الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مَطْلَبٌ: فِي آدَابِ مُؤَاكَلَةِ الْإِخْوَانِ
(تَتِمَّةٌ) فِي ذِكْرِ بَقِيَّةِ أَشْيَاءَ مِنْ آدَابِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالضِّيَافَةِ وَلَوَاحِقِ ذَلِكَ وَفِي ذَلِكَ أَنْوَاعٌ:
النَّوْعُ الْأَوَّلُ فِي آدَابِ مُؤَاكَلَةِ الْإِخْوَانِ: يُسْتَحَبُّ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ أَنْ يُبَاسِطَ الْإِخْوَانَ بِالْحَدِيثِ الطَّيِّبِ، وَالْحِكَايَاتِ اللَّائِقَةِ بِالْحَالِ، وَيَأْكُلَ بِالْأَدَبِ مَعَ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا وَبِالْإِيثَارِ مَعَ الْفُقَرَاءِ وَبِالِانْبِسَاطِ مَعَ الْإِخْوَانِ، وَبِالتَّعَلُّمِ مَعَ الْعُلَمَاءِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رضي الله عنه: يَأْكُلُ بِالسُّرُورِ مَعَ الْإِخْوَانِ، وَبِالْإِيثَارِ مَعَ الْفُقَرَاءِ، وَبِالْمَرُوءَةِ مَعَ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا. وَيُسَنُّ أَنْ يَغُضَّ طَرْفَهُ عَنْ جَلِيسِهِ وَيُؤْثِرَ عَلَى نَفْسِهِ الْمُحْتَاجَ، وَإِذَا كَانَ عَلَى رَأْسِهِ إنْسَانٌ قَائِمٌ أَمَرَهُ بِالْجُلُوسِ، فَإِنْ أَبَى عَلَيْهِ، أَوْ قَامَ مَمْلُوكُهُ وَخَادِمُهُ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ وَسَقْيِهِ الْمَاءَ أَخَذَ مِنْ أَطَايِبِ الطَّعَامِ فَلَقَمَهُ.
وَإِنْ أَكَلَ مَعَ ضَرِيرٍ أَعْلَمَهُ بِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَرُبَّمَا فَاتَهُ أَطْيَبُ الطَّعَامِ لِعَمَاهُ. قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا كَمَا فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى وَمِنْ الْأَدَبِ أَنْ لَا يُلْقِمَ أَحَدًا يَأْكُلُ مَعَهُ إلَّا بِإِذْنِ مَالِكِ الطَّعَامِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ عَمَلًا بِالْعَادَةِ، وَالْعُرْفِ فِي ذَلِكَ لَكِنَّ الْأَدَبَ، وَالْأَوْلَى الْكَفُّ عَنْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ إسَاءَةِ الْأَدَبِ عَلَى صَاحِبِهِ، وَالْإِقْدَامِ عَلَيْهِ بِبَعْضِ التَّصَرُّفِ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ صَرِيحٍ.
وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ تَقْدِيمُ بَعْضِ الضِّيفَانِ مَا لَدَيْهِ وَنَقْلُهُ إلَى الْبَعْضِ الْآخَرِ لَكِنْ لَا يَنْبَغِي لِفَاعِلِ ذَلِكَ أَنْ يُسْقِطَ حَقَّ جَلِيسِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَالْقَرِينَةُ تَقُومُ مَقَامَ الْإِذْنِ فِي ذَلِكَ.
وَذَكَرَ الْإِمَامُ مُوَفَّقُ الدِّينِ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ فِي الْمُغْنِي: أَنَّ الضَّيْفَ لَا يَمْلِكُ الصَّدَقَةَ بِمَا أُذِنَ لَهُ فِي أَكْلِهِ. وَقَالَ: إنْ حَلَفَ لَا يَهَبُهُ فَأَضَافَهُ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمَلِّكْهُ شَيْئًا، وَإِنَّمَا أَبَاحَهُ الْأَكْلَ؛ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ بِغَيْرِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ جَوَازِ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ خُولِفَ فِي أَكْلِهِ مِنْهُ لِإِذْنِهِ فِيهِ فَيَبْقَى مَا سِوَاهُ عَلَى الْأَصْلِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْإِذْنِ فِي الْأَدْنَى الْإِذْنُ فِي الْأَعْلَى.
وَحَقُّ الْآدَمِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى الشُّحِّ وَالضِّيقِ. وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ. لَكِنَّ كَلَامَهُمْ صَرِيحٌ بِالْكَرَاهَةِ فَقَطْ. .
مَطْلَبٌ: يُكْرَهُ أَنْ يُلْقِمَ الضَّيْفُ مَنْ حَضَرَ مَعَهُ إلَّا بِإِذْنِ رَبِّ الطَّعَامِ
قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ: يُكْرَهُ أَنْ يُلْقِمَ مَنْ حَضَرَ مَعَهُ
لِأَنَّهُ يَأْكُلُ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِتَمْلِيكٍ. وَوُجِّهَتْ رِوَايَةُ الْجَوَازِ فِي مَسْأَلَةِ غَيْرِ الْمَأْذُونِ لَهُ بِأَنَّهُ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِالْمُسَامَحَةِ فِيهِ، وَالْإِذْنِ عُرْفًا فَجَازَ كَصَدَقَةِ الْمَرْأَةِ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا.
وَهَذَا التَّعْلِيلُ جَارٍ فِي مَسْأَلَةِ الضَّيْفِ فَيُتَوَجَّهُ الْقَوْلُ بِهِ فِيهَا حَيْثُ جَازَ. وَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي التَّفْصِيلُ كَمَا فِي الْمَرْأَةِ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ شُحَّ رَبِّ الطَّعَامِ.
قَالَ الْيُونِينِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْآدَابِ: وَتَلْخِيصُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الضَّيْفَ لَا يَمْلِكُ مَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِفِعْلِهِ وَلَمْ تُخَالِفْهُ قَرِينَةٌ؛ كَتَلْقِيمِ بَعْضٍ بَعْضًا وَتَقْدِيمِ طَعَامٍ وَإِطْعَامِ سِنَّوْرٍ وَكَلْبٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِنْ عَلِمَ رِضَا رَبِّهِ بِذَلِكَ جَازَ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، وَالْأَوْلَى جَوَازُهُ.
وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بَابُ مَنْ نَاوَلَ، أَوْ قَدَّمَ إلَى صَاحِبِهِ عَلَى الْمَائِدَةِ شَيْئًا. قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: لَا بَأْسَ أَنْ يُنَاوِلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَلَا يُنَاوِلُ مِنْ هَذِهِ الْمَائِدَةِ إلَى مَائِدَةٍ أُخْرَى.
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ: سَأَلَ سَائِلٌ حَنْبَلِيًّا هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَدِّمَ الضُّيُوفُ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ؟ فَقَالَ: كُنْتُ أَقُولُ لَا يَجُوزُ وَلَا لِسِنَّوْرٍ حَتَّى وَجَدْتُ فِي الْبُخَارِيِّ قَوْلَ أَنَسٍ رضي الله عنه «فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيْ الصَّحْفَةِ. فَجَعَلْتُ أَجْمَعُ الدُّبَّاءَ بَيْنَ يَدَيْهِ» . قُلْت: وَالْخَبَرُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ خَيَّاطًا دَعَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم» الْحَدِيثَ وَلِرَبِّ الطَّعَامِ، أَوْ بَعْضِ أَهْلِهِ أَنْ يَخُصَّ بَعْضَ الضِّيفَانِ بِشَيْءٍ طَيِّبٍ إذَا لَمْ يَتَأَذَّ غَيْرُهُ، وَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَخْصُوصِ، أَوْ يُسْتَحَبُّ لَهُ تَنَاوُلُهُ، وَأَنَّهُ لَا يُفْضِلُ مِنْهُ شَيْئًا بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ مِنْ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لِلضَّيْفِ أَنْ يُفْضِلَ شَيْئًا لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ مِمَّنْ يُتَبَرَّكُ بِفَضْلَتِهِ، أَوْ كَانَ ثَمَّ حَاجَةٌ.
قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَتَسَاوِي الْقَوْمِ فِيمَا حَضَرَ أَوْلَى، بَلْ قَدْ يُتَوَجَّهُ لَوْ بَادَرَ بَعْضُهُمْ إلَى أَكْلِ مَا حَضَرَ مُخْتَصًّا بِهِ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ. قُلْت: وَكَذَا لَا يَجُوزُ لِبَقِيَّتِهِمْ تَنَاوُلُ مَا عَلِمَ اخْتِصَاصَهُ بِمُعَيَّنٍ كَمَا هِيَ عَادَةُ النَّاسِ مِنْ نَحْوِ تَرْبِيَةِ لَحْمَةٍ كَبِيرَةٍ تُجْعَلُ عَلَى ذُرْوَةِ الطَّعَامِ. فَإِنَّهُمْ يَعْلَمُونَ