الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وذلك حين قال: أخلصه وأصوبه.
فقيل له: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل لا يكون مقبولًا حتى يكون خالصًا صوابًا، فالخالص ما كان لله، والصواب ما كان على سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تعريف الإخلاص:
ذكر المصنف تعريفين للإخلاص، أحدهما لأبي القاسم القشيري وهو قوله: الإخلاص إفراد الحق بالطاعة في القصد (1).
وعقب المصنف على هذا بقوله: ويصح أن يقال: الإخلاص هو تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين (2).
ويقدم المصنف بين يدي هذا الباب نبذة عن فضل الإحسان وأهميته، وأن استصحابه مطلوب في جميع الأعمال القلبية والبدنية والمالية (3)، مستشهدًا بالحديث الصحيح الذي جاء فيه:"إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته".
كما يذكر رحمه الله أن من عمل من الأعمال الصالحة التي يبتغى بها وجه الله، وأراد بذلك عرضًا من عرض الدنيا، لا يعد محسنًا، بل يكون متعرضًا لسخط الله.
إذ الإحسان -كما سبق- هو إخلاص العمل لله مقرونًا بالإتيان بالفعل على الوجه الحسن، أو اتباع النبي صلى الله عليه وسلم.
الإحسان في العلم:
ويبدأ المصنف بالإحسان في العلم، ويعرف المصنف العلم بأنه كل ما قام عليه الدليل، وأن النافع منه ما كان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يذكر أن من الأمور التي يتحقق بها الإحسان في العلم ما يلي:
(1) المصدر السابق (582).
(2)
المصدر السابق (583).
(3)
المصدر السابق (583).
أولًا: ابتغاء وجه الله عز وجل بهذا العلم، والإخلاص فيه، وطلب مرضاته به، فإن أول من تسعر به النار يوم القيامة رجل تعلم حتى يقال عنه: عالم، وقد قيل، كما جاء في الحديث الصحيح، أو الحديث الذي في السنن وفيه:"من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله، ولم يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من عرض الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة"(1).
ثانيًا: أن يستعمل العدل في علمه الذي هو ميزان الأعمال، وفي ذلك يقول المصنف:"فينبغي لمن علم علمًا أن يستعمل في علمه العدل الذي هو ميزان الأعمال، ولا ينسى حظه من الإحسان الذي به يستحق القرب والرضوان"(2).
واستعمال العدل في العلم -كما أشار المصنف- من أعلى درجات الإحسان فيه، ويمكننا أن نستخرج منه بعض الفوائد، منها على سبيل المثال: ما ينبغي على طالب العلم أن يكون عادلًا مع الله قبل أي شيء آخر، فلا يطلب بعلمه أحدًا غيره، ومن ذلك أن يبلغ ما تعلمه إلى الناس، ولا يخشى أحدًا إلا الله.
ومها: أن يكون طالب العلم عادلًا مع نفسه، وذلك بأن يختار من الشيوخ والعلوم ما يكون به صلاح أمره في دينه ودنياه، وأن يكون منصفًا لشيوخه.
ومنها: أن يعمل بما تعلم، وهذا الأمر -وهو العمل بالعلم- من أهم جوانب استعمال العدل في العلم.
ومها: أن يكون عادلًا مع إخوانه الآخرين من طلبة العلم، فلا يحسدهم ولا يزدريهم.
ومنها: أن يكون عادلًا مع الناس، فيعلمهم ويدعوهم بكل رفق ولين، ولا يتعالى عليهم، ويحتمل خطاهم، وغير ذلك من الفوائد.
ثالثاً: أن يحسن الطالب ظنه بمن يتعلم منه العلم، وفي ذلك يقول
(1) المصدر السابق (584).
(2)
المصدر السابق (583).
المصنف: "فمن الإحسان: أن يحسن الطالب ظنه بمن يتعلم منه العلم، أو يسمع عليه الحديث، لينال بذلك بركة العلم، فقد كان بعض المتقدمين إذا خرج إلى شيخه تصدق في طريقه بشيء من المال، وقال: اللهم استر عيب معلمي عني، ولا تذهب بركة علمه مني"(1).
إن إحسان الظن بالمعلم أو الشيخ لمن الإحسان في العلم، وكيف يرجو طالب النفع والبركة في العلم، وهو سيئ الظن بشيخه، رديء الاعتقاد فيه، وليس معنى هذا أن يهرع الطالب إلى كل من قيل عنه: شيخ، ويتعامى عن بدعه ومخالفاته، بحجة حسن الظن بالشيخ، وحسن الظن في هذا المقام ليس هو ما يعنيه المتصوفة حين يقول بعضهم: كن بين يدي الشيخ كالميت بين يدي المغسل (2)، ولكنه اختيار المعلم الصالح، واصطفاء الشيخ العالم العامل، عند ذلك يأتي حسن الظن مع حسن الاختيار.
وفي إشارة المصنف رحمه الله إلى البركة في العلم تنبيه لطيف، يغفل عنه كثير من الشيوخ والطلبة، فإن البركة تزيد في العلم وتنميه، وترسخه وتقويه، فلا ينساه صاحبه، ويعمل بما فيه، ويعلمه الله سواه.
لأن كثيرًا منهم يعتمد على قدرته وحوله وحفظه ونشاطه ومذاكرته، ويغفل عن الله عز وجل إن لم يهبه البركة في علمه وتعليمه، فكل ذلك إلى ضياع.
وإن الناظر إلى حال الناس اليوم ليرى أن البركة قد انتزعت من الحلم -إلا من رحم الله وقليل ما هم- كما نزعت في الأرزاق والأقوات والأولاد والأموال والثروات والأوقات.
وإنه يخشى والله أن تكون شهادات زماننا هذا هي الآفة الكبرى لذهاب البركات من العلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
(1) المصدر السابق (587).
(2)
دراسات في الفرق: الصوفية (78) محمد العبدة وغيره.
وبعد أن ذكر المصنف أن من الإحسان في العلم أن يحسن الطالب ظنه بمن يتعلم منه العلم، ذكر ببعض الآداب والتوجيهات والوصايا التي ينبغي لطالب العلم أن يتخلق بها مع شيخه، والتي تعد من حقوق العالم على المتعلم، ومنها:
1 -
التسليم على الشيخ خاصة.
2 -
الجلوس أمامه.
3 -
عدم الإشارة باليد عنده.
4 -
عدم الغمز بالعين في حضرته.
5 -
عدم الغيبة في مجلسه.
6 -
عدم المساررة في مجلسه.
7 -
عدم الإلحاح عليه إذا تعب.
8 -
عدم الملل من طول صحبته.
9 -
رد الغيبة عنه مع القدرة على ذلك (1).
ولو تأملنا هذه الآداب جميعًا لوجدنا جلها آدابًا عامة، ينبغي على المسلم أن يتأدب بها مع إخوانه المسلمين، ولكنها مع أهل العلم والعلماء أحرى بأن يعمل بها، وأولى من أن تنسى.
رابعًا: أن يقف عندما يسمع ويكتب، وفي ذلك يقول رحمه الله:"ومن حق العلم لمن استعمل الإحسان فيه أن يقف عندما يسمع ويكتب، فإذا بلغ فضيلة أخذ بحظه منها، فإن كانت نافلة عمل بها ولو مرة في عمره. . وإن كان أدبًا من آداب السنّة أخذ نفسه بذلك، فقد قال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 282] "(2).
ووقوف المتعلم عند ما يسمعه أو يكتبه والعمل بذلك، ثمرة العلم والتعليم، وما فائدة علم لا يعمل به؟ وكم من الطلبة الذين يعلمون كثيرًا
(1) شرح حديث جبريل (587).
(2)
المصدر السابق (587).