الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شَيْءٍ مَرْئِيٍّ كَالْأَجْسَامِ، وَبِالْكَسْرِ فِيمَا لَيْسَ بِمَرْئِيٍّ كَالرَّأْيِ وَالْقَوْلِ، وَقِيلَ: الْكَسْرُ يُقَالُ فِيهِمَا مَعًا وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ. فَعَلَى الْعَاقِلِ الْعَفْوُ وَالتَّغَافُلُ وَإِنْ سَاءَهُ مِنْهَا خُلُقٌ فَقَدْ يَسُرُّهُ خُلُقٌ آخَرُ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا يَفْرَكُ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ، أَوْ قَالَ غَيْرَهُ» .
قَوْلُهُ يَفْرَكُ بِسُكُونِ الْفَاءِ وَفَتْحِ الْيَاءِ وَالرَّاءِ أَيْضًا، وَضَمُّهَا شَاذٌّ أَيْ يَبْغَضُ.
مَطْلَبٌ: فِي أَنَّ السُّكْنَى فَوْقَ الطَّرِيقِ مُوجِبَةٌ لِلتُّهْمَةِ
وَسُكْنَى الْفَتَى فِي غُرْفَةٍ فَوْقَ سِكَّةِ
…
تَئُولُ إلَى تُهْمَى الْبَرِيِّ الْمُشَدِّدِ
(وَسُكْنَى الْفَتَى) يَعْنِي إذَا سَكَنَ الرَّجُلُ (فِي غُرْفَةٍ) بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الْعَلِيَّةِ جَمْعُهَا غُرُفَاتٍ بِضَمَّتَيْنِ وَبِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِهَا، وَغُرَفٌ كَصُرَدٍ حَالَ كَوْنِ الْغُرْفَةِ (فَوْقَ سِكَّةٍ) أَيْ طَرِيقٍ (تَئُولُ) أَيْ تَرْجِعُ سُكْنَاهُ كَذَلِكَ (إلَى تُهْمَى) وَسُوءِ ظَنِّ النَّاسِ فِيهِ. وَقَدْ قَالَ عليه الصلاة والسلام «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً جَبَّ الْغِيبَةَ عَنْ نَفْسِهِ» .
وَفِي حَدِيثٍ «مَنْ وَقَفَ مَوَاقِفَ التُّهَمِ فَلَا يَلُومُنَّ مَنْ أَسَاءَ الظَّنَّ فِيهِ» وَذَلِكَ أَنَّ مَوَاقِفَ التُّهَمِ تَئُولُ إلَى تُهْمَى (الْبَرِيِّ) مِنْ الْعَيْبِ، النَّزِهِ مِنْ قَاذُورَاتِ الذُّنُوبِ، الْمُتَحَفِّظِ فِي أَمْرِ دِينِهِ (الْمُشَدِّدِ) عَلَى نَفْسِهِ فِي صَوْنِهَا عَنْ الِاسْتِرْسَالِ فِي أَعْرَاضِ النَّاسِ وَالتَّطَلُّعِ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ، وَالْمُضَيِّقِ عَلَى بَصَرِهِ مِنْ الطُّمُوحِ وَلِسَانِهِ مِنْ الْبَذَاذَةِ، الصَّائِنِ لِكُلِّ جَوَارِحِهِ.
فَإِذَا كَانَ هَذَا اتِّهَامُ الْبَرِيِّ الَّذِي بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَكَيْفَ بِحَالِ غَيْرِهِ. فَالْأَوْلَى وَالْأَحْرَى لِلْعَاقِلِ أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ وَلَا يَسْكُنُ مَكَانًا مُشْرِفًا عَلَى حُرَمِ الْمُسْلِمِينَ.
وَيُحْتَمَلُ إرَادَةُ النَّاظِمِ أَنَّ سُكْنَى الْفَتَى فِي مِثْلِ هَذَا الْمَكَانِ يَئُولُ إلَى تُهْمَى أَهْلِهِ لِكَثْرَةِ مَنْ يَسْلُكُ الطَّرِيقَ، فَرُبَّمَا رَأَى زَوْجَتَهُ بَعْضُ النَّاسِ فَتَشَبَّبَ بِهَا أَوْ وَصَفَهَا لِآخَرَ فَيُوهِمُ بِوَصْفِهِ إيَّاهَا اطِّلَاعَهُ عَلَيْهَا. فَعَلَى كُلِّ حَالٍ الْأَوْلَى حَسْمُ مِثْلِ هَذِهِ الْمَادَّةِ. وَهَذَا مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[مَطْلَبٌ: يَخْتَارُ الرَّجُلُ زَوْجَةً ذَاتَ أَصْلٍ]
ثُمَّ أَخَذَ النَّاظِمُ يُبَيِّنُ لِمَنْ أَرَادَ الزَّوَاجَ مَنْ يَتَزَوَّجُ وَيُحَذِّرُهُ مِنْ الِاغْتِرَارِ
بِالْجَمَالِ وَعَدَمِ اعْتِبَارِ الْأَصْلِ، وَيُعْلِمُهُ أَنَّ الْأَوْلَى لَهُ أَنْ يَخْتَارَ لِنُطْفَتِهِ. وَبَدَأَ بِالتَّنْفِيرِ عَنْ حَسْنَاءِ الذَّاتِ قَبِيحَةِ الصِّفَاتِ فَقَالَ:
مَطْلَبٌ: يَخْتَارُ الرَّجُلُ زَوْجَةً ذَاتَ أَصْلٍ:
وَإِيَّاكَ يَا هَذَا وَرَوْضَةَ دِمْنَةٍ
…
سَتَرْجِعُ عَنْ قُرْبٍ إلَى أَصْلِهَا الرَّدِي
(وَإِيَّاكَ يَا هَذَا) أَيْ الْمُسْتَمِعُ لِنِظَامِي، الْمُحْتَفِلُ بِكَلَامِي، الْمُسْتَشِيرُ مِنِّي، وَالطَّالِبُ لِلنَّصِيحَةِ مِنْ جِهَتِي، وَالنَّاقِلُ لَهَا عَنِّي (وَرَوْضَةَ دِمْنَةٍ) أَيْ احْذَرْهَا وَلَا تَقْرَبْهَا وَلَا تَرْغَبْ فِيهَا، بَلْ ارْغَبْ عَنْهَا. وَالرَّوْضَةُ هِيَ الْمَكَانُ الَّذِي فِيهِ نَبَاتٌ مُجْتَمِعٌ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَلَا يَكُونُ إلَّا فِي ارْتِفَاعٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: وَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ مَاءٍ. قَالَهُ فِي الْمَطَالِعِ. وَفِي الْقَامُوسِ: الرَّوْضَةُ وَالرِّيضَةُ بِالْكَسْرِ مِنْ الرَّمْلِ وَالْعُشْبِ مُسْتَنْقَعُ الْمَاءِ فِيهَا. وَالدِّمْنَةُ آثَارُ الدَّارِ وَالْمَوْضِعُ الْقَرِيبِ مِنْهَا وَالْجَمْعُ دِمَنٌ.
وَفِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْأَفْرَادِ وَالْعَسْكَرِيُّ فِي الْأَمْثَالِ «إيَّاكُمْ وَخَضْرَاءَ الدِّمَنِ، قَالُوا وَمَا خَضْرَاءُ الدِّمَنِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ الْمَرْأَةُ الْجَمِيلَةُ مِنْ الْمَنْبَتِ السُّوءِ» وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَا يَصِحُّ مِنْ وَجْهٍ. وَمَعْنَى كَلَامِ النَّاظِمِ التَّحْذِيرُ مِنْ الْبِنْتِ الْجَمِيلَةِ إذَا كَانَتْ مِنْ بَيْتٍ مُتَّصِفِينَ بِغَيْرِ الْعَفَافِ، فَإِنَّ الْفُرُوعَ تَتْبَعُ الْأُصُولَ غَالِبًا.
وَلِذَا قَالَ (سَتَرْجِعُ) تِلْكَ الْبِنْتُ وَإِنْ كَانَتْ جَمِيلَةً وَمُتَّصِفَةً بِالْعِفَّةِ (عَنْ قُرْبٍ) وَلَوْ تَسَتَّرَتْ بِالْعَفَافِ (إلَى أَصْلِهَا) وَمَنْبَتِهَا (الرَّدِي) غَالِبًا. وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ رحمه الله فِي صَيْدِ الْخَاطِرِ: يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى الْأُصُولِ فِيمَنْ يُخَالِطُهُ وَيُعَاشِرُهُ وَيُشَارِكُهُ وَيُصَادِقُهُ وَيُزَوِّجُهُ أَوْ يَتَزَوَّجُ إلَيْهِ، ثُمَّ يَنْظُرُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الصُّوَرِ، فَإِنَّ صَلَاحَهَا دَلِيلٌ عَلَى صَلَاحِ الْبَاطِنِ.
قَالَ: أَمَّا الْأُصُولُ فَإِنَّ الشَّيْءَ يَرْجِعُ إلَى أَصْلِهِ. وَبَعِيدٌ مِمَّنْ لَا أَصْلَ لَهُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَعْنًى مُسْتَحْسَنٌ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ الْحَسْنَاءَ إذَا كَانَتْ مِنْ بَيْتٍ رَدِيءٍ فَقَلَّ أَنْ تَكُونَ أَمِينَةً. وَكَذَلِكَ أَيْضًا الْمُخَالِطُ وَالصَّدِيقُ وَالْمُبَاضِعُ وَالْمُعَاشِرُ فَإِيَّاكَ أَنْ تُخَالِطَ إلَّا مَنْ لَهُ أَصْلٌ يَخَافُ عَلَيْهِ الدَّنَسَ، فَالْغَالِبُ السَّلَامَةُ، وَإِنْ وَقَعَ خِلَافُ ذَلِكَ كَانَ نَادِرًا.
وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِرَجُلٍ: أَشِرْ عَلَيَّ فِيمَنْ أَسْتَعْمِلُ؟ فَقَالَ: أَمَّا