الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَلَا خُلْفَ مِنْهَا، فَإِنَّ بِهَذِهِ الْحَيَاةِ الْيَسِيرَةِ خُلُودُ الْأَبَدِ فِي النَّعِيمِ، أَوْ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ، وَإِذَا عَادَلْت هَذِهِ الْحَيَاةَ بِخُلُودِ الْأَبَدِ عَلِمْت أَنَّ كُلَّ نَفَسٍ يَعْدِلُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ أَلْفِ أَلْفِ عَامٍ فِي نَعِيمٍ لَا خَطَرَ لَهُ أَوْ خِلَافَ ذَلِكَ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَلَا قِيمَةَ لَهُ. فَلَا تُضَيِّعْ جَوَاهِرَ عُمْرِك النَّفِيسَةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ، وَلَا تُذْهِبُهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَاجْتَهِدْ أَنْ لَا يَخْلُوَ نَفَسٌ مِنْ أَنْفَاسِك إلَّا فِي عَمَلِ طَاعَةٍ أَوْ قُرْبَةٍ تَتَقَرَّبُ بِهَا. فَإِنَّك لَوْ كَانَتْ مَعَك جَوْهَرَةٌ مِنْ جَوَاهِرِ الدُّنْيَا لَسَاءَك ذَهَابُهَا فَكَيْفَ تُفَرِّطُ فِي سَاعَاتِك وَأَوْقَاتِك. وَكَيْفَ لَا تَحْزَنُ عَلَى عُمْرِك الذَّاهِبِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، انْتَهَى.
مَطْلَبٌ: إيَّاكَ وَالْغَبَنَ وَالتَّمَادِي فِي الْكَسَلِ وَهَوَى النَّفْسِ
.
(وَلَا تَغْبِنَنْ) نَهْيٌ مُؤَكَّدٌ بِالنُّونِ الْخَفِيفَةِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ غَبِنَ الشَّيْءُ وَفِيهِ كَفَرِحِ غَبْنًا وَغَبَنًا نَسِيَهُ أَوْ أَغْفَلَهُ أَوْ غَلِطَ فِيهِ، وَغَبَنَهُ فِي الْبَيْعِ يَغْبِنُهُ غَبْنًا وَيُحَرَّكُ أَوْ بِالتَّسْكِينِ فِي الْبَيْعِ، وَبِالتَّحْرِيكِ فِي الرَّأْي خَدَعَهُ.
وَفِي الْمُطْلِعِ فِي خِيَارِ الْغَبَنِ قَالَ: الْغَبْنُ بِسُكُونِ الْبَاءِ مَصْدَرُ غَبَنَهُ بِفَتْحِ الْبَاءِ يَغْبِنُهُ بِكَسْرِهَا إذَا نَقَصَهُ. وَيُقَالُ غَبِنَ رَأْيُهُ بِكَسْرِ الْبَاءِ أَيْ ضَعُفَ غَبَنًا بِالتَّحْرِيكِ انْتَهَى.
(فِي الْغُمَّتَيْنِ) كَذَا رَأَيْته فِي النُّسَخِ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمِيمِ تَثْنِيَةُ غُمَّةٍ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَلَعَلَّهُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ الْمَضْمُومَةِ وَالنُّونِ وَالْمِيمِ تَثْنِيَةُ غُنْمَةٍ بِمَعْنَى غُنْمٌ بِالضَّمِّ وَهُوَ الْفَيْءُ وَأَرَادَ بِهِ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ. هَذَا الَّذِي يَظْهَرُ. وَأَظْهَرُ مِنْ هَذَا النِّعْمَتَيْنِ تَثْنِيَةُ نِعْمَةٍ مِنْ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَوْ الصِّحَّةِ وَالْفَرَاغِ.
وَفِي الْحَدِيثِ «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ مَرْفُوعًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما.
وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ الْيَوْمُ ضَيْفُك، وَالضَّيْفُ مُرْتَحِلٌ يَحْمَدُك أَوْ يَذُمُّك، وَكَذَلِكَ لَيْلَتُك.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا بِإِسْنَادِهِ عَنْ بَكْرٍ الْمُزَنِيّ أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَخْرَجَهُ اللَّهُ إلَى أَهْلِ الدُّنْيَا إلَّا يُنَادِي: ابْنَ آدَمَ اغْتَنِمْنِي لَعَلَّهُ لَا يَوْمَ لَك بَعْدِي، وَلَا لَيْلَةَ إلَّا تُنَادِي: ابْنَ آدَمَ اغْتَنِمْنِي لَعَلَّهُ لَا لَيْلَةَ لَك بَعْدِي» .
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اعْمَلُوا لِأَنْفُسِكُمْ رَحِمَكُمْ اللَّهُ فِي هَذَا
اللَّيْلِ وَسَوَادِهِ فَإِنَّ الْمَغْبُونَ مَنْ غُبِنَ خَيْرَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَالْمَحْرُومُ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهُمَا، إنَّمَا جُعِلَا سَبِيلًا لِلْمُؤْمِنِينَ إلَى طَاعَةِ رَبِّهِمْ، وَوَبَالًا عَلَى الْآخَرِينَ لِلْغَفْلَةِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَأَحْيُوا لِلَّهِ أَنْفُسَكُمْ بِذِكْرِهِ فَإِنَّمَا تَحْيَا الْقُلُوبُ بِذِكْرِ اللَّهِ عز وجل. كَمْ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذَا اللَّيْلِ قَدْ اغْتَبَطَ بِقِيَامِهِ فِي ظُلْمَةِ حُفْرَتِهِ. وَكَمْ مِنْ نَائِمٍ فِي هَذَا اللَّيْلِ قَدْ نَدِمَ عَلَى طُولِ نَوْمِهِ عِنْدَمَا يَرَى مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ لِلْعَابِدِينَ غَدًا. فَاغْتَنِمُوا مَمَرَّ السَّاعَاتِ وَاللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ رَحِمَكُمْ اللَّهُ.
وَعَنْ دَاوُد الطَّائِيِّ قَالَ: إنَّمَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ مَرَاحِلُ تَنْزِلُهَا النَّاسُ مَرْحَلَةً مَرْحَلَةً حَتَّى يَنْتَهِيَ بِهِمْ ذَلِكَ إلَى آخِرِ سَفَرِهِمْ، فَإِنْ اسْتَطَعْت أَنْ تُقَدِّمَ فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ زَادًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا فَافْعَلْ، فَإِنَّ انْقِطَاعَ السَّفَرِ عَنْ قَرِيبٍ مَا هُوَ، وَالْأَمْرُ أَعْجَلُ مِنْ ذَلِكَ، فَتَزَوَّدْ لِسَفَرِك وَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ مِنْ أَمْرِك فَكَأَنَّك بِالْأَمْرِ قَدْ بَغَتُّك.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «اُطْلُبُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ رَبِّكُمْ، فَإِنَّ لِلَّهِ نَفَحَاتٌ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَسَلُوا اللَّهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ وَيُؤْمِنَّ رَوْعَاتِكُمْ» .
وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «لَيْسَ مِنْ عَمَلِ يَوْمٍ إلَّا وَيُخْتَمُ عَلَيْهِ» .
وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ إلَّا يَقُولُ: ابْنَ آدَمَ قَدْ دَخَلْت عَلَيْك الْيَوْمَ وَلَنْ أَرْجِعَ إلَيْك بَعْدَ الْيَوْمِ، فَانْظُرْ مَاذَا تَعْمَلُ فِي، فَإِذَا انْقَضَى طَوَاهُ ثُمَّ يُخْتَمُ عَلَيْهِ فَلَا يَفُكُّ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يَفُضُّ ذَلِكَ الْخَاتَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَيَقُولُ الْيَوْمُ حِينَ يَنْقَضِي: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرَاحَنِي مِنْ الدُّنْيَا وَأَهْلِهَا. وَلَا لَيْلَةٌ تَدْخُلُ عَلَى النَّاسِ إلَّا قَالَتْ كَذَلِكَ» .
وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: كَانَ عِيسَى عليه السلام يَقُولُ: إنَّ هَذَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِزَانَتَانِ فَانْظُرُوا مَا تَصْنَعُونَ فِيهِمَا. وَكَانَ يَقُولُ: اعْمَلُوا اللَّيْلَ لِمَا خُلِقَ لَهُ وَاعْمَلُوا النَّهَارَ لِمَا خُلِقَ لَهُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: لَيْسَ يَوْمٌ يَأْتِي مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا إلَّا يَتَكَلَّمُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا