الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَأَفْعَالِهِ، وَلَوْ اُعْتُدَّ بِأَقْوَالِهِ لَقُبِلَ إسْلَامُهُ مَعَ تَشَوُّفِ الشَّارِعِ إلَى قَبُولِهِ.
وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ فِي حَالَةٍ يُؤَاخَذُ بِهَا بِالْكُفْرِ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ فِيهَا الْإِسْلَامُ مَعَ تَشَوُّفِ الشَّارِعِ إلَى الْإِسْلَامِ وَحِرْصِهِ عَلَيْهِ. وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهَذَا غَيْرَ أَنَّهُ ظَاهِرٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَبُولُ التَّوْبَةِ تَفَضُّلٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ جَلَّ وَعَلَا، وَتَحْبَطُ الْمَعَاصِي بِهَا، وَالْكُفْرُ بِالْإِسْلَامِ، وَالطَّاعَةُ بِالرِّدَّةِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْمَوْتِ، وَلَا تَحْبَطُ طَاعَةٌ بِمَعْصِيَةٍ غَيْرِ الرِّدَّةِ الْمَذْكُورَةِ.
وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْمَنَّ وَالْأَذَى يُبْطِلُ الصَّدَقَةَ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا تَحْبَطُ طَاعَةٌ بِمَعْصِيَةٍ إلَّا مَا وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، فَيَتَوَقَّفُ الْإِحْبَاطُ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: الْكَبِيرَةُ الْوَاحِدَةُ لَا تُحْبِطُ جَمِيعَ الْحَسَنَاتِ. وَلَكِنْ قَدْ تُحْبِطُ مَا يُقَابِلُهَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَاخْتَارَهُ أَيْضًا فِي مَكَان آخَرَ لِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ وَاحْتَجَّ بِإِبْطَالِ الصَّدَقَةِ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى.
وَقَالَ فِي مَكَان آخَرَ: كَفَّارَةُ الشِّرْكِ التَّوْحِيدُ، وَالْحَسَنَاتُ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
مَطْلَبٌ: هَلْ تُغْفَرُ خَطِيئَةُ مَنْ صَحَّتْ تَوْبَتُهُ
فَقَطْ أَمْ تُغْفَرُ وَيُعْطَى بَدَلَهَا حَسَنَةً؟
(الرَّابِعُ) : مَنْ صَحَّتْ تَوْبَتُهُ فَهَلْ تُغْفَرُ خَطِيئَتُهُ فَقَطْ أَمْ تُغْفَرُ وَيُعْطَى بَدَلَهَا حَسَنَةً. ظَاهِرُ الْأَدِلَّةِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْأَوْلَى وَهُوَ حُصُولُ الْمَغْفِرَةِ خَاصَّةً. وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [الفرقان: 70] فَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: اخْتَلَفُوا فِي هَذَا التَّبْدِيلِ وَفِي زَمَانِ كَوْنِهِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُبَدِّلُ اللَّهُ شِرْكَهُمْ إيمَانًا، وَقَتْلَهُمْ إمْسَاكًا، وَزِنَاهُمْ إحْصَانًا. قَالَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ فِي الدُّنْيَا.
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا الْمَعْنَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَابْنُ زَيْدٍ. وَالثَّانِي يَكُونُ فِي الْآخِرَةِ قَالَهُ سَلْمَانُ رضي الله عنه وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ.
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونِ بْنُ مِهْرَانَ: يُبَدِّلُ اللَّهُ عز وجل سَيِّئَاتِ الْمُؤْمِنِ إذَا غَفَرَهَا لَهُ حَسَنَاتٍ حَتَّى إنَّ الْعَبْدَ يَتَمَنَّى أَنْ تَكُونَ سَيِّئَاتُهُ أَكْبَرَ مِمَّا هِيَ. وَعَنْ الْحَسَنِ كَالْقَوْلَيْنِ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَيُؤَكِّدُ هَذَا الْقَوْلَ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «إنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ وَارْفَعُوا عَنْهُ كِبَارَهَا، فَيُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ فَيُقَالُ عَمِلْت يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ نَعَمْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ، وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِ ذُنُوبِهِ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ، فَيُقَالُ لَهُ إنَّ لَك مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً فَيَقُولُ رَبِّ قَدْ عَمِلْت أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا هُنَا. فَلَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَهَذَا الْحَدِيثُ فِي رَجُلٍ خَاصٍّ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ التَّوْبَةِ، فَيَجُوزُ أَنَّهُ حَصَلَ لَهُ هَذَا بِفَضْلِ رَحْمَةِ اللَّهِ عز وجل لَا بِسَبَبٍ مِنْهُ بِتَوْبَتِهِ وَلَا غَيْرِهَا، كَمَا يُنْشِئُ اللَّهُ عز وجل لِلْجَنَّةِ خَلْقًا بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِهَذَا الْقَوْلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَأَمَّا الْآيَةُ فَهِيَ مُحْتَمَلَةٌ لِلْقَوْلَيْنِ، وَالْأَوَّلُ يُوَافِقُهُ ظَوَاهِرُ عُمُومِ الْأَدِلَّةِ، وَلَا ظُهُورَ فِيهَا لِلْقَوْلِ الثَّانِي، فَكَيْفَ يُقَالُ بِتَبْدِيلٍ خَاصٍّ بِلَا دَلِيلٍ خَاصٍّ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلظَّوَاهِرِ، لَا يُقَالُ كِلَاهُمَا تَبْدِيلٌ، فَمَنْ قَالَ بِالثَّانِي فَقَدْ قَالَ بِظَاهِرِ الْآيَةِ لِأَنَّ التَّبْدِيلَ لَا عُمُومَ فِيهِ، فَإِذَا قِيلَ بِتَبْدِيلٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ يُوَافِقُهُ ظَوَاهِرُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَانَ أَوْلَى. وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِمَنْ شَاءَ اللَّهُ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ أَوْ لِمَنْ بَالَغَ بِأَنْ عَمِلَ صَالِحًا. فَالْقَوْلُ بِالْعُمُومِ لِكُلِّ تَائِبٍ يَفْتَقِرُ إلَى دَلِيلٍ، وَفِي الْآيَةِ وَظَوَاهِرُ الْأَدِلَّةِ مَا يُخَالِفُهُ.
قُلْت: وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَوِيٌّ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ أَرَأَيْت مَنْ عَمِلَ الذُّنُوبَ كُلَّهَا وَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهَا شَيْئًا وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَمْ يَتْرُكْ حَاجَةً وَلَا دَاجَةً إلَّا أَتَاهَا فَهَلْ لِذَلِكَ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ فَهَلْ أَسْلَمْت؟ قَالَ فَأَمَّا أَنَا فَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّك رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ تَفْعَلُ الْخَيْرَاتِ وَتَتْرُكُ السَّيِّئَاتِ يَجْعَلُهُنَّ اللَّهُ لَك خَيْرَاتٍ كُلَّهُنَّ. قَالَ وَغَدَرَاتِي وَفَجَرَاتِي؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ حَتَّى