الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأصل نزاع هذه الفرق في الإيمان، من الخوارج، والمرجئة، والمعتزلة، والجهمية، وغيرهم، أنهم جعلوا الإيمان شيئاً واحداً، إذا زال بعضه زال جميعه، وإذا ثبت بعضه ثبت جميعاً (1)، فلم يقولوا بذهاب بعضه، وبقاء بعضه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان (2) "(3).
[احتجاج الخوارج والمعتزلة والمرجئة والجهمية بهذا الأصل الفاسد]
ثم قال الخوارج والمعتزلة: الطاعات كلها من الإيمان، فإذا ذهب بعضها، ذهب بعض الإيمان، فذهب سائره، فحكموا بأن صاحب الكبيرة، ليس معه شيء من الإيمان.
وقالت المرجئة والجهمية: ليس الإيمان إلا شيئاً واحداً لا يتبعض، إما مجرد تصديق القلب، كقول الجهمية، أو تصديق القلب واللسان كقول المرجئة.
قالوا: لأنا إذا أدخلنا فيه الأعمال صارت جزءاً منه، فإذا ذهبت
= الإيمان: "وليس بما يقاتلون إلى أن يشهدوا باللسان دليل على أن ذلك هو الإيمان أو لا إيمان القلوب، بل ذلك منهم دليل الإيمان وعبارة عنه، فيقبل قولهم في الأحكام الظاهرة بحق العبارة بما لا سبيل لنا إلى حقيقة العلم به. . . ثم يقال لهم في الخبر: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. . . " وقيل: يشهدوا، فيكون الشهادتان سبب منع القتل لا حقيقة الإيمان" ص (276).
(1)
هذا هو الأصل الأول الذي بنى عليه المبتدعة على اختلاف طوائفهم بدعهم في الإيمان، وهو اعتقادهم الخاطئ كما بين المؤلف أن الإيمان حقيقة لا تقبل التركيب والتجزيء، إما أن توجد كلها، أو تذهب كلها، وتفرع من هذا الأصل المذموم سائر البدع في باب الإيمان، مخالفين بذلك صحيح المنقول وصريح المعقول.
(2)
فى (ط): "من الإيمان".
(3)
يشير إلى الحديث الذي رواه البخاري في كتاب الإيمان رقم (21) بلفظ: (أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان)، وروى الترمذي برقم (1921) كتاب البر والصلة، وأحمد برقم (3600) حديثاً بلفظ:(لا يدخل النار من كان فى قلبه مثقال حبة من إيمان)، وروى نحوه مسلم برقم (132) كتاب الإيمان، لكن جاء فيه:(مثقال حبة من خردل من إيمان).
ذهب بعضه فيلزم إخراج [ذي](1) الكبيرة من الإيمان، وهو قول المعتزلة والخوارج، لكن قد يكون له لوازم ودلائل، فيستدل بعدمه على عدمه.
وصار (2) كل من الطائفتين بعد السلف والجماعة وأهل الحديث متناقضين، حيث قالوا: الإيمان قول وعمل، وقالوا: مع ذلك لا يزول بزوال بعض الأعمال، حتى أن ابن الخطيب (3) وأمثاله، جعلوا الشافعي متناقضاً في ذلك، فإن الشافعي كان من أئمة السنة، وله في الرد على المرجئة كلام مشهور، وقد ذكر في كتاب الطهارة من الأم إجماع الصحابة والتابعين وتابعيهم على قول أهل السنة (4) فلما (5) صنف ابن الخطيب تصنيفاً فيه (6)، وهو يقول في الإيمان بقول جهم والصالحي واستشكل قول
(1) ما بين المعكوفتين ليس في نسخة الأصل، وأضفناه من (م) و (ط).
(2)
في (ط): "وكان".
(3)
ابن الخطيب هو فخر الدين الرازي المتكلم المشهور محمد بن عمر بن الحسين القرشي البكري الطبرستاني، وصفه الذهبي بالعلامة الكبير الأصولي المفسر كبير الأذكياء والحكماء والمصنفين، وكان والده ضياء الدين خطيب الري، فلذا أطلق عليه ابن الخطيب، صنف مصنفات كثيرة، وانتشرت تواليفه في البلاد شرقاً وغرباً، يقول عنه الذهبي:"وقد بدت منه في تواليفه بلايا وعظائم وسحر وانحرافات عن السنة، والله يعفو عنه، فإنه توفي على طريقة حميدة، والله يتولى السرائر" من مؤلفاته: "مفاتيح الغيب" و"محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين" و"أساس التقديس" و"المحصول في علم الأصول" و"تهذيب الدلائل" و"النفس" و"النبوات" و"لباب الإشارات" و"مناقب الإمام الشافعى" و"شرح أسماء الله الحسنى" ومصنفات شتى، توفى بهراة سنة 606 هـ.
الكامل في التاريخ (12/ 120)، وفيات الأعيان (4/ 248)، سير أعلام النبلاء (21/ 500)، طبقات الشافعية للسبكي (5/ 33)، البداية والنهاية (13/ 60)، لسان الميزان (4/ 426)، النجوم الزاهرة (6/ 197).
(4)
الأم (1/ 99)، وما قاله الشافعي ليس في كتاب الطهارة، وإنما هو في كتاب النية في الصلاة، وقد صحح ذلك المصنف في "الإيمان الكبير"(166).
(5)
في نسخة الأصل و (م): فقال فلما صنف، وهي ليست في (ط)، وهذه اللفظة توحي بأن هناك نقصاً في الكلام، ورأينا حذفها لأنه يمكن الاستغناء عنها، ولا معنى لورودها في هذا المقام.
(6)
هو "مناقب الشافعي"، ويقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى عن هذا الكتاب =