الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَحَاصِلُ هَذَا كُلِّهِ مَنْ كَانَ فِي مَقَامِ الْمُرَاقَبَةِ فِي جَمِيعِ حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ فَكُلُّ حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ قُرُبَاتٌ وَطَاعَاتٌ. فَكَمْ بَيْنَ الْعَارِفِ الْمُتَيَقِّظِ وَالْجَاهِلِ الْغَفْلَانِ مِنْ الْبُعْدِ وَالْبَوْنِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
مَطْلَبٌ: فِي كَرَاهَةِ النَّوْمِ فَوْقَ سَطْحٍ غَيْرِ مُحَجَّرٍ
وَيُكْرَهُ نَوْمٌ فَوْقَ سَطْحٍ وَلَمْ يُحَطْ
…
عَلَيْهِ بِتَحْجِيرٍ لِخَوْفٍ مِنْ الرَّدِي
(وَيُكْرَهُ) تَنْزِيهًا عَلَى الْأَصَحِّ لِأَنَّ الْغَالِبَ السَّلَامَةُ، وَمَا غَالِبُهُ السَّلَامَةُ لَا يَحْرُمُ فِعْلُهُ وَيَكُونُ النَّهْيُ عَنْهُ لِلْأَدَبِ.
قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَيَتَوَجَّهُ قَوْلٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ اخْتِلَافُ ذَلِكَ بِالْأَشْخَاصِ وَعَادَاتِهِمْ وَصِغَرِ الْأَسْلِحَةِ وَوُسْعِهَا نَظَرًا لِلْمَعْنَى (نَوْمٌ) مِنْ مُكَلَّفٍ وَلَعَلَّهُ وَتَمْكِينُ وَلِيِّ غَيْرِهِ مِنْهُ (فَوْقَ سَطْحٍ) لِبَيْتٍ وَلَعَلَّ مِثْلَهُ شَاهِقٌ مِنْ الْجِبَالِ حَيْثُ خِيفَ مِنْهُ السُّقُوطُ (وَ) الْحَالُ أَنَّ لِلسَّطْحِ وَنَحْوِهِ (لَمْ يُحَطْ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى جَوَانِبِهِ (بِتَحْجِيرٍ) يَمْنَعُ مِنْ السُّقُوطِ عَنْ الْحَائِطِ. وَالْمُرَادُ بِالتَّحْجِيرِ هُنَا الْحُجْرَةُ الَّتِي تُحَاطُ عَلَى السَّطْحِ؛ لِأَنَّهَا تَمْنَعُ صَاحِبَهَا النَّائِمَ مِنْ الْوُقُوعِ، لِأَنَّ النَّوْمَ زَوَالُ شُعُورٍ وَعَقْلٍ، وَقَدْ قِيلَ لِلْعَقْلِ حِجْرٌ لِأَنَّهُ يَحْجُرُ عَلَى صَاحِبِهِ الْجَهْلَ لَا يَقَعُ فِيهِ.
إنَّمَا كُرِهَ النَّوْمُ عَلَى السَّطْحِ الَّذِي لَا تَحْجِيرَ عَلَيْهِ (لِ) أَجْلِ (خَوْفٍ) عَلَى النَّائِمِ (مِنْ) الْفِعْلِ (الرَّدِيءِ) أَيْ الْهُبُوطِ وَالسُّقُوطِ وَالتَّرَدِّي عَنْ السَّطْحِ الْمُؤَدِّي إلَى إتْلَافِ السَّاقِطِ غَالِبًا. وَالشَّارِعُ طَبِيبُ الْأَبْدَانِ، وَمُقَوِّمُ الْأَدْيَانِ، فَلِشِدَّةِ شَفَقَتِهِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ نَهَاهُمْ عَنْ النَّوْمِ كَذَلِكَ وَيَجْرِي كَوْنُ التَّحْجِيرِ مِثْلَ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ.
قَالَ مُثَنَّى: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه: مَا تَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَنَامُ عَلَى سَطْحٍ لَيْسَ بِمُحَجَّرٍ؟ قَالَ مَكْرُوهٌ وَيَجْزِيهِ الذِّرَاعُ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ.
أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلِيٍّ يَعْنِي ابْنَ شَيْبَانَ عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْ بَاتَ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَيْسَ لَهُ حِجَارٌ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ» قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَتِنَا: حِجَارٌ بِالرَّاءِ بَعْدَ الْأَلْفِ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ حِجَابٌ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْحِجَارُ جَمْعُ حِجْرٍ بِالْكَسْرِ هُوَ الْحَائِطُ أَوْ مِنْ الْحُجْرَةِ
وَهِيَ حَظِيرَةُ الْإِبِلِ وَيُرْوَى حِجَابٌ بِالْبَاءِ وَهُوَ مَا يَمْنَعُ مِنْ السُّقُوطِ. وَرَوَاهُ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ حَجَا وَقَالَ يُرْوَى بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِهَا وَمَعْنَاهُ فِيهَا مَعْنَى السِّتْرِ الْمَانِعِ مِنْ السُّقُوطِ بِالْعَقْلِ، وَالْفَتْحُ يُرِيدُ النَّاحِيَةَ وَالطَّرْفَ. وَأَحْجَاءُ الشَّيْءِ نَوَاحِيهِ وَاحِدُهَا حَجَا. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: أَيْ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ اللَّهِ عَهْدٌ بِالْحِفْظِ وَالْكِلَاءَةِ، فَإِذَا أَلْقَى بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ أَوْ فَعَلَ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ أَوْ خَالَفَ مَا أُمِرَ بِهِ خَذَلَتْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ.
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَنَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَطْحٍ لَيْسَ بِمَحْجُورٍ عَلَيْهِ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ. وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «مَنْ رَمَانَا بِاللَّيْلِ فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ رَقَدَ عَلَى سَطْحٍ لَا جِدَارَ لَهُ فَمَاتَ فَدَمُهُ هَدَرٌ» . وَعَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ قَالَ: كُنَّا بِفَارِسَ وَعَلَيْنَا أَمِيرٌ يُقَالُ لَهُ زُهَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَأَبْصَرَ إنْسَانًا فَوْقَ بَيْتٍ أَوْ إجَّارٍ لَيْسَ حَوْلَهُ شَيْءٌ، فَقَالَ: لِي سَمِعْت فِي هَذَا شَيْئًا؟ قُلْت: لَا. قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ «مَنْ بَاتَ فَوْقَ إجَّارٍ أَوْ فَوْقَ بَيْتٍ لَيْسَ حَوْلَهُ شَيْءٌ يَرُدُّ رِجْلَيْهِ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ، وَمَنْ رَكِبَ الْبَحْرَ بَعْدَ مَا يَرْتَجُّ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مَرْفُوعًا هَكَذَا وَمَوْقُوفًا وَرُوَاتُهُمَا ثِقَاتٌ، وَالْبَيْهَقِيُّ مَرْفُوعًا.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ أَيْضًا قَالَ: كُنْت مَعَ زُهَيْرٍ الشَّنَوِيِّ فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ نَائِمٍ عَلَى ظَهْرِ جِدَارٍ وَلَيْسَ لَهُ مَا يَدْفَعُ رِجْلَيْهِ فَضَرَبَ بِرِجْلِهِ ثُمَّ قَالَ قُمْ، ثُمَّ قَالَ زُهَيْرٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ.
قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: الْإِجَّارُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ هُوَ السَّطْحُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.