الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مَطْلَبٌ: فِي حِكْمَةِ تَحْرِيمِ لُبْسِ الْحَرِيرِ
.
(الرَّابِعُ) : قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: لِبَاسُ الْحَرِيرِ أَنْفَعُ وَأَعْدَلُ اللِّبَاسِ فَلِمَ حَرَّمَهُ الشَّرْعُ؟ فَأَجَابَ قِيلَ لِتَصْبِرَ النَّفْسُ عَنْهُ فَتُثَابَ وَلَهَا عِوَضٌ عَنْهُ وَقِيلَ فِي إبَاحَتِهِ مَفْسَدَةُ تَشَبُّهِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ. وَقِيلَ لِمَا يُورِثُ لُبْسُهُ مِنْ الْأُنُوثَةِ وَالتَّخَنُّثِ. وَقِيلَ لِمَا يُورِثُ لُبْسُهُ مِنْ الْفَخْرِ، وَالْعُجْبِ، وَمَنْ لَمْ يَرَ الْحِكَمَ وَالتَّعْلِيلَ لِلْأَحْكَامِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى جَوَابٍ. وَاَللَّهُ وَلِيُّ الْأَسْبَابِ جَلَّ شَأْنُهُ وَتَعَالَى سُلْطَانُهُ.
مَطْلَبٌ: فِي حُكْمِ مَا يَصْنَعُهُ الْآنَ أَهْلُ الشَّامِ مِنْ الْكَرْمَسُوتِ وَالْأَطَالِسِ وَمَا شَاكَلَهَا
(الْخَامِسُ) : قَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي الْمَذْهَبِ اعْتِبَارُ الظُّهُورِ، فَإِنْ كَانَ لِلْحَرِيرِ حَرُمَ وَإِلَّا أُبِيحَ، وَقَدْ اتَّفَقَ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى إبَاحَةِ مَا سُدِّيَ بِالْحَرِيرِ وَأُلْحِمَ بِغَيْرِهِ، مَعَ تَقْدِيمِهِمْ أَوَّلًا فِي كُتُبِهِمْ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالظُّهُورِ. وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَا يَصْنَعُهُ أَهْلُ الشَّامِ الْآنَ مِنْ الْبُرُودِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الدَّابُولِيَّ والكرمسوني، وَالْأَطَالِسَ وَنَحْوَهَا يُسَدُّونَهَا بِالْحَرِيرِ وَيُلْحِمُونَهَا بِنَحْوِ الْقُطْنِ، وَالْكَتَّانِ، لَكِنْ يَكُونُ الظُّهُورُ لِلْحَرِيرِ دُونَ غَيْرِهِ، فَإِنْ أَخَذْنَا بِعُمُومِ اعْتِبَارِ الظُّهُورِ يَكُونُ مِثْلُ هَذَا مَحْظُورًا، وَإِنْ أَخَذْنَا بِعُمُومِ أَنَّ كُلَّ مَا سُدِّيَ بِالْحَرِيرِ وَأُلْحِمَ بِغَيْرِهِ يَكُونُ مُبَاحًا يَكُونُ مِثْلُ هَذَا مُبَاحًا.
وَلَمْ يَزُلْ الْإِشْكَالُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْمَذْهَبِ حَتَّى حَصَلَ بَيْنَ شَيْخِ مَشَايِخِنَا الْإِمَامِ الْأَوْحَدِ، وَالْقُطْبِ الْفَرْدِ الْأَمْجَدِ مَنْ طَنَّتْ حَصَاتُهُ فِي الْبِلَادِ، وَانْتَفَعَ بِحَالِهِ وَقَالِهِ جُلُّ الْعِبَادِ مِنْ هَذِهِ الْبِلَادِ، مَوْلَانَا الشَّيْخِ أَبِي الْمَوَاهِبِ مُحَمَّدِ بْنِ الشَّيْخِ عَبْدِ الْبَاقِي مُفْتِي السَّادَةِ الْحَنَابِلَةِ فِي الدِّيَارِ الشَّامِيَّةِ وَابْنِ مُفْتِيهَا، وَبَيْنَ أَفْضَلِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَخَاتِمَةِ الْمُحَقِّقِينَ، الشَّيْخِ عُثْمَانَ النَّجْدِيِّ صَاحِبِ شَرْحِ عُمْدَةِ الشَّيْخِ مَنْصُورٍ وَحَاشِيَةِ الْمُنْتَهَى نِزَاعٌ. فَقَالَ مَوْلَانَا أَبُو الْمَوَاهِبِ بِالْإِبَاحَةِ، وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ عُثْمَانُ بِالْحَظْرِ، فَحَصَلَ لِلْمُحَقِّقِ الشَّيْخِ عُثْمَانَ بِسَبَبِ ذَلِكَ زَعَلٌ وَضِيقُ صَدْرٍ، مَعَ مَا جَبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّجْدِيِّينَ مِنْ الْحِدَّةِ أَوْجَبَ خُرُوجَهُ مِنْ الشَّامِ إلَى مِصْرَ وَلَمْ يَزَلْ مُسْتَوْطِنَهَا حَتَّى
تُوُفِّيَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَكَتَبَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي عِدَّةِ أَمَاكِنَ مِنْهَا مَا كَتَبَهُ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ عَلَى قَوْلِ الْمَاتِنِ: وَيُبَاحُ مَا سُدِّيَ بِإِبْرَيْسَمٍ وَأُلْحِمَ بِغَيْرِهِ أَيْ غَيْرِ الْإِبْرَيْسَمِ مِنْ نَحْوِ صُوفٍ أَوْ قُطْنٍ. قَالَ: لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْحَرِيرُ مُسْتَتِرًا وَغَيْرُ الْحَرِيرِ هُوَ الظَّاهِرَ، وَإِلَّا بِأَنْ ظَهَرَ الْحَرِيرُ وَاسْتَتَرَ غَيْرُهُ فَهُوَ كَالْمُلْحَمِ الْمُحَرَّمِ، كَمَا قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَقُدَمَاءِ الْأَصْحَابِ إبَاحَةُ الْخَزِّ دُونَ الْمُلْحَمِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، يَعْنِي م ص، وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ: الْمُلْحَمُ مَا سُدِّيَ بِغَيْرِ الْحَرِيرِ وَأُلْحِمَ بِهِ انْتَهَى. فَالْمُلْحَمُ عَكْسُ الْخَزِّ صُورَةً وَحُكْمًا، وَقَدْ اشْتَبَهَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ نَحْوُ الثِّيَابِ الْبَغْدَادِيَّةِ مِمَّا يُسَدَّى بِالْحَرِيرِ وَيُلْحَمُ بِالْقُطْنِ، لَكِنْ مَعَ ظُهُورِ الْحَرِيرِ وَاسْتِتَارِ الْقُطْنِ، فَتَوَهَّمُوا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْخَزِّ الْمُبَاحِ وَغَفَلُوا عَنْ شَرْطِ الْخَزِّ، أَعْنِي اسْتِتَارَ الْحَرِيرِ وَظُهُورَ غَيْرِهِ. وَهَذَا شَرْطٌ لَا بُدَّ مِنْهُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَوَاضِعُ مِنْ كَلَامِهِمْ كَمَا فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ لِابْنِ قُنْدُسٍ وَغَيْرِهَا. انْتَهَى. وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: وَقَدْ اشْتَبَهَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ الْإِمَامَ أَبَا الْمَوَاهِبِ وَأَصْحَابَنَا الشَّامِيِّينَ، وَكَذَا كَتَبَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي حَوَاشِي الْمُنْتَهَى وَلَمْ يُطِلْ الْكِتَابَةَ.، ثُمَّ إنَّهُ حَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ فِي رِسَالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ وَسَأَذْكُرُهَا جُمْلَةً.
قَالَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ، وَالْحَمْدَلَةِ وَالتَّصْلِيَةِ: وَبَعْدُ، فَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ فِي تَحْقِيقِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْخَزِّ، وَالْمُلْحَمِ مَعْنًى وَحُكْمًا، وَالْكَلَامُ عَلَيْهَا مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: فِي الْخَزِّ، وَهُوَ كَمَا عَرَّفَهُ صَاحِبُ الْإِقْنَاعِ، وَالْمُنْتَهَى، وَغَيْرُهُمَا مَا سُدِّيَ بِإِبْرَيْسَمٍ وَأُلْحِمَ بِوَبَرٍ، أَوْ صُوفٍ وَنَحْوِهِ.
الثَّانِي: فِي الْمُلْحَمِ، وَهُوَ كَمَا فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ مَا سُدِّيَ بِغَيْرِ الْحَرِيرِ وَأُلْحِمَ بِهِ فَهُوَ عَكْسُ الْخَزِّ.
الثَّالِثُ: فِي حُكْمِهِمَا فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: لَا شَكَّ فِي أَنَّ الْخَزَّ الْمَذْكُورَ مُبَاحٌ، وَأَنَّ الْمُلْحَمَ حَرَامٌ، وَهَذَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَقُدَمَاءِ الْأَصْحَابِ إبَاحَةُ الْخَزِّ دُونَ الْمُلْحَمِ وَغَيْرِهِ وَيُلْبَسُ الْخَزُّ وَلَا يُلْبَسُ الْمُلْحَمُ وَلَا الدِّيبَاجُ انْتَهَى.
(الرَّابِعُ) : أَنَّ قَوْلَهُمْ فِي الْخَزِّ مَا سُدِّيَ بِإِبْرَيْسَمٍ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ السَّدَى
مُسْتَتِرًا وَلُحْمَتُهُ ظَاهِرَةً، فَلَوْ ظَهَرَ السَّدَى وَاسْتَتَرَتْ اللُّحْمَةُ كَانَ كَالْمُلْحَمِ حُكْمًا فَلَا شَكَّ فِي تَحْرِيمِهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَوَاضِعُ مِنْ كَلَامِهِمْ: مِنْهَا مَا قَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَغَيْرِهِ: الْخَزُّ مَا سُدِّيَ، بِالْإِبْرَيْسَمِ وَأُلْحِمَ بِوَبَرٍ، أَوْ صُوفٍ وَنَحْوِهِ لِغَلَبَةِ اللُّحْمَةِ عَلَى الْحَرِيرِ انْتَهَى. أَيْ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْغَالِبِ وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا اسْتَتَرَ لَا يَغْلِبُ مَا ظَهَرَ، بَلْ الْحُكْمُ لِلظَّاهِرِ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُمْ: إذَا اسْتَوَى الْحَرِيرُ وَمَا مَعَهُ ظُهُورًا أُبِيحَ. وَعِبَارَةُ الشَّيْخِ مُوسَى فِي شَرْحِ الْآدَابِ: وَإِنْ نُسِجَ أَيْ الْحَرِيرُ مَعَ غَيْرِهِ، فَالْحُكْمُ لِلْأَكْثَرِ ظُهُورًا فَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ ظُهُورًا الْحَرِيرَ حُرِّمَ انْتَهَى.
فَانْظُرْ إلَى مَنَاطِ الْحِلِّ؛ إنَّهُ الظُّهُورُ فَقَطْ أَيْ لَا الْوَزْنُ وَلَا غَيْرُهُ، فَلَوْ كَانَ الْمُسْتَتِرُ كُلُّهُ حَرِيرًا، وَالظَّاهِرُ بَعْضُهُ وَبَرٌ وَبَعْضُهُ غَيْرُهُ لَكِنْ اسْتَوَيَا ظُهُورًا فَهُوَ مُبَاحٌ لِصِدْقِ مَا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، وَهُوَ وَاضِحٌ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَمِنْهَا، وَهُوَ أَصْرَحُهَا، بَلْ الْعُمْدَةُ عَلَيْهِ مَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ قُنْدُسٍ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ بَعْدَ كَلَامٍ ذَكَرَهُ عَنْ الِاخْتِيَارَاتِ فِي الْخَزِّ، وَالْمُلْحَمِ قَالَ: وَالْخَزُّ أَخَفُّ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ سَدَاهُ حَرِيرٌ وَالسَّدَى أَيْسَرُ مِنْ اللُّحْمَةِ، وَهُوَ الَّذِي بَيَّنَ ابْنُ عَبَّاسٍ جَوَازَهُ بِقَوْلِهِ، فَأَمَّا الْعَلَمُ مِنْ الْحَرِيرِ وَالسَّدَى لِلثَّوْبِ فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَالثَّانِي أَنَّ الْخَزَّ ثَخِينٌ، وَالْحَرِيرَ مَسْتُورٌ بِالْوَبَرِ فِيهِ فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْحَشْوِ، قَالَ: وَالْخَزُّ اسْمٌ لِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: لِلْوَبَرِ الَّذِي يُنْسَجُ مَعَهُ الْحَرِيرُ، وَهُوَ وَبَرُ الْأَرْنَبِ، وَاسْمٌ لِمَجْمُوعِ الْحَرِيرِ، وَالْوَبَرِ، وَاسْمٌ لِرَدِيءِ الْحَرِيرِ، وَالْأَوَّلُ وَالثَّانِي حَلَالٌ وَالثَّالِثُ حَرَامٌ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ النَّجْدِيُّ: فَقَدْ تَبَيَّنَ بِمَجْمُوعِ ذَلِكَ أَنَّ الْخَزَّ الْمُبَاحَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْحَرِيرُ فِيهِ مَسْتُورًا وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ الْخَزُّ اسْمًا لِمَا سُدِّيَ بِالْإِبْرَيْسَمِ، وَلَوْ ظَهَرَ السَّدَى لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُلْحَمُ اسْمًا لِمَا أُلْحِمَ بِالْإِبْرَيْسَمِ، وَلَوْ اسْتَتَرَتْ اللُّحْمَةُ؛ لِأَنَّهُ عَكْسُ الْخَزِّ كَمَا تَقَدَّمَ، فَيُفْضِي إلَى تَحْرِيمِ ثَوْبٍ سُدِّيَ بِغَيْرِ الْحَرِيرِ وَأُلْحِمَ بِالْحَرِيرِ، وَالظَّاهِرُ كُلُّهُ غَيْرُ الْحَرِيرِ وَإِلَى إبَاحَةِ عَكْسِهِ، وَهُوَ ثَوْبٌ سُدِّيَ بِحَرِيرٍ وَأُلْحِمَ بِغَيْرِهِ وَالظَّاهِرُ كُلُّهُ الْحَرِيرُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْبُعْدِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ انْتَهَى كَلَامُهُ بِحُرُوفِهِ. وَأَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ وَمِنْهُ أَسْتَمِدُّ الْمَعُونَةَ وَالتَّحْقِيقَ:
كَلَامُ النَّجْدِيِّ غَيْرُ بَعِيدٍ، وَهُوَ فِي غَايَةِ التَّدْقِيقِ وَمَطْمَحُ نَظَرِهِ إلَى عِلَّةِ التَّحْرِيمِ، وَالْإِبَاحَةِ. وَنَحْنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ نُبَيِّنُ وَجْهَ مَأْخَذِ شَيْخِ مَشَايِخِنَا الْإِمَامِ أَبِي الْمَوَاهِبِ، وَمَا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ مِنْ عَدَمِ حُرْمَةِ مَا سُدِّيَ بِالْحَرِيرِ وَأُلْحِمَ بِغَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ الظُّهُورُ لِلْحَرِيرِ: اعْلَمْ أَنَّ عِبَارَةَ الْإِقْنَاعِ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَيَحْرُمُ عَلَى رَجُلٍ، وَلَوْ كَافِرًا وَخُنْثَى لُبْسُ ثِيَابِ حَرِيرٍ إلَخْ، وَكَذَا مَا غَالِبُهُ حَرِيرٌ ظُهُورًا لَا إذَا اسْتَوَيَا ظُهُورًا وَوَزْنًا، أَوْ كَانَ الْحَرِيرُ أَكْثَرَ وَزْنًا وَالظُّهُورُ لِغَيْرِهِ، وَلَا يَحْرُمُ خَزٌّ، وَهُوَ مَا سُدِّيَ بِإِبْرَيْسَمٍ وَأُلْحِمَ بِوَبَرٍ، أَوْ صُوفٍ وَنَحْوِهِ. وَعِبَارَةُ الْمُنْتَهَى: وَيَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ أُنْثَى حَتَّى كَافِرٍ لُبْسُ مَا كُلُّهُ، أَوْ غَالِبُهُ حَرِيرٌ، إلَى أَنْ قَالَ لَا حَرِيرٌ سَاوَى مَا نُسِجَ مَعَهُ ظُهُورًا (وَخَزٌّ) أَيْ وَلَا يَحْرُمُ خَزٌّ قَالَ: وَهُوَ مَا سُدِّيَ بِإِبْرَيْسَمٍ وَأُلْحِمَ بِصُوفٍ، أَوْ وَبَرٍ وَنَحْوِهِ. قَالَ الشَّارِحُ: كَقُطْنٍ وَكَتَّانٍ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «إنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ الثَّوْبِ الْمُصْمَتِ مِنْ الْحَرِيرِ أَمَّا عَلَمُ وَسَدَى الثَّوْبِ فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْأَثْرَمُ، وَكَذَا عِبَارَةُ الْغَايَةِ فَجَعَلُوا مَا نُسِجَ بِالْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ مَسْأَلَةً مُسْتَقِلَّةً وَهَذِهِ اعْتَبَرُوا فِيهَا الظُّهُورَ، فَمَا غَلَبَ ظُهُورُهُ كَانَ الْحُكْمُ لَهُ وَحِينَئِذٍ تَشْمَلُ ثَلَاثَ صُوَرٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُسَدَّى بِالْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ وَيُلْحَمَ كَذَلِكَ، أَوْ يُسَدَّى بِغَيْرِ الْحَرِيرِ وَيُلْحَمَ بِهِ، أَوْ يُسَدَّى بِغَيْرِ الْحَرِيرِ وَيُلْحَمَ بِهِ وَبِغَيْرِهِ. فَهَذِهِ الثَّلَاثُ صُوَرٍ نَعْتَبِرُ فِيهَا أَغْلَبِيَّةَ الظُّهُورِ، فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ ظُهُورًا الْحَرِيرَ حَرُمَ وَإِلَّا فَلَا.
ثُمَّ قَالُوا: وَلَا يَحْرُمُ خَزٌّ فَجَعَلُوهَا مَسْأَلَةً مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِهَا غَيْرَ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَعَطَفُوهَا بِالْوَاوِ وَلَمْ يَعْتَبِرُوا فِيهَا الظُّهُورَ، بَلْ أَطْلَقُوا إبَاحَةَ مَا سُدِّيَ بِالْحَرِيرِ وَأُلْحِمَ بِغَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ مَا قَالَهُ الْمُحَقِّقُ النَّجْدِيُّ مُرَادًا لَقَيَّدُوهُ بِمُلَاحَظَةِ قَيْدِ مَا تَقَدَّمَ، أَوْ كَانَ الشُّرَّاحُ نَبَّهُوا عَلَيْهِ. وَكَانَ الْأَصْوَبُ فِي عِبَارَاتِهِمْ تَأْخِيرَ هَذَا الْقَيْدِ عَنْ الْمَسْأَلَةِ، فَكَانُوا يَقُولُونَ: وَيُبَاحُ الْخَزُّ وَمَا نُسِجَ مِنْ حَرِيرٍ وَغَيْرِهِ إذَا كَانَ غَيْرُ الْحَرِيرِ أَغْلَبَ ظُهُورًا، أَوْ كَانَ الْحَرِيرُ وَغَيْرُهُ سِيَّانِ. فَلَمَّا فَصَلُوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَأَخَّرُوهَا عَنْ الْقَيْدِ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ غَيْرُ مُعْتَبِرِينَ هَذَا الْقَيْدَ.
وَأَيْضًا أَيُّ فَائِدَةٍ فِي التَّنْصِيصِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ مُلَاحَظَةِ هَذَا الْقَيْدِ، فَإِنَّهَا لَمْ تُفِدْنَا شَيْئًا، إذْ هِيَ نَسْجُ حَرِيرٍ وَغَيْرِهِ، فَيَكُونُ ذِكْرُهَا بَعْدَمَا ذَكَرُوهُ أَوَّلًا تَكْرَارًا بِلَا فَائِدَةٍ، إذْ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمَا لَا مَعْنًى وَلَا حُكْمًا مَعَ اعْتِنَائِهِمْ بِالِاخْتِصَارِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ حَذَفُوا مَسْأَلَةَ الْمُلْحَمِ لِمَا شَمِلَتْهُ الْعِبَارَةُ الْأُولَى، وَهَذَا ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَ بِالْإِنْصَافِ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ النَّجْدِيِّ بِكَلَامِ الْحَجَّاوِيِّ، فَإِنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَهُ عِنْدَ قَوْلِ النَّاظِمِ مِنْ مُصْمَتٍ زِدْ. قَالَ: يَعْنِي إنَّمَا يَحْرُمُ لُبْسُ الْحَرِيرِ الْمُصْمَتِ أَيْ الصِّرْفِ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ، فَإِنْ نُسِجَ مَعَ غَيْرِهِ فَالْحُكْمُ لِلْأَكْثَرِ ظُهُورًا، فَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ ظُهُورًا الْحَرِيرَ حَرُمَ، وَإِنْ اسْتَوَيَا ظُهُورًا، أَوْ وَزْنًا فَفِيهِ وَجْهَانِ، الْمَذْهَبُ الْإِبَاحَةُ انْتَهَى.
وَنَحْنُ لَا نَشُكُّ أَنَّ مُرَادَ الْحَجَّاوِيِّ فِي شَرْحِ الْآدَابِ هُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي إقْنَاعِهِ، وَحِينَئِذٍ يُرْجَعُ إلَى مَا قَرَّرْنَا مِنْ أَنَّهُ نَسْجُ الْحَرِيرِ مَعَ غَيْرِهِ فِي غَيْرِ مَا إذَا سُدِّيَ بِالْحَرِيرِ وَأُلْحِمَ بِغَيْرِهِ كَمَا فِي إقْنَاعِهِ، ثُمَّ هُوَ مَأْخَذُ كَلَامِهِ مِنْ الْآدَابِ الْكُبْرَى وَعِبَارَتُهُ: قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا: وَيُبَاحُ الْخَزُّ نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ حَرِيرٌ وَوَبَرٌ طَاهِرٌ مِنْ أَرْنَبٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْخَزِّ نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَعَلَهُ ابْنُ عَقِيلٍ كَغَيْرِهِ مِنْ الثِّيَابِ الْمَنْسُوجَةِ مِنْ الْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ. وَفَرَّقَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ هَذَا لَبِسَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَذَاكَ مُحْدَثٌ. ذَكَرَهُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ.
وَفِي رِوَايَةِ بَكْرٍ أَوْمَأَ إلَى فَرْقٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْخَزَّ لَا سَرَفَ فِيهِ وَلَا خُيَلَاءَ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي عَدَمِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ مَا نُسِجَ أَيْ مِنْ الْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ وَبَيْنَ الْخَزِّ الَّذِي سُدِّيَ بِالْحَرِيرِ وَأُلْحِمَ بِغَيْرِهِ. وَعَلَى كَلَامِ النَّجْدِيِّ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ، وَهُوَ خِلَافُ نَصِّ الْإِمَامِ. قُلْت: وَأَصْرَحُ مِنْ هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ خَاتِمَةُ الْمُرَجِّحِينَ الْقَاضِي عَلَاءُ الدِّينِ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ قَالَ: قَوْلُهُ: وَكَذَا الْخَزُّ عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِ وَأَبَاحَهُ أَحْمَدُ انْتَهَى، يَعْنِي أَنَّ الْخَزَّ عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِ كَالْحَرِيرِ فِي الْحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ. فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ عَقِيلٍ يَكُونُ فِيهِ الْخِلَافُ الْمُطْلَقُ إذَا اسْتَوَيَا، وَقَدْ عَلِمْت الصَّحِيحَ مِنْهُ. قَالَ: وَالصَّحِيحُ إبَاحَتُهُ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي
وَالشَّرْحِ وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْآدَابِ وَغَيْرِهِ انْتَهَى.
وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ عَنْ الْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ فَقَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: الْخَزُّ مَا عُمِلَ مِنْ صُوفٍ وَإِبْرَيْسَمٍ قَالَهُ فِي الْمَطْلَعِ فِي النَّفَقَاتِ، وَقَالَ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ مَا عُمِلَ مِنْ إبْرَيْسَمٍ وَوَبَرِ طَاهِرٍ كَالْأَرْنَبِ وَغَيْرِهَا وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الرِّعَايَةِ وَالْآدَابِ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَغَيْرِهِ: الْخَزُّ مَا سُدِّيَ بِالْإِبْرَيْسَمِ وَأُلْحِمَ بِوَبَرٍ، أَوْ صُوفٍ وَنَحْوِهِ لِغَلَبَةِ اللُّحْمَةِ عَلَى الْحَرِيرِ انْتَهَى.
فَذَكَرَ كَلَامَهُ مُؤَخَّرًا عَنْ كَلَامِ غَيْرِهِ، ثُمَّ إنَّ الْمَجْدَ لَمْ يَجْعَلْهُ قَيْدًا، وَإِنَّمَا أَبْدَاهُ حِكْمَةً، وَلَوْ كَانَ كَمَا ذَكَرَ النَّجْدِيُّ لَقَالَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْحَرِيرُ مَغْلُوبًا فِي الظُّهُورِ، ثُمَّ إنَّا لَا نَدْرِي عَلَى مَاذَا فَرَّعَهُ، فَإِنَّ لِعُلَمَائِنَا قَوْلَيْنِ فِي الْأَغْلَبِيَّةِ هَلْ هِيَ فِي الْوَزْنِ أَوْ الظُّهُورِ كَمَا أَطْلَقَ الْخِلَافَ فِي الْفُرُوعِ وَأَطْلَقَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَصَاحِبُ الْفَائِقِ وَجَمَاعَةٌ كَمَا مَرَّ.
وَقَالَ الْحَجَّاوِيُّ فِي لُغَةِ إقْنَاعِهِ: الْخَزُّ ثِيَابٌ تُنْسَجُ مِنْ صُوفٍ وَإِبْرَيْسَمٍ، وَهِيَ مُبَاحَةٌ. قَالَ فِي الْمَطْلَعِ: وَالْخَزُّ الْمَعْرُوفُ الْآنَ كُلُّهُ مِنْ الْإِبْرَيْسَمِ، وَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الذُّكُورِ انْتَهَى.
وَأَمَّا مَا جَعَلَهُ عُمْدَةَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ، وَهُوَ كَلَامُ الْعَلَّامَةِ ابْنِ قُنْدُسٍ فَنَحْنُ نَسُوقُ كَلَامَهُ بِحُرُوفِهِ. قَالَ رحمه الله: قَوْلُهُ: وَكَذَا الْخَزُّ عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِ وَأَبَاحَهُ أَحْمَدُ الْخَزُّ تُنْسَجُ مِنْ صُوفٍ وَحَرِيرٍ. قَالَ فِي الْمَطْلَعِ: قَالَ أَبُو السَّعَادَاتِ: الْخَزُّ الْمَعْرُوفُ أَوَّلًا ثِيَابٌ تُنْسَجُ مِنْ صُوفٍ وَإِبْرَيْسَمٍ وَالْإِبْرَيْسَمُ هُوَ الْحَرِيرُ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَأَمَّا الْخَزُّ فَقَدْ لَبِسَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ: وَقَدْ اخْتَلَفَ عَلَيْنَا فِي سَدَى ذَلِكَ الْخَزِّ، فَقَالَ قَوْمٌ كَانَ سَدَاه قُطْنًا، وَقَالَ آخَرُونَ حَرِيرًا، وَالْمَعْرُوفُ مِنْ خَزِّنَا الْيَوْمَ أَنَّ سَدَاهُ حَرِيرٌ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ قُنْدُسٍ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ فَائِدَةٌ: قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ: قُلْنَا لِعَلِيٍّ رضي الله عنه مَا الْقَسِّيَّةُ؟ قَالَ: ثِيَابٌ أَتَتْنَا مِنْ الشَّامِ، أَوْ مِنْ مِصْرَ فِيهَا حَرِيرٌ أَمْثَالُ الْأُتْرُجِّ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هِيَ ثِيَابٌ يُؤْتَى بِهَا مِنْ مِصْرَ فِيهَا حَرِيرٌ، فَقَدْ اتَّفَقُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّهَا ثِيَابٌ فِيهَا حَرِيرٌ وَلَيْسَتْ
حَرِيرًا مُصْمَتًا، وَهَذَا هُوَ الْمُلْحَمُ، وَالْخَزُّ أَخَفُّ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَنَّ سَدَاهُ حَرِيرٌ وَالسَّدَى أَيْسَرُ مِنْ اللُّحْمَةِ، وَهُوَ الَّذِي بَيَّنَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما جَوَازَهُ بِقَوْلِهِ: فَأَمَّا الْعَلَمُ مِنْ الْحَرِيرِ وَالسَّدَى لِلثَّوْبِ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْخَزَّ ثَخِينٌ، وَالْحَرِيرَ مَسْتُورٌ بِالْوَبَرِ فِيهِ فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْحَشْوِ، ثُمَّ قَالَ: وَالْخَزُّ اسْمٌ لِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ لِلْوَبَرِ الَّذِي يُنْسَجُ مَعَ الْحَرِيرِ، وَهُوَ وَبَرُ الْأَرْنَبِ، وَاسْمٌ لِمَجْمُوعِ الْحَرِيرِ، وَالْوَبَرِ، وَاسْمٌ لِرَدِيءِ الْحَرِيرِ، وَالْأَوَّلُ وَالثَّانِي حَلَالٌ، وَالثَّالِثُ حَرَامٌ، وَجَعَلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُلْحَمَ، وَالْقَسِّيَّ، وَالْخَزَّ مِنْ صُوَرِ الْوَجْهَيْنِ، وَجَعَلَ التَّحْرِيمَ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ - لِأَنَّهُ حَرَّمَ الْمُلْحَمَ، وَالْقَسِّيَّ -، وَالْإِبَاحَةَ قَوْلَ ابْنِ الْبَنَّا؛؛ لِأَنَّهُ أَبَاحَ الْخَزَّ. قَالَ وَهَذَا لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: وَيُلْبَسُ الْخَزُّ وَلَا يُلْبَسُ الْمُلْحَمُ وَلَا الدِّيبَاجُ. وَأَمَّا الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَقُدَمَاءِ الْأَصْحَابِ فَإِبَاحَةُ الْخَزِّ دُونَ الْمُلْحَمِ وَغَيْرِهِ. فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ فِي الْخَزِّ خِلَافًا فَقَدْ غَلِطَ، وَأَنَّ الشَّيْخَ ذَكَرَ الْمَنْسُوجَ مِنْ الْحَرِيرِ، وَالْوَبَرِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَنْسُوجَ مِنْ الْحَرِيرِ وَالصُّوفِ وَذَكَرَهُ أَبُو السَّعَادَاتِ فَيَكُونُ قِسْمًا رَابِعًا. انْتَهَى كَلَامُهُ بِحُرُوفِهِ.
فَذَكَرَ مَا ذَكَرَهُ النَّجْدِيُّ فِي مَعْرِضِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُلْحَمِ وَبَيْنَهُ، وَأَنَّهُ أَخَفُّ مِنْ الْمُلْحَمِ مِنْ وَجْهَيْنِ وَلَمْ يَقُلْ لَا يَحِلُّ لُبْسُهُ إلَّا بِشَرْطِ اسْتِتَارِ الْحَرِيرِ وَظُهُورِ الْوَبَرِ، ثُمَّ إنَّ دَلَالَةَ كَلَامِ الْعَلَّامَةِ ابْنِ قُنْدُسٍ عَلَى مَا قَالَهُ النَّجْدِيُّ مِنْ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ، وَفِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ. وَكَلَامُ الْإِقْنَاعِ، وَالْمُنْتَهَى، وَالْغَايَةِ وَغَيْرِهَا صَرِيحٌ فِي إبَاحَةِ مَا سُدِّيَ بِالْحَرِيرِ وَأُلْحِمَ بِغَيْرِهِ مَعَ تَأْخِيرِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ الْقَيْدِ.
قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ إبَاحَةُ الْخَزِّ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَفَرَّقَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِأَنَّهُ لُبْسُ الصَّحَابَةِ وَبِأَنَّهُ لَا سَرَفَ فِيهِ وَلَا خُيَلَاءَ: وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. انْتَهَى.
وَأَمَّا مَا عُمِلَ مِنْ سَقَطِ الْحَرِيرِ وَمُشَاقَّتِهِ وَمَا يُلْقِيهِ الصَّانِعُ مِنْ فِيهِ مِنْ تَقْطِيعِ الطَّاقَاتِ إذَا دُقَّ وَغُزِلَ وَنُسِجَ فَهُوَ كَحَرِيرٍ خَالِصٍ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ سُمِّيَ الْآنَ خَزًّا كَمَا فِي الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
فَإِنْ قُلْت: أَيُّ الْقَوْلَيْنِ أَرْجَحُ مَا فَهِمَهُ النَّجْدِيُّ، أَوْ أَبُو الْمَوَاهِبِ؟