الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دون الصيام، وإن كان الصوم واجبًا، كما في آيتي براءة (1)، فإن براءة نزلت بعد فرض الصيام باتفاق الناس.
[الكلام على حديث معاذ]
وكذلك لما بعث معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن قال له: "إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوك بذلك (2)، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك (3) فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" أخرجاه في الصحيحين (4).
ومعاذ أرسله إلى اليمن في آخر الأمر بعد فرض الصيام، بل بعد فتح مكة، بل بعد تبوك، وبعد فرض الحج والجزية، فإن النبي صلى الله عليه وسلم مات ومعاذ باليمن، وإنما قدم المدينة بعد موته (5)، ولم يذكر في هذا الحديث الصيام
(1) المقصود بآيتي براءة هي قوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)} [التوبة: 5]، وقوله تعالى:{فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11)} [التوبة: 11].
(2)
في (م) و (ط): "لذلك"، وقد جاءت الروايات بالأمرين.
(3)
في (ط): "أطاعوك لذلك"، وقد جاءت الروايات بالأمرين أيضًا.
(4)
رواه البخاري برقم (1395) كتاب الزكاة باب وجوب الزكاة، ومسلم برقم (19) 1/ 50، كتاب الإيمان باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، والترمذي برقم (625) كتاب الزكاة، والنسائى برقم (2435) كتاب الزكاة، وأبو داود برقم (1584) كتاب الزكاة، وابن ماجه برقم (1783) كتاب الزكاة، والدارمي برقم (1614) كتاب الزكاة، وأحمد برقم (2072).
(5)
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح (3/ 358): "وكان بعث معاذ إلى اليمن سنة عشر قبل حج النبي صلى الله عليه وسلم -كما ذكره المصنف في أواخر المغازي، وقيل: كان ذلك في أواخر سنة تسع عند منصرفه صلى الله عليه وسلم من تبوك. . وقيل عام الفتح سنة ثمان، واتفقوا على أنه لم يزل على اليمن إلى أن قدم في عهد أبي بكر، ثم توجه إلى الشام فمات بها". =
لأنه تبع، وهو باطن، ولا ذكر الحج، لأن وجوبه خاص، وليس بعام، وهو لا يجب في العمر إلا مرة (1).
= وقصد الحافظ أن البخاري رحمه الله بوب بابًا قال فيه: "باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع" صحيح البخاري (3/ 160).
(1)
قال الحافظ رحمه الله في الفتح (3/ 360) عن حديث معاذ ما نصه: "لم يقع في هذا الحديث ذكر الصوم والحج، ومع أن بعث معاذ كما تقدم وإن في آخر الأمر، وأجاب ابن الصلاح بأن ذلك تقصير من بعض الرواة، وتعقب بأنه يفضي إلى ارتفاع الوثوق بكثير من الأحاديث النبوية، لاحتمال الزيادة والنقصان، وأجاب الكرماني بأن اهتمام الشارع بالصلاة والزكاة أكثر، ولهذا كررا فى القرآن، فمن ثم لم يذكر الصوم والحج في هذا الحديث مع أنهما من أركان الإسلام، والسر في ذلك أن الصلاة والزكاة إذا وجبا على المكلف لا يسقطان عنه أصلاً، بخلاف الصوم فإنه قد يسقط بالفدية، والحج فإن الغير يقوم مقامه فيه كما في المعضوب، ويحتمل أنه حينئذ لم يكن شرع، انتهى. وقال شيخنا شيخ الإسلام: إذا كان الكلام في بيان الأركان لم يخل الشارع بشيء كحديث ابن عمر: "بني الإسلام على خمىس"، فإذا كان في الدعاء إلى الإسلام اكتفى بالأركان الثلاثة الشهادة والصلاة والزكاة، ولو كان بعد وجود فرض الصوم والحج كقوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ} في موضعين من براءة، مع أن نزولها بعد فرض الصوم والحج قطعًا، وحديث ابن عمر أيضًا: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة"، وغير ذلك من الأحاديث، قال: والحكمة في ذلك: أن الأركان الخمسة، اعتقادي وهو الشهادة، وبدني وهو الصلاة، ومالي وهو الزكاة، اقتصر في الدعاء إلى الإسلام عليها لتفرع الركنين الأخيرين عليها، فإن الصوم بدني محض، والحج بدني مالي، وأيضًا فكلمة الإسلام هي الأصل، وهي شاقة على الكفار، والصلوات شاقة لتكررها، والزكاة شاقة لما في جبلة الإنسان من حب المال، فإذا أذعن المرء لهذه الثلاثة كان ما سواها أسهل عليه بالنسبة إليها، والله أعلم".
وقد يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك في مقام الدعوة إلى الله، ولم يقله في بأن أركان الإسلام، وألفاظ الحديث تدل على ذلك، كقوله عليه الصلاة والسلام:"إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب"، وقوله:"فليكن أول ما ندعوهم إليها شهادة أن لا إله إلا الله. . . فإن هم أجابوك فأعلمهم"، ثم حذره صلى الله عليه وسلم من الظلم، فالحديث يعرض لكيفية الدعوة، ومنهج التعليم، لا لتعليم أركان الإسلام، وعلى ذلك فلم يستكمل ذكر أركان الإسلام، لأن ذكرها ليس هو المقصود، فلا إشكال إذن في الحديث، والله أعلم، وهذا القول قريب من القول الذي قبله.
قلت: وهذا القول، وهو أن حديث معاذ كان في مقام الدعوة والتعليم، وليس في =