الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس" (1).
[الكلام على حديث وفد عبد القيس]
وحديث وفد عبد القيس من أشهر الأحاديث وأصحها، وفي بعض طرق البخاري لم يذكر الصيام لكن هو مذكور في كثير من طرقه، وفي مسلم، وهو أيضًا مذكور في حديث أبي سعيد الذي ذكر فيه قصة وفد عبد القيس، رواه مسلم في صحيحه عنه، واتفقا على حديث ابن عباس (2)، وفيه: أنه أمرهم بإيتاء الخمس من المغنم، والخمس إنما فرض في غزوة بدر (3)، وشهر
= كونه لم يذكر الحج في الحديث لأنه لم يكن فرض هو المعتمد" الفتح (1/ 134). وقد أورد الحافظ أقوالًا أخرى في عدم ذكر الحج في هذا الحديث وضعفها، كقول من قال: إنه ترك ذكره لكونه على التراخي، والقول إنما ترك ذكره لشهرته عندهم، أو لأنه لم يكن لهم إليه سبيل من أجل كفار مضر، الفتح (1/ 134)، وذكر رحمه الله جوابًا أحسن من الأجوبة فقال: "لكن يمكن أن يقال: إنه إنما أخبرهم ببعض الأوامر لكونهم سألوه أن يخبرهم بما يدخلون بفعله الجنة، فاقتصر لهم على ما يمكنهم فعله في الحال، ولم يقصد إعلامهم بجمع الأحكام التي تجب عليهم فعلًا وتركًا، ويدل على ذلك اقتصاره في المناهي على الانتباذ في الأوعية، مع أن في المناهي ما هو أشد في التحريم من الانتباذ انتهى.
(1)
تقدم تخريج هذا الحديث، وهو في الصحيحين.
(2)
ورد ذكر الصوم عبد البخاري في حديث وفد عبد القيس في ست روايات وأرقامها هي (35، 87، 1588، 4110، 5822، 6838)، ولم يرد ذكره أيضًا في خمس روايات وأرقامها هي (500، 1334، 3319، 4111، 7117)، وعند مسلم أورد الروايتين التي ذكرت الصوم برقم (17) 1/ 47، والتي لم تذكره برقم (17) 1/ 46، وقد تتبعت الروايات التي ورد فيها ذكر الصوم في الصحيحين وعند ابن خزيمة وابن حبان والترمذي وأبي داود والنسائي -في سننه الصغرى والكبرى- والبيهقي في سننه الكبرى، والمسند، ومسند الطيالسي، والمعجم الكبير، فوجدت أن الروايات التي ورد فيها ذكر الصوم بلغت ستًا وعشرين رواية، والتي لم يرد فيها ذكر الصوم بلغت ثمانية عشر رواية.
(3)
الدليل على فرضية الخمس قول الحق تبارك وتعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ. . .} الآية [الأنفال: 41] الآية، وذلك بعد وقعة بدر، وما وقع من اختلاف في الرأي حول تقسيم الغنائم، معاني القرآن لأبي جعفر النحاس (3/ 127)، أحكام القرآن [7/ 323]، تفسير ابن كثير [2/ 283، 311] فتح القدير [2/ 283، 309].
رمضان فرض قبل ذلك (1).
ووفد عبد القيس من خير (2) الوفد الذين وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم، وقدومهم على النبي صلى الله عليه وسلم كان قبل فرض الحج، وقد قيل: إنهم (3) قدموا سنة الوفود سنة تسع (4).
والصواب أنهم قدموا قبل ذلك، فإنهم قالوا: بيننا (5) وبينك هذا الحي من كفار مضر (6) -يعنون أهل نجد- وإنا لا نصل إليك إلا في شهر حرام.
(1) سيأتي الحديث عن فرض الصوم قريبًا إن شاء الله.
(2)
في (م) و (ط): "خيار".
(3)
كلمة "إنهم" ليست في (م) و (ط).
(4)
المصنف رحمه الله يهدف من وراء كل هذا إثبات أن قدوم وفد عبد القيس كان قبل فرض الحج وقد اختلف أهل العلم -كما ذكر المصنف- في السنة التي قدم فيها وفد عبد القيس، فذهب ابن جرير إلى أن قدومهم كان في السنة العاشرة للهجرة، تاريخ ابن جرير (2/ 199)، وذهب القاضي عياض إلى أن قدومهم كان سنة ثمان للهجرة، كتاب الإيمان من إكمال المعلم (1/ 155)، وذهب تلميذ المصنف الحافظ ابن قيم الجوزية إلى أن قدومهم كان سنة تسع للهجرة، زاد المعاد (3/ 607)، وأشار المصنف إلى ذلك القول، أما الحافظ ابن كثير فيذهب إلى أن قدومهم كان قبل سنة تسع للهجرة، ومال إلى أنه كان قبل فتح مكة، البداية والنهاية (5/ 44)، وقال:"لكن في سياق ابن عباس (يعني حديث وفد بني عبد القيس الذي رواه ابن عباس) ما يدل على أن قدوم وفد عبد القيس كان في فتح مكة لقولهم: وبيننا وبينك هذا الحي من مضر لا نصل إليك إلا في شهر حرام" وقد انتقد ما درج عليه كثير من المؤرخين وأصحاب المغازي والسير والمحدثين مثل محمد بن إسحاق، والواقدي، والبخاري، والبيهقي، وغيرهم، حين ساقوا قصص الوفود سنة تسع للهجرة، مع أن بعض هذه الوفود قد تقدم مجيئهم قبل العام التاسع من الهجرة، بل بعضهم قبل فتح مكة"، وقال: "وقد ذكر محمد بن إسحاق ثم الواقدي والبخاري ثم البيهقي بعدهم من الوفود ما هو متقدم تاريخ قدومهم على سنة تسع، بل وعلى فتح مكة، وقد قال الله تعالى:{لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ} ، وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح:(لا هجرة ولكن جهاد ونية) فيجب التمييز بين السابق من هؤلاء الوافدين على زمن الفتح ممن يعد وفوده هجرة، وبين اللاحق لهم بعد الفتح ممن وعد الله خيرًا وحسنى، ولكن ليس في ذلك كالسابق له في الزمان والفضيلة، والله أعلم" "البداية والنهاية" (5/ 37).
(5)
في (م) و (ط): "إن بيننا".
(6)
هو مضر بن نزار بن معد بن عدنان -من أجداد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الجد السابع عشر =
وسنة تسع كانت العرب قد ذلت وتركت الحرب، وكانوا بين مسلم أو معاهد خائف، لما فتح الله مكة (1)، ثم هزم هوازن يوم حنين (2)، وإنما كانوا ينتظرون بإسلامهم فتح مكة (3).
وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه أميرًا على الحج سنة تسع، وأردفه بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، لتنفيذ العهود التي كانت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين العرب، إلا أنه أجلهم أربعة أشهر من حين حجة أبي بكر (4) وكانت
= -وإليه تنسب قبيلة قريش، وقيل إنه أول من حدا للإبل، ومضر هو أخو ربيعة بن نزار، ويقال لهما: الصريحان، ومن ربيعة بنو عبد القيس، ومضر وربيعة قبيلتان عربيتان عظيمتان مشهورتان، تاريخ ابن جرير (1/ 514)، جمهرة أنساب العرب لابن حزم (10)، الأنساب للسمعاني (5/ 318)، البداية والنهاية (185، 237).
(1)
فتحت مكة المكرمة بالاتفاق في رمضان سنة ثمان للهجرة، سيرة ابن هشام (2/ 392)، تاريخ ابن جرير (2/ 152)، زاد المعاد (3/ 392)، البداية والنهاية (4/ 277).
(2)
قبيلة هوازن تنسب إلى جدها هوازن بن منصور بن عكرمة، من قيس عيلان، من ولد عدنان، وبنو هوازن بطون كثيرة، وقبائل عديدة، منهم بنو سعد قبيلة حليمة السعدية مرضعة النبي صلى الله عليه وسلم، جمهرة أنساب العرب (252)، الأنساب (3/ 255)، وقد كانت غزوة حنين في شوال سنة ثمان، بعد أن فتحت مكة. وحنين واد معروف بين مكة والطائف، جرت فيه معركة مشهورة -جاء ذكرها في القرآن الكريم (سورة التوبة 25، 26) - بين المسلمين بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم، وبين الكافرين من قبائل هوازن وثقيف وغيرها، وكانت الدائرة في أولها على المسلمين، حين أعجبوا بكثرتهم فلم تغن عنهم شيئًا، وثبت النبي صلى الله عليه وسلم فى نفر قليل من أصحابه، حتى أنزل الله سكينته ونصره على رسوله والمؤمنين، وهزم جموع الكافرين، سيرة ابن هشام (2/ 436)، تاريخ ابن جرير (2/ 165)، زاد المعاد (3/ 465)، البداية والنهاية (4/ 321).
(3)
جاء في حديث عمرو بن سلمة في صحيح البخاري برقم (4202): "وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح" ومعنى تلوم: تنتظر، النهاية في غرب الأثر (4/ 278)، وأصل الفعل بتائين: تتلوم، قاله الحافظ في الفتح (8/ 23)، وقال الجوهري: التلوم: الانتظار والتمكث، الصحاح (5/ 2034)، وروى ذلك الطبراني في المعجم الكبير برقم (6349) 7/ 48، والدارقطني في السنن (2/ 42)، والبيهقي في سننه (3/ 91).
(4)
روى البخاري برقم (369) كتاب الصلاة عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن =
في ذي القعدة (1)
= أبا هريرة رضي الله عنه قال: بعثني أبو بكر رضي الله عنه في تلك الحجة في مؤذنين يوم النحر، نؤذن بمنى: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، قال حميد بن عبد الرحمن: ثم أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًا، فأمره أن يؤذن ببراءة، قال أبو هريرة: فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر. . .
ورواه مسلم برقم (1347) كتاب الحج، وروى البخاري أيضًا برقم (1622) كتاب الحج عن حميد بن عبد الرحمن أخبره أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه بعثه في الحجة التي أمره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع يوم النحر. . (أي: سنة تسع).
وأول الحديث مرسل كما بيّن الحافظان ابن رجب، الفتح (2/ 401)، وابن حجر، الفتح (8/ 318)، ولكن ثبت هذا الإرسال عن علي رضي الله عنه من وجوه أخرى كما بيّن ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى.
ورواه الترمذي برقم (3091) كتاب تفسير القرآن، والنسائي برقم (2957) كتاب مناسك الحج، وأبو داود برقم (1946) كتاب المناسك.
وأما بالنسبة لتنفيذ العهود فقد روى الترمذي برقم (3092) كتاب تفسير القرآن عن زيد بن يشيع قال: سألنا عليًا بأي شيء بعثت في الحجة؟ قال: بعثت بأربع: أن لا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يجتمع المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا، وقال: حديث حسن صحيح.
ورواه الدارمي برقم (1919) كتاب المناسك، ورواه سعيد بن منصور في سننه برقم (1005، 5/ 233: وقال محققه: سنده صحيح، ورواه الحاكم في المستدرك 4/ 178 وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(1)
هذا هو أحد القولين في المسألة، وهو أن حجة أبي بكر الصديق رضي الله عنه كانت في ذي القعدة سنة تسع، وهو قول مجاهد، والقول الثاني: أنها كانت في ذي الحجة من السنة نفسها، وبه قال جمع من أهل العلم وقد ذكر البيهقي في السنن الكبرى (5/ 166) رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى بسنده إلى مجاهد رحمه الله أن حجة الصديق كانت في ذي القعدة، وذكر عنه أيضًا رواية أخرى عن الزهري أنها كانت في ذي الحجة.
وقال البيهقي: قال أبو عبد الله (أي: الإمام أحمد): "نزلت سورة براءة قبل حجة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وفيها: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} وفيها: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا} [التوبة: 36، 37]، فهل كان يجوز أن يحج أبو بكر على حج العرب، وقد أخبر الله أن فعلهم ذلك كان كفرًا".
وقال الحافظ ابن قيم الجوزية في زاد المعاد (3/ 595): "هل كانت حجة =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الصديق رضي الله عنه في ذي الحجة، أم وقعت في ذي القعدة من أجل النسيء الذي كان الجاهلية يؤخرون له الأشهر ويقدمونها؟ على قولين، والثاني قول مجاهد وغيره، وعلى هذا فلم يؤخر النبي صلى الله عليه وسلم الحج بعد فرضه عامًا واحدًا، بل بادر إلى الامتثال في العام الذي فرض فيه"، وفهم من ذلك أن ابن القيم يميل إلى قول مجاهد.
وقد ورد في تفسير النسيء أكثر من وجه، منها وجهان تتغير فيهما أشهر الحج، وقد ذكر جمع من المفسرين أن حجة الصديق رضي الله عنه كانت في ذي القعدة، عند تفسيرهم لقول الحق سبحانه وتعالى:{إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} ، ومن هؤلاء القاضى أبو بكر بن العربي رحمه الله في أحكام القرآن (2/ 503)، والقرطبي في تفسيره (8/ 69)، والحافظ ابن كثير في تفسيره (2/ 358).
وروى البيهقي بسنده عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه قال عن أهل الجاهلية: "ينسئون فيحجون في شهر، وعامًا في غيره، ويقولون: إن أخطأنا موضع الحرم في عام أصبناه في غيره، فأنزل الله جل ثناؤه: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ. .} " السنن الكبرى (5/ 165).
أما الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى فقال عن أحداث السنة التاسعة من الهجرة: "وفيها حج بالناس أبو بكر الصديق رضي الله عنه، بعثه النبي صلى الله عليه وسلم على الموسم في أواخر ذي القعدة، يقيم للمسلمين حجهم، ونزلت براءة إثر خروجه" السيرة النبوية من سير أعلام النبلاء (2/ 262)، ووقع عنده رحمه الله في حديث زيد بن يثيع المتقدم قال: سألت عليًا رضي الله عنه، بأي شيء بعثت في ذي الحجة؟ . . .، وهذا اللفظ إن كان محفوظًا فهو نص في الخلاف في هذه المسألة، ولكن لم أجد هذه اللفظة في روايات الحديث، وإنما الذي ورد هو قوله: في الحجة، أي في تلك الحجة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر على الموسم، ولعل ما وقع تحريف أو تصحيف.
وأما الحافظ ابن كثير، فبعد أن أورد قول مجاهد عقب عليه قائلًا: "وهذا الذي قاله مجاهد فيه نظر أيضًا، وكيف تصح حجة أبى بكر، وقد وقعت في ذي القعدة، وأنّى هذا؟ ! ! وقد قال الله تعالى:{وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ. .} [التوبة: 3] وإنما نودي به في حجة أبي بكر، فلو لم تكن في ذي الحجة لما قال تعالى:{يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. .} تفسير ابن كثير (2/ 358)، وهو استدلال قوي ظاهر.
وذكر الحافظ رحمه الله في الفتح (8/ 82) أن ابن سعد روى بإسناد صحيح عن مجاهد أن حجة أبي بكر وقعت في ذي القعدة، ووافقه عكرمة بن خالد، ثم قال:"ومن عدا هذين (يعني مجاهدًا وعكرمة) إما مصرح بأن حجة أبي بكر كانت في ذي الحجة، كالداودي، وبه جزم من المفسرين الرماني، والثعلبي، والماوردي، وتبعهم جماعة، وإما ساكت، والمعتمد ما قاله مجاهد وبه جزم الأزرقي. . . "، =
وقد قال تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} الآية [التوبة: 5]، وهذه الأربعة التي أجلوها هي الأربعة الحرم.
ولهذا غزا النبي صلى الله عليه وسلم النصارى بأرض الروم عام تبوك سنة تسع قبل إرسال أبي بكر رضي الله عنه أميرًا على الموسم (1)، وإنما أمكنه غزو النصارى لما اطمأن من جهة مشركي العرب، وعلم أنه لا خوف على الإسلام منهم.
ولهذا لم يأذن لأحد ممن يصلح للقتال في التخلف، فلم يتخلف إلا منافق، أو الثلاثة الذين تيب عليهم (2)، أو معذور.
ولهذا لما استخلف عليًا على المدينة (3) عام تبوك طعن المنافقون فيه
= ثم أورد بعض ما يؤيد أنها كانت في ذي الحجة.
وذكر الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى أن الطبراني وأبا الشيخ وابن مردويه قد أخرجوا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "كانت العرب يحلون عامًا شهرًا، وعامًا شهرين، ولا يصيبون الحج إلا في كل سنة وعشرين سنة مرة، وهي النسيء الذي ذكره الله في كتابه، فلما كان عام حج أبو بكر بالناس وافق ذلك العام، فسماه الله الحج الأكبر، ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم من العام القابل. . . " فتح القدير (2/ 360).
ومما يتبين بعد كل هذه الأقوال التي أوردناها أن القول بأن حجة الصديق رضي الله عنه وافقت ذا الحجة قد يكون هو القول الأقرب، والله أعلم.
(1)
كانت غزوة تبوك في شهر رجب سنة تسع للهجرة، سيرة ابن هشام (2/ 515)، تاريخ ابن جرير (2/ 181)، البداية والنهاية (5/ 3).
(2)
وهم الذين قال الله فيهم: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118)} [التوبة: 118]، وهم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وقصة كعب بن مالك وصاحبيه رضي الله عنهم في الصحيح رواها البخاري في صحيحه برقم (4418) كتاب المغازي، ومسلم برقم (6769) كتاب التوبة، والنسائي برقم (3102) كتاب تفسير القرآن، ، وأحمد برقم (26634).
(3)
المشهور عند أهل المغازي والسير أن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك استخلف عليًا على أهله، أما الذي استخلفه على المدينة ففيه قولان، الأول: أنه محمد بن مسلمة الأنصاري، والثاني: سباع بن عرفطة، وحكى الحافظ ابن في الجوزية القولين في =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الزاد، وقال: إن القول الثاني هو قول ابن هشام، ورجح الأول، وقال: إنه أثبت (3/ 529).
وقال ابن جرير بالقول الثاني، تاريخ ابن جرير (2/ 183)، وإلى مثله ذهب ابن حبان في كتاب الثقات (2/ 73).
وقال الحافظ أبو الحجاج المزي أن النبي صلى الله عليه وسلم خلف عليًا على المدينة وعلى أهله، تهذيب الكمال (20/ 472) وأما الذهبي فقال في السيرة النبوية من سير أعلام النبلاء (2/ 235) بالقول الأول، مع أنه حين ترجم لمحمد بن مسلمة رضي الله عنه في السير (2/ 369) قال:"وقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم استخلفه مرة على المدينة"، وكان الأمر لم يثبت عنده، وذكر ابن كثير القولين فلم يرجح منهما شيئًا البداية والنهاية (5/ 7).
أما الحافظ ابن عبد البر فقد قال عن محمد بن مسلمة: "استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة في بعض غزواته. . وقيل إنه استخلفه عام تبوك" الاستيعاب على هامش الإصابة (3/ 335)، وذكر عن سباع أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمله على المدينة حين خرج إلى خيبر وإلى دومة الجندل، الاستيعاب (2/ 128).
وذكر الحافظ ابن حجر فى الإصابة (3/ 383) عند ترجمته لمحمد بن مسلمة أنه شهد المشاهد إلا غزوة تبوك، فإنه تخلف بإذن النبي صلى الله عليه وسلم له أن يقيم بالمدينة، وذكر عن سباع في الإصابة أيضًا (2/ 13) أن النبي صلى الله عليه وسلم استخلفه على المدينة عام خيبر، وقال: إن أبا حاتم ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمله على المدينة في غزوة دومة الجندل.
أما المصنف فيرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد استخلف على المدينة عليًا رضي الله عنه، وقال في موضع آخر:"لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في كل غزاة يترك بالمدينة رجالًا من المهاجرين والأنصار، إلا في غزوة تبوك، فإنه أمر المسلمين جميعهم بالنفير، فلم يتخلف بالمدينة إلا عاص، أو معذور غير النساء والصبيان، ولهذا كره علي الاستخلاف، وقال: أتخلفني مع النساء والصبيان؟ . . . فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أن الاستخلاف ليس نقصًا ولا غضاضة، فإن موسى استخلف هارون على قومه لأمانته عنده. . . " منهاج السنة (5/ 43)، (7/ 328).
قلت: لكن ما جاء في الأحاديث يخالف ذلك، ويؤيد ما ذهب إليه المصنف رحمه الله، فقد روى البخاري في صحيحه (سيأتي تخريجه قريبًا إن شاء الله) عن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى تبوك، واستخلف عليًا على المدينة، وثبت في المسند (1532) من حديث سعد رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج في غزوة تبوك استخلف عليًا على المدينة. .، وقال محققه الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح، (المسند 3/ 66).
لضعف هذا الاستخلاف، وقالوا إنما خلفه لأنه يبغضه، فأتبعه علي وهو يبكي فقال:(أتخلفني مع النساء والصبيان؟ ) فقال: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي"(1).
وكان قبل ذلك يستخلف على المدينة من يستخلفه، وفيها رجال من أهل القتال وذاك لأنه لم يكن حينئذ بأرض العرب، لا بمكة، ولا بنجد ونحوهما، من يقاتل أهل دار الإسلام -مكة والمدينة وغيرهما- ولا يخيفهم.
ثم لما رجع من تبوك أمر (2) أبا بكر على الموسم، يقيم الحج والصلاة، ويأمر أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان (3)، وأتبعه بعلي لأجل نقض العهود، إذ كانت عادة العرب أنهم لا يقبلون (4)
(1) حديث صحيح متفق على صحته، رواه البخاري برقم (4416) كتاب المغازي باب غزوة تبوك، ومسلم برقم (2404) 4/ 1870 كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والترمذي برقم (3724) كتاب المناقب، والنسائي في سننه الكبرى (5/ 44)، وابن ماجه برقم (115) في المقدمة، وأحمد برقم (1335)، وأبو يعلى برقم (344) 1/ 285، وغيرهم، وهو من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، ورواه أحمد برقم (10879) من طريق أبي سعيد الخدري، وبرقم (26541) من طريق أسماء بنت عميس، وابن حبان برقم (6643) 15/ 15 من طريق أم سلمة، والطبراني في المعجم الكبير (5/ 203) من طريق زيد بن أرقم والبراء بن عازب، وكذلك أخرجه برقم (11087) 11/ 74 من طريق ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين.
وأما بكاء علي رضي الله عنه فقد روى الإمام أحمد في مسنده برقم (1463) عن سعد رضي الله عنه أن عليًا خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى جاء ثنية الوداع، وعلي يبكي يقول: تخلفني مع الخوالف
…
، وقال محققه الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح، وروى مثل ذلك النسائي في السنن الكبرى (5/ 120) وأما شكواه رضي الله عنه من الطعن في استخلافه فقد روى النسائي في السنن الكبرى (5/ 44) أن النبي صلى الله عليه وسلم لما غزا تبوك خلف عليًا بالمدينة فقالوا: ملّه، وكره صحبته. .، وروى ابن سعد في الطبقات (3/ 23) مثل ذلك، وذكر ذلك أيضًا ابن هشام في سيرته (2/ 519).
(2)
في (ط): "أقر".
(3)
تقدم تخريج هذا الحديث، وهو في الصحيحين.
(4)
في (ط): "أن لا يقبلوا".