الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لِأَنَّ (النِّسَاءَ وَدَائِعُ) اللَّهِ عِنْدَنَا (عَوَانٌ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ أَيْ أَسِيرَاتٌ (لَدَيْنَا) أَيْ عِنْدَنَا مَعْشَرَ الرِّجَالِ (احْفَظْ) أَيُّهَا الْأَخُ (وَصِيَّةَ) أَخٍ نَاصِحٍ شَفِيقٍ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْمُرْشِدِ هُنَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم (مُرْشِدِ) لِفِعْلِ الصَّوَابِ، حَرِيصٍ عَلَى مُتَابَعَةِ السُّنَّةِ وَالْكِتَابِ، وَلَا تُهْمِلْ الْعَمَلَ بِهَذِهِ الْوَصَايَا فَتَنْدَمَ إذَا انْكَشَفَ الْغِطَاءُ وَظَهَرَ الْمَكْتُومُ.
فَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ الْجُشَمِيِّ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ يَقُولُ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَذَكَّرَ وَوَعَظَ ثُمَّ قَالَ: «أَلَا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا أَلَا إنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا، فَحَقُّكُمْ عَلَيْهِنَّ أَلَّا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ أَلَا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ» .
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَابْن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ» .
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «إنَّ مِنْ أَكْمَلِ الْمُؤْمِنِينَ إيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَأَلْطَفُهُمْ بِأَهْلِهِ» . وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ عَنْهَا بِلَفْظِ «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» . وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَاجَهْ وَاللَّفْظُ لَهُ. وَلَفْظُ الْحَاكِمِ «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِلنِّسَاءِ» وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.
وَكَانَ غَيُورًا مِنْ غَيْرِ إفْرَاطٍ؛ وَلِذَا قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
مَطْلَبٌ: فِي الْغَيْرَةِ عَلَى النِّسَاءِ وَبَيَانِ أَنْوَاعِهَا
وَلَا تُكْثِرْ الْإِنْكَارَ تُرْمَ بِتُهْمَةٍ
…
وَلَا تَرْفَعَنَّ السَّوْطَ عَنْ كُلِّ مُعْتَدِ
(وَلَا تُكْثِرْ الْإِنْكَارَ) عَلَيْهَا فَإِنَّك تُقَوِّي الْعَيْنَ عَلَيْهَا فَإِنْ فَعَلْت (تُرْمَ)
زَوْجَتُك بِسَبَبِ كَثْرَةِ إنْكَارِكَ عَلَيْهَا (بِتُهْمَةٍ) فِي نَفْسِهَا.
فَيَقُولُ الْفُسَّاقُ: وَأَهْلُ الْفُجُورِ لَوْلَا أَنَّهُ يَعْلَمُ مِنْهَا الْمَكْرُوهَ لَمَا أَكْثَرَ مِنْ إنْكَارِهِ عَلَيْهَا.
وَالتُّهْمَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْوَهْمِ، يُقَالُ اتَّهَمَهُ بِكَذَا اتِّهَامًا، وَاتَّهَمَهُ كَافْتَعَلَهُ وَأَوْهَمَهُ أَدْخَلَ عَلَيْهِ التُّهْمَةَ أَيْ مَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ فَاتُّهِمَ هُوَ فَهُوَ مُتَّهَمٌ وَتَهِيمٌ كَمَا فِي الْقَامُوسِ.
وَفِي الْفُرُوعِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَالَ سُلَيْمَانُ، قُلْت: وَالْمَحْفُوظُ فِي التَّوَارِيخِ وَتَرَاجِمِ الْأَنْبِيَاءِ قَالَ دَاوُد لِابْنِهِ سُلَيْمَانَ عليهما السلام: يَا بُنَيَّ لَا تُكْثِرْ الْغَيْرَةَ عَلَى أَهْلِك مِنْ غَيْرِ رِيبَةٍ فَتُرْمَ بِالشَّرِّ مِنْ أَجْلِك وَإِنْ كَانَتْ بَرِيئَةً.
قُلْت: وَحَدَّثَنِي شَيْخُنَا الشَّيْخُ مُصْطَفَى اللَّبَدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ رَجُلٍ أَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ الْغَيْرَةِ، فَكَانَ لَا يَدَعُ زَوْجَتَهُ تَغِيبُ عَنْ عَيْنِهِ، فَإِذَا ذَهَبَتْ إلَى الْحَمَّامِ جَلَسَ عَلَى بَابِ الْحَمَّامِ حَتَّى تَخْرُجَ فَيَذْهَبَا جَمِيعًا، فَضَجِرَتْ مِنْهُ وَتَبَرَّمَتْ وَقَالَتْ: هَذَا أَمْرٌ يَشُقُّ عَلَيَّ وَأَنْتَ فَضَحْتَنِي، فَقَالَ لَهَا لَا تَطِيبُ نَفْسِي إلَّا مَا دُمْت عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، فَحَمَلَهَا ذَلِكَ عَلَى أَنْ زَنَتْ.
قَالَ لِي شَيْخُنَا: نَظَرَتْ إلَى فَتًى عَابِرِ سَبِيلٍ فَقَالَتْ لَهُ مِنْ طَاقَةٍ إذَا أَذَّنَ الظُّهْرُ فَكُنْ بِالْبَابِ، فَقَالَ أَفْعَلُ، فَلَمَّا كَانَ قُبَيْلَ الْأَذَانِ جَلَسَتْ تَعْجِنُ وَجَلَسَ إلَى جَنْبِهَا، فَلَمَّا صَرَخَ الْمُؤَذِّنُ قَالَتْ لِزَوْجِهَا فُكَّ تِكَّةَ لِبَاسِي فَقَدْ زَحَمَنِي الْبَوْلُ فَفَعَلَ وَمَسَكَتْ التِّكَّةَ بِأَسْنَانِهَا، وَكَانَ بَيْتُ الْخَلَاءِ بِبَابِ الدَّارِ فَعَمَدَتْ إلَيْهِ فَفَتَحَتْ الْبَابَ فَوَجَدَتْ الْفَتَى فَمَكَّنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا ثُمَّ مَسَحَتْ ذَلِكَ فِي مِنْدِيلٍ كَانَ مَعَهَا، وَعَمَدَتْ إلَى عَجِينِهَا وَرَمَتْ بِالْمِنْدِيلِ إلَى زَوْجِهَا، فَقَالَ لَهَا: مَا هَذَا؟ قَالَتْ حَمَلَنِي عَلَيْهِ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنْ فَضِيحَتِي، وَجَعْلُك هَذَا دَيْدَنًا، وَوَاللَّهِ مَا هَذَا مِنْ أَرَبِي وَلَكِنْ أَنْتَ الَّذِي حَمَلْتنِي عَلَيْهِ، فَإِنْ تَرَكْت سِيرَتَك تَرَكْت أَنَا، وَإِلَّا فَلَا، فَتَرَكَا جَمِيعًا.
هَكَذَا قَالَ لِي رحمه الله. وَحَكَى لِي مِنْ هَذَا الْبَابِ حِكَايَاتٍ عَجِيبَةً وَذَكَرَ أَنَّهَا بَلَغَتْهُ عَنْ ثِقَاتٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْمَحْمُودُ مِنْ الْغَيْرَةِ صَوْنُ الْمَرْأَةِ عَنْ اخْتِلَاطِهَا بِالرِّجَالِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ آدَابِ النِّسَاءِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قَالَ لِفَاطِمَةَ عليها السلام -
مَا خَيْرُ النِّسَاءِ؟ قَالَتْ أَنْ لَا يَرَيْنَ الرِّجَالَ وَلَا يَرَوْنَهُنَّ فَقَالَ عَلِيٌّ فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي» .
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: قُلْت قَدْ يُشْكِلُ هَذَا عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُهُ فَيَقُولُ: الرَّجُلُ إذَا رَأَى الْمَرْأَةَ خِيفَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْتَتِنَ فَمَا بَالُ الْمَرْأَةِ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ فَكَمَا أَنَّ الْمَرْأَةَ تُعْجِبُ الرَّجُلَ، فَكَذَلِكَ الرَّجُلُ يُعْجِبُ الْمَرْأَةَ، وَتَشْتَهِيهِ كَمَا يَشْتَهِيهَا، وَلِهَذَا تَنْفِرُ مِنْ الشَّيْخِ كَمَا يَنْفِرُ الرَّجُلُ مِنْ الْعَجُوزِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ «إيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قَالَ: الْحَمْوُ الْمَوْتُ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: مَعْنَى كَرَاهِيَةِ الدُّخُولِ عَلَى النِّسَاءِ عَلَى نَحْوِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ» .
وَالْحَمْوُ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ وَبِإِثْبَاتِ الْوَاوِ أَيْضًا وَبِالْهَمْزَةِ أَيْضًا هُوَ أَبُو الزَّوْجِ وَمَنْ أَدْلَى بِهِ كَالْأَخِ وَالْعَمِّ وَابْنِ الْعَمِّ وَنَحْوِهِمْ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا. وَكَذَا فَسَّرَهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ رضي الله عنه وَغَيْرُهُ. وَأَبُو الْمَرْأَةِ أَيْضًا، وَمَنْ أَدْلَى بِهِ. وَقِيلَ: بَلْ هُوَ قَرِيبُ الزَّوْجِ فَقَطْ وَقِيلَ قَرِيبُ الزَّوْجَةِ فَقَطْ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي مَعْنَاهُ: يَعْنِي فَلْيَمُتْ وَلَا يَفْعَلَنَّ ذَلِكَ. فَإِذَا كَانَ هَذَا رَأْيَهُ فِي أَبِ الزَّوْجِ وَهُوَ مَحْرَمٌ، فَكَيْفَ بِالْغَرِيبِ، انْتَهَى.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ «لَا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» . وَفِي الطَّبَرَانِيِّ عَنْهُ مَرْفُوعًا «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَخْلُوَنَّ بِامْرَأَةٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مَحْرَمٌ» .