الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويقول نقيضه كما هو مذكور في موضعه، ونحن نذكر ما يتعلق بهذا الموضع فنقول: -ولا حول ولا قوة إلا بالله- الكلام في طرفين:
(أحدهما): أن شعب الإيمان هل هي متلازمة في الانتفاء؟
والثاني: هل هي متلازمة في الثبوت؟
[هل شعب الإيمان متلازمة في الانتفاء والثبوت]
أما الأول: فإن الحقيقة الجامعة لأمور- سواء كانت في الأعيان أو الأعراض- إذا زال بعض تلك الأمور فقد يزول سائرها وقد لا يزول، ولا يلزم من زوال بعض الأمور المجتمعة زوال سائرها، وسواء سميت مركبة أو مؤلفة أو غير ذلك، لا يلزم من زوال بعض الأجزاء زوال سائرها، وما مثلوا به من العشرة والسكنجبين مطابق لذلك.
فإن الواحد من عشرة (1) إذا زال لم يلزم زوال التسعة، [بل قد تبقى التسعة](2) وإذا زال (3) أحد جزئي المركب لم (4) يلزم زوال الجزء الآخر، لكن أكبر (5) ما يقولون زالت [الصورة](6) المجتمعة، وزالت الهيئة الاجتماعية، وزال ذلك الاسم الذي استحقته الهيئة بذلك الاجتماع والتركيب، كما يزول اسم العشرة والسكنجبين.
فيقال لهم: أما كون ذلك المجتمع المركب ما بقي على تركيبه فهذا لا ينازع فيه عاقل، ولا يدعي عاقل أن الإيمان أو الصلاة أو الحج أو غير ذلك من العبادات المتناولة لأمور إذا زال بعضها [بقي](7) ذلك المجتمع المركب كما كان قبل [زوال بعضه](8).
ولا يقول أحد: إن الشجرة أو الدار إذا زال بعضها بقيت مجتمعة
(1) في (م) و (ط): "العشرة" معرفة.
(2)
ما بين المعكوفتين ساقط من نسخة الأصل، وهو في (م) و (ط)، غير أن في (م):"يبقى"، وآثرنا ما في (ط).
(3)
في (ط): "فإذا".
(4)
في (ط): "لا".
(5)
في (م) و (ط): "أكثر".
(6)
في نسخة الأصل: الضرورة، وهو خطأ، والتصحيح من (م) و (ط).
(7)
هذه اللفظة ساقطة من نسخة الأصل، وهي في (م) و (ط).
(8)
في نسخة الأصل. زواله بعض، والتصحيح من (م) و (ط).
كما كانت، ولا أن الإنسان أو غيره من الحيوان إذا زال بعض أعضائه بقي مجموعاً.
كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، و (1) ينصرانه، ويمجسانه، كما تنتج البهيمة جمعاء (2)، هل تحسون فيها من جدعاء؟ (3) "(4).
فالمجتمعة الخلق بعد الجدع لا تبقى مجتمعة، ولكن لا يلزم زوال بقية الأجزاء. وأما زوال الاسم فيقال لهم: هذا أولاً بحث لفظي، إذا قدر أن الإيمان له أبعاض وشعب كما قال رسول الله في الحديث المتفق عليه:"الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان"(5).
كما أن الصلاة والحج له أجزاء وشعب، ولا يلزم من زوال شعبة من شعبه زوال سائر الأجزاء والشعب، كما لا يلزم من زوال بعض أجزاء
(1) وردت بعض الروايات بلفظ (و) وبعضها (بالواو) كرواية مسلم وبعض روايات الإمام أحمد، وهي التي وافقتها نسخة الأصل، أما النسختان (م) و (ط) فقد جاءتا بلفظة (أو).
(2)
معنى جمعاء: أي مجتمعة الخلقة، قال في الفتح (3/ 250):"أي لم يذهب من بدنها شيء، سميت بذلك لاجتماع أعضائها".
(3)
الجدعاء هي: مقطوعة الأذن، الفتح (3/ 250).
(4)
رواه البخاري برقم (1385) كتاب الجنائز باب ما قيل في أولاد المشركين، ومسلم برقم (2658) 4/ 2047 كتاب القدر باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، والترمذي برقم (2138) كتاب القدر، وأبو داود برقم (4714) كتاب السنة، وأحمد برقم (7141) ومالك برقم (569)، وقد جاء هذا الحديث بألفاظ متقاربة.
(5)
رواه البخاري برقم (9) كتاب الإيمان باب أمور الإيمان، بلفظ:"بضع وستون باباً"، ومسلم برقم (35) 1/ 63 كتاب الإيمان باب بيان عدد شعب الإيمان، والترمذي برقم (2614) كتاب الإيمان، بلفظ بضع وسبعون باباً، والنسائي برقم (5004) بالإيمان وشرائعه، وأبو داود برقم (4176) كتاب السنة، وابن ماجه برقم (57) كتاب المقدمة، وأحمد برقم (9097).
الحج والصلاة زوال سائر الأجزاء (1)، فدعواهم أنه إذا زال بعض المركب زال البعض الآخر ليس بصواب، ونحن نسلم لهم أنه ما بقي إلا بعضه لا كله، وأن الهيئة الاجتماعية ما بقيت كما كانت.
يبقى النزاع هل يلزم زوال الاسم بزوال بعض الأجزاء؟ فيقال لهم: المركبات في ذلك على وجهين، منها: ما يكون التركيب شرطاً في إطلاق الإسم، ومنها: ما لا يكون كذلك، فالأول: كاسم العشرة، وكذلك السكنجبين، ومنها: ما يبقى الاسم بعد زوال بعض الأجزاء، وجميع المركبات المتشابهة الأجزاء من هذا الباب، وكذلك من المختلفة الأجزاء، فإن المكيلات والموزونات تسمى حنطة وهي بعد النقص تسمى حنطة، وكذلك التراب والماء ونحو ذلك.
وكذلك لفظ العبادة، والطاعة، والخير، والحسنة، والإحسان، والصدقة، والعلم، ونحو ذلك مما تدخل (2) فيه أمور كثيرة يطلق الاسم عليها قليلها وكثيرها، وعند زوال بعض الأجزاء وبقاء بعض، وكذلك لفظ القرآن فيقال على جميعه وعلى بعضه، ولو نزل قرآن أكثر من هذا لسمي قرآناً، وقد تسمى الكتب القديمة قرآناً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"خفف على داود القرآن"(3).
وكذلك لفظ القول والكلام والنطق (4) ونحو ذلك تقع (5) على القليل من ذلك وعلى الكثير. وكذلك لفظ الذكر والدعاء يقال على كل القليل والكثير (6)، وكذلك لفظ الجبل يقال على الجبل، وإن ذهب منه أجزاء كثيرة، ولفظ البحر والنهر يقال عليه وإن نقصت أجزاؤه. وكذلك المدينة
(1) يوجد في (م) سقط وهو قوله: "كما لا يلزم من زوال بعض أجزاء الحج والصلاة زوال سائر الأجزاء".
(2)
في (م) و (ط): "يدخل".
(3)
هو جزء من حديث صحيح سيورده المؤلف كاملاً بعد ذلك.
(4)
في (م) و (ط): "المنطق".
(5)
في (م) و (ط): "يقع".
(6)
في (م) و (ط): "يقال للقليل والكثير".