الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نَرَى أَنْ تَلْبَسَهَا يَكْبِتُ اللَّهُ بِهَا عَدُوَّك وَيُسَرُّ الْمُسْلِمُونَ، فَلَبِسَهَا وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَ وَكَانَ جَمِيلًا يَتَلَأْلَأُ وَجْهُهُ فِيهَا، ثُمَّ نَزَلَ فَخَلَعَهَا فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ جَعْفَرٌ وَهَبَهَا لَهُ» . .
مَطْلَبٌ: فِي اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي نِسْبَةِ الصُّوفِيَّةِ
(الثَّانِي) : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي نِسْبَةِ الصُّوفِيَّةِ لِمَاذَا؟ فَقِيلَ: لِلُبْسِهِمْ الصُّوفَ لِاخْتِيَارِهِمْ الْفَقْرَ. وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ تَلْبِيسِ إبْلِيسَ: نُسِبَتْ الصُّوفِيَّةُ إلَى صُوفَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ انْفَرَدَ بِخِدْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ صُوفَةُ، وَاسْمُهُ الْغَوْثُ بْنُ مَرْصُوفَةَ فَنُسِبُوا إلَيْهِ لِمُشَابِهَتِهِمْ إيَّاهُ فِي الِانْقِطَاعِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ رَوَى بِسَنَدِهِ إلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْغَنِيِّ بْنِ سَعِيدٍ الْحَافِظِ قَالَ: سَأَلْت وَلِيدَ بْنَ قَاسِمٍ إلَى أَيِّ شَيْءٍ يُنْسَبُ الصُّوفِيَّةُ؟ فَقَالَ: كَانَ قَوْمٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُقَالُ لَهُمْ صُوفَةُ انْقَطَعُوا إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقَطَنُوا عِنْدَ الْكَعْبَةِ فَمَنْ تَشَبَّهَ بِهِمْ فَهُوَ الصُّوفِيُّ.
وَقِيلَ عَلَى الْأَوَّلِ إنَّمَا سُمِّيَ الْغَوْثُ بْنُ مَرْصُوفَةَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَعِيشُ لِأُمِّهِ أَوْلَادٌ، فَنَذَرَتْ لَئِنْ عَاشَ لَهَا وَلَدٌ لَتُعَلِّقَنَّهُ بِرَأْسِهِ وَلَتَجْعَلَنَّهُ رَبِيطًا بِالْكَعْبَةِ، فَفَعَلَتْ فَقِيلَ لَهُ صُوفَةُ وَلِوَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُمْ مَنْسُوبُونَ لِأَهْلِ الصُّفَّةِ، وَهِيَ سَقِيفَةٌ اتَّخَذَهَا ضُعَفَاءُ الصَّحَابَةِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ حَيٌّ يُقَالُ لَهُمْ صُوفَةُ يَخْدُمُونَ الْكَعْبَةَ فَقِيلَ الصُّوفَةُ نِسْبَةٌ لَهُمْ يَعْنِي أَنَّ أَهْلَ الصُّفَّةِ لَزِمُوا الْقُطُونَ فِي الْمَسْجِدِ الشَّرِيفِ كَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَزِمُوا الْمُقَامَ لِخِدْمَةِ الْكَعْبَةِ. وَقِيلَ لِتَجَمُّعِهِمْ كَمَا يَتَجَمَّعُ الصُّوفُ، وَقِيلَ لِخُشُوعِهِمْ كَصُوفَةٍ مَطْرُوحَةٍ، أَوْ لِلِينِهِمْ كَالصُّوفَةِ. وَقِيلَ إنَّهُ مِنْ صَفَاءِ قُلُوبِهِمْ، أَوْ مِنْ الْمُصَافَاةِ، وَصَحَّحَ هَذَا الْقَوْلَ السَّبْتِيُّ فَقَالَ:
تَخَالَفَ النَّاسُ فِي الصُّوفِيِّ وَاخْتَلَفُوا
…
جَهْلًا فَظَنُّوهُ مُشْتَقًّا مِنْ الصُّوفِ
وَلَسْت أَنْحَلُ هَذَا الِاسْمَ غَيْرَ فَتًى
…
صَافَى فَصُوفِيَ حَتَّى سُمِّيَ الصُّوفِيَّ
مَطْلَبٌ: فِي حُكْمِ لُبْسِ الْقَبَاءِ
(وَلَا) بِلُبْسِ (الْقَبَاءِ) ، وَهُوَ بِالْمَدِّ وَقَصَرَهُ النَّاظِمُ ضَرُورَةً. قَالَ فِي
الْمَطْلَعِ: الْقَبَاءُ مَمْدُودٌ. قَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ: هُوَ مِنْ قَبَوْت إذَا صَمَّمْت، وَهُوَ ثَوْبٌ ضَيِّقٌ مِنْ ثِيَابِ الْعَجَمِ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْقَبْوَةُ انْضِمَامُ مَا بَيْنَ الشَّفَتَيْنِ، وَمِنْهُ الْقَبَاءُ مِنْ الثِّيَابِ جَمْعُهُ أَقْبِيَةٌ، أَيْ لَيْسَ بِلُبْسِهِ بَأْسٌ وَلَا حَرَجٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَبِسَهُ.
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه قَالَ «أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَرُّوجُ حَرِيرٍ فَلَبِسَهُ، ثُمَّ صَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا كَالْكَارِهِ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ» قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: الْفَرُّوجُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا وَبِالْجِيمِ هُوَ الْقَبَاءُ الَّذِي شُقَّ مِنْ خَلْفِهِ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: «لَبِسَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا قَبَاءَ دِيبَاجٍ أُهْدِيَ لَهُ، ثُمَّ أَوْشَكَ أَنْ نَزَعَهُ، فَأَرْسَلَ بِهِ إلَى عُمَرَ، فَقِيلَ: قَدْ أَوْشَكَ مَا نَزَعْته يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: نَهَانِي عَنْهُ جِبْرِيلُ، فَجَاءَهُ عُمَرُ يَبْكِي فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَرِهْتَ أَمْرًا وَأَعْطَيْتَنِيهِ فَمَا لِي؟ فَقَالَ: إنِّي لَمْ أُعْطِكَهُ لِتَلْبَسَهُ إنَّمَا أَعْطَيْتُكَهُ لِتَبِيعَهُ، فَبَاعَهُ عُمَرُ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ»
وَفِي سُنَنِ النَّسَائِيّ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ رضي الله عنهما قَالَ «قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَقْبِيَةً وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ شَيْئًا، فَقَالَ مَخْرَمَةُ: يَا بُنَيَّ انْطَلِقْ بِنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَانْطَلَقْت مَعَهُ فَقَالَ: اُدْخُلْ فَادْعُهُ لِي، فَدَعَوْتُهُ فَخَرَجَ إلَيْهِ. وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ فَقَالَ: خَبَّأْتُ هَذَا لَك. قَالَ: فَنَظَرَ إلَيْهِ، فَقَالَ: رَضِيَ مَخْرَمَةُ» ، وَإِنَّمَا نَزَعَ الْقَبَاءَ فِي الْحَدِيثَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ لِكَوْنِهِ حَرِيرًا، وَكَانَ لُبْسُهُ صلى الله عليه وسلم لَهُ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْحَرِيرِ، فَلَمَّا حُرِّمَ نَزَعَهُ؛ وَلِذَا قَالَ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ «نَهَانِي عَنْهُ جِبْرِيلُ» .
(فَائِدَةٌ) : سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ عَنْ طَرْحِ الْقَبَاءِ عَلَى الْكَتِفَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُدْخِلَ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ، هَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ رضي الله عنه بِأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَقَدْ ذَكَرُوا جَوَازَ ذَلِكَ، قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا مِنْ السَّدْلِ الْمَكْرُوهِ، لِأَنَّ هَذِهِ اللِّبْسَةَ لَيْسَتْ لِبْسَةَ الْيَهُودِ. انْتَهَى.