الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وحقيقة الأمر أن اسم الإيمان يستعمل تارة هكذا وتارة هكذا كما قد تقدم، فإذا قرن اسم الإيمان بالإسلام أو العمل كان دالًا على الباطن فقط، وإن أفرد اسم الإيمان فقد يتناول الباطن والظاهر، وبهذا تأتلف النصوص.
[يختلف لفظ الإيمان بحسب وروده مفردًا أو مقترنًا]
فقوله صلى الله عليه وسلم: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان"(1) أفرد لفظ الإيمان فدخل فيه الباطن والظاهر.
وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل عليه السلام: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وفي ورسله واليوم الآخر" ذكره مع قوله صلى الله عليه وسلم: "أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت"(2).
فلما قرنه باسم الإسلام ذكر ما يخصه، فالاسم في ذلك الحديث مجرد عن الاقتران (3)، وفي هذا الحديث مقرون باسم الإسلام.
وكذلك اسم الإسلام إذا جرد كما في قوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19](4).
وقوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85] دخل فيه الباطن، فلو أتى بالعمل الظاهر دون الباطن لم يكن ممن أتى بالدين الذي هو عند الله الإسلام.
وأما إذا قرن الإسلام بالإيمان كما في قوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14].
(1) تقدم تخريج هذا الحديث وهو في الصحيحين.
(2)
هذا حديث جبريل المشهور، وقد تقدم تخريجه، وفي نسخة الأصل و (م). جاءت الرواية بلفظ: وإيقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت، وقد أثبتنا ما في (ط) لأن أول الحديث في النسخ الثلاث هو قوله: أن تشهد، والروايتان كلتاهما في الصحيح.
(3)
في (ط): قوله: فلما أفرده عن اسم الإيمان ذكر ما يخصه الاسم في ذاك الحديث مجردًا عن الاقتران، وهو عكس ما ذكره المؤلف وأراد تأصيله وهو أن الإسلام والإيمان كالفقير والمسكين وغيرهما من تلك المصطلحات المتقاربة إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا.
(4)
في (ط): سقط قوله: وكذلك الإسلام. . . إلى نهاية الآية.
وقوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36)} [الذاريات: 35، 36].
وقوله تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [الأحزاب: 35] فقد يراد بالإسلام الأعمال الظاهرة كما في حديث أنس الذي في المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الإسلام علانية والإيمان في القلب"(1).
ومن علم أن دلالة اللفظ تختلف بالإفراد والاقتران، كما في اسم الفقير والمسكين، والمعروف والمنكر والبغي، وغير ذلك من الأسماء، كما في لغات سائر الأمم عربها وعجمها زاحت عنه الشبهة في هذا الباب والله أعلم بالصواب (2).
فإن قال قائل: اسم الإيمان إنما يتناول الأعمال مجازًا قيل له (3): أولًا ليس هذا بأولى ممن قال: إنما تخرج عنه الأعمال مجازًا، بل هذا أقوى لأن خروج العمل عنه إنما هو إذا كان مقرونًا باسم الإسلام والعمل، وأما دخول العمل فيه فإذا أفرد كما في قوله صلى الله عليه وسلم:"الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان"(4).
ومعلوم (5) إنما (6) يدل مع الاقتران أولى باسم المجاز مما يدل عند التجريد والإطلاق (7).
(1) تقدم تخريج هذا الحديث، ص 444 من هذا الكتاب.
(2)
كلمة (الصواب) ليست في (م) و (ط).
(3)
كلمة "له" ليست في (ط).
(4)
تقدم تخريجه، وهو في الصحيحين مع اختلاف في اللفظ.
(5)
كلمة "ومعلوم" ليست في (ط).
(6)
في (ط): "فإنما".
(7)
لا يفهم من هذا النص أن شيخ الإسلام رحمه الله يقول بالمجاز كما فهم ذلك بعض من نصروا المجاز ونافحوا عه، وذكروا أنه رفض المجاز في مواضع من كتبه، وقال بالمجاز في مواضع أخرى، وعدوا ذلك تناقضًا، وفهموا هذا الفهم الخاطئ من مثل هذا النص، والحقيقة التي لا ريب فيها أنه لا يقول بالمجاز، وأنه لم يتناقض أيضًا، وإنما كما هو المعروف عن شيخ الإسلام أنه يرد على المخالفين بنفس مصطلحاتهم، وهذا ما أراده رحمه الله في هذا المقام، وإنكار المؤلف للمجاز ونقضه له من وجوه كثيرة أمر مشهور، والمؤلف لرحمه الله أطال في رد المجاز بعامة وفي قضية الإيمان خاصة في كتابه "الإيمان الكبير"(7/ 87 - 119).