند التحقيق إلى أمور مقدرة في الأذهان، لا حقيقة لها في الأعيان"(1).
كما نبَّه المصنّف على أن كلام الفلاسفة -في العقول والنفوس (2) - فيه من الشرك واتخاذ الأنداد، ما هو أقبح من كلام النصارى في التثليث بكثير (3).
أما النبوات، فيذكر المصنف أن المتقدمين منهم ليس لهم كلام فيها، وأما المتأخرون منهم فحائرون فيها، فبعضهم يكذب بها، وبعضهم يصدق بها، ومن هؤلاء مقدمهم ابن سينا، ولكنهم يجعلون النبي بمنزلة ملك عادل، ويجعلون الوحي الذي تكون به النبوة من جنس ما يقع لبعض الصالحين من الكف والتأثير والتخيل (4).
وعند كثير من الفلاسفة يكون الفيلسوف أفضل من النبي كما قال الفارابي، وقد يقول بعض هؤلاء: إن النبوة قد تكون أفضل بالنسبة للجمهور والعامة، لا عند الخاصة (5).
وعند هؤلاء أن الرسل عليهم السلام: "خاطبوا الناس بإظهار أمور من الوعد والوعيد لا حقيقة لها في الباطن، وإنما هي أمثال مضروبة لتفهيم حال النفس بحد المفارقة، وما أظهروه لهم من الوعد والوعيد، وإن كان لا حقيقة له، فإنما تعلق لمصلحتهم في الدنيا، إذ كان لا يمكن تقويمهم إلا بهذه الطريق. . "(6).
(1) المصدر السابق (499).
(2)
سيأتي الكلام عنها عند تحقيق متن الكتاب إن شاء الله.
(3)
المصدر السابق (499).
(4)
المصدر السابق (500).
(5)
المصدر السابق (508).
(6)
المصدر السابق (362).