الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عن النبي صلى الله عليه وسلم: في الرجلين اللذين أوتي أحدهما علمًا ومالًا، فهو ينفقه في طاعة الله، ورجل أوتي علمًا ولم يؤت مالًا، فقال: لو أن لي مثل مال فلان، لعملت فيه مثل ما يعمل فلان، قال: فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالًا، ولم يؤته علمًا، فهو ينفقه في معصية الله، ورجل لم يؤته الله علمًا ولا مالًا، فقال: لو أن لي مثل ما لفلان لعملت مثلما يعمل فلان، فهما في الوزر سواء" (1).
[الفرق بين الهم والإرادة]
والفصل في ذلك أن يقال: فرق بين الهم والإرادة، فالهم قد لا يقترن به شيء من الأعمال الظاهرة، فهذا لا عقوبة فيه بحال، بل إن تركه لله كما ترك يوسف همه، أثيب على ذلك، كما أثيب يوسف صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال أحمد:(الهم همان: همّ خطرات، وهمّ إصرار).
ولهذا كان الَّذي دل عليه القرآن، أن يوسف لم يكن له في هذه القصة (2) ذنب أصلًا، بل صرف الله عنه السوء والفحشاء، إنه من عباده المخلصين، مع ما حصل من المراودة، والكذب، والاستعانة عليه بالنسوة، وحبسه، وغير ذلك من الأسباب التي لا يكاد بشر يصبر معها عن الفاحشة، ولكن يوسف اتقى الله وصبر، فأصابه (3) الله برحمته في الدنيا، {وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (57)} [يوسف: 57]
[حقيقة الإرادة الجازمة]
وأما الإرادة الجازمة، فلا بد أن يقترن بها مع القدرة فعل المقدور، ولو بنظرة، أو حركة رأس، أو لفظة، أو خطرة، أو تحريك بدن، وبهذا يظهر معنى قوله صلى الله عليه وسلم:"إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار"(4)، فإن المقتول أراد قتل صاحبه، فعمل ما يقدر عليه من القتال، وعجز عن حصول المراد، وكذلك الَّذي قال: لو أن لي مثلما لفلان، لعملت فيه مثل
(1) رواه الترمذي برقم (2325) كتاب الزهد، وقال عنه:"حديث حسن صحيح"، وابن ماجة برقم (4228)، وأحمد برقم (17470) وقال عنه الشيخ الألباني:"صحيح" في صحيح ابن ماجة (2/ 413).
(2)
في (م) و (ط): "القضية".
(3)
في (طا): "فأثابه".
(4)
سبق تخريج هذا الحديث قريبًا.
ما يعمل فلان، فإنه أراد [فعمل](1) ما يقدر عليه، وهو الكلام، ولم يقدر علي غير (2) ذلك (3).
ولهذا كان من دعا إلى ضلالة، كان عليه مثل أوزار من اتبعه، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا (4)، لأنه أراد ضلالهم [ففعل](5) ما يقدر عليه من دعائهم، إذ لا يقدر إلَّا على ذلك (6).
وإذا تبين هذا في الإرادة والعمل، فالتصديق الَّذي في القلب وعلمه يقتضي عمل القلب، كما يقتضي الحس الحركة الإرادية، لأن النفس فيها قوتان: قوة [الشعور بالملائم](7) والمنافي، والإحساس بذلك، والعمل.
(1) في نسخة الأصل: يعمل، وفي (ط):"فعل"، وأثبتنا ما في (م) لأنه أقرب إلى المعنى.
(2)
كلمة "غير" ليست في (ط).
(3)
انظر: مجموع الفتاوي (14/ 122 - 128).
(4)
هذا جزء من حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولفظه عند مسلم: من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا" ورواه برقم (2674) 4/ 2060 كتاب العلم باب من سن حسنة أو سيئة، ومن دعا إلى هدى أو ضلالة، والترمذي برقم 2674) كتاب العلم، وأبو داود برقم (4609) كتاب السنة، وابن ماجة برقم (206) في المقدمة، وأحمد برقم (8915)، والدارمي برقم (513) في المقدمة).
(5)
في نسخة الأصل: (فعل)، وأثبتنا ما في (م) و (ط) لأنه الصواب.
(6)
مسألة المؤاخذة بالهم والإرادة مسألة جليلة القدر، وقد بحثها الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بحثًا واسعًا في الفتح عند شرح كتاب الرقاق، وأورد كلام العلماء، وخلافهم في تلك المسألة التي بحثها المؤلف، وأضاف عليها مسائل أخرى كقول من يقول بالمؤاخذة بالهم الجازم أن عقاب صاحبه يكون في الدنيا بالغم والهم ونحوهما، أو يكون في الآخرة بالعتاب لا العذاب، ومسألة استثناء الحرم عند من قال: إنه لا يؤاخذ بالهم، وغيرها من المسائل المفيدة، الفتح. (11/ 323 - 329)، ويبني كلام المؤلف رحمه الله تعالى فيصلًا في هذه القضية الشائكة، وتفصيله هو الَّذي يزيح الإشكال فيها، وأن هناك إرادة جازمة، وأخرى غير جازمة، وأن الجازمة. لا بد أن يصحبها شيء مما ذكره من الأعمال الظاهرة من نظرة أو التفاتة أو حركة، وهذه الإرادة هي التي يؤاخذ عليها.
(7)
في نسخة الأصل: قوة الشعوب فالملائم. وأثبتنا ما في (م) و (ط) لأنه الصواب.