الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَعَرِقْت عَرَقًا شَدِيدًا فَقَالَ: مَا بَطَّأَ بِك؟ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ كَثْرَةِ مَالِي مَا زِلْت مَوْقُوفًا مُحَاسَبًا أُسْأَلُ عَنْ مَالِي مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبْته وَفِيمَا أَنْفَقْته، فَبَكَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ مِائَةُ رَاحِلَةٍ جَاءَتْنِي اللَّيْلَةَ مِنْ تِجَارَةِ مِصْرَ فَإِنِّي أُشْهِدُك أَنَّهَا عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَة وَأَيْتَامِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ يُخَفِّفُ عَنِّي ذَلِكَ الْيَوْمَ» .
قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: وَقَدْ وَرَدَ مِنْ غَيْرِ مَا وَجْهٍ وَمِنْ حَدِيثِ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ رضي الله عنه يَدْخُلُ الْجَنَّةَ حَبْوًا لِكَثْرَةِ مَالِهِ» وَلَا يَسْلَمُ أَجْوَدُهَا مِنْ مَقَالٍ. وَلَا يَبْلُغُ شَيْءٌ مِنْهَا بِانْفِرَادِ دَرَجَةِ الْحُسْنِ.
وَلَقَدْ كَانَ مَالُهُ رضي الله عنه بِالصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ» فَأَنَّى يُنْقِصُ دَرَجَاتِهِ فِي الْآخِرَةِ وَيُقَصِّرُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ أَغْنِيَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ. فَإِنَّهُ لَمْ يَرِدْ هَذَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ، إنَّمَا صَحَّ سَبْقُ فُقَرَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَغْنِيَاءَهُمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْفَقِيرِ الصَّابِرِ آدَابًا. فَمِنْ جُمْلَتِهَا أَنْ لَا يَكْرَهَ مَا ابْتَلَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ الْفَقْرِ، وَهَذَا وَاجِبٌ عَلَيْهِ. وَأَرْفَعُ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ رَاضِيًا بِالْفَقْرِ. وَأَرْفَعُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ طَالِبًا لَهُ وَفَرِحًا بِهِ، وَلِهَذَا قَالَ النَّاظِمُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
مَطْلَبٌ: فِي اتِّخَاذِ الرِّضَا دِرْعًا، وَهَلْ هُوَ كَسْبِي أَوْ وَهْبِي
؟
(وَادَّرِعْ) أَصْلُهُ ادْتَرَعَ بَعْدَ نَقْلِ دَرِعَ إلَى الِافْتِعَالِ قُلِبَتْ التَّاءُ دَالًا فَصَارَ ادْدَرَعَ بِدَالَيْنِ فَأُدْغِمَتْ الدَّالُ فِي الدَّالِ الْأُخْرَى لِوُجُوبِ الِادِّغَامِ فَصَارَ ادَّرِعْ أَنْتَ (الرِّضَا) أَيْ اتَّخِذْ الرِّضَا دِرْعًا، يُقَالُ ادَّرَعَ الرَّجُلُ إذَا لَبِسَ الْحَدِيدَ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَفُلَانٌ ادَّرَعَ اللَّيْلَ إذَا دَخَلَ فِي ظُلْمَتِهِ يَسْرِي كَأَنَّهُ جَعَلَ اللَّيْلَ دِرْعًا؛ لِأَنَّ الدِّرْعَ يَسْتُرُ مِنْ وَقْعِ الْأَسِنَّةِ وَاللَّيْلُ يَسْتُرُ بِظُلْمَتِهِ عَنْ أَعْيُنِ الرُّقَبَاءِ. فَإِذَا لَبِسَ الْفَقِيرُ دِرْعَ الرِّضَا فَقَدْ سَلِمَ مِنْ حِرَابِ الْجَزَعِ وَأَسِنَّةِ التَّسَخُّطِ وَنِبَالِ التَّبَرُّمِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الرِّضَا ضِدُّ السُّخْطِ.
قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي شَرْحِ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ: قَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ مُؤَكَّدٌ اسْتِحْبَابُهُ، وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ. قَالَ
وَسَمِعْت شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ يَحْكِيهِمَا قَوْلَيْنِ لِأَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رضي الله عنه، وَكَانَ يَذْهَبُ إلَى الْقَوْلِ بِاسْتِحْبَابِهِ. قَالَ: وَلَمْ يَجِئْ الْأَمْرُ بِهِ كَمَا جَاءَ الْأَمْرُ بِالصَّبْرِ، وَإِنَّمَا جَاءَ الثَّنَاءُ عَلَى أَصْحَابِهِ وَمَدْحِهِمْ. قَالَ: وَأَمَّا مَا يُرْوَى مِنْ الْأَثَرِ: مَنْ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى بَلَائِي وَلَمْ يَرْضَ بِقَضَائِي فَلْيَتَّخِذْ رَبًّا سِوَائِي، فَهَذَا أَثَرٌ إسْرَائِيلِيٌّ لَيْسَ يَصِحُّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ: قُلْت وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْوَالِ الَّتِي لَيْسَتْ مُكْتَسَبَةً وَأَنَّهُ مَوْهِبَةٌ مَحْضَةٌ، فَكَيْفَ يُؤْمَرُ بِهِ وَلَيْسَ مَقْدُورًا.
وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ فِيهَا أَرْبَابُ السُّلُوكِ عَلَى ثَلَاثِ طُرُقٍ، فَالْخُرَاسَانِيُّونَ قَالُوا إنَّ الرِّضَا مِنْ جُمْلَةِ الْمَقَامَاتِ وَهُوَ نِهَايَةُ التَّوَكُّلِ. فَعَلَى هَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَوَصَّلَ إلَيْهِ الْعَبْدُ بِاكْتِسَابِهِ. وَالْعِرَاقِيُّونَ قَالُوا هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْوَالِ، وَلَيْسَ كَسْبِيًّا لِلْعَبْدِ، بَلْ هُوَ نَازِلَةٌ تَحِلُّ بِالْقَلْبِ كَسَائِرِ الْأَحْوَالِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَقَامَاتِ وَالْأَحْوَالِ أَنَّ الْمَقَامَاتِ عِنْدَهُمْ مِنْ الْمَكَاسِبِ، وَالْأَحْوَالَ مُجَرَّدُ الْمَوَاهِبِ.
وَحَكَمَتْ فِرْقَةٌ ثَالِثَةٌ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ مِنْهُمْ صَاحِبُ الرِّسَالَةِ يَعْنِي الْقُشَيْرِيَّ وَغَيْرُهُ فَقَالُوا: يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يُقَالَ: بِدَايَةُ الرِّضَا مُكْتَسَبَةٌ لِلْعَبْدِ وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَقَامَاتِ، وَنِهَايَتُهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْوَالِ، فَأَوَّلُهُ مَقَامٌ وَنِهَايَتُهُ حَالٌ. وَاحْتَجَّ مَنْ جَعَلَهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَقَامَاتِ بِأَنَّ اللَّهَ مَدَحَ أَهْلَهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ وَنَدَبَهُمْ إلَيْهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَقْدُورٌ لَهُمْ.
وَقَالَ صلى الله عليه وسلم «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاَللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا» وَقَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ رَضِيت بِاَللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ» .
وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ عَلَيْهِمَا مَدَارُ مَقَامَاتِ الدِّينِ، وَإِلَيْهِمَا يَنْتَهِي، وَقَدْ تَضَمَّنَا الرِّضَا بِرُبُوبِيَّتِهِ سُبْحَانَهُ وَأُلُوهِيَّتِهِ، وَالرِّضَا بِرَسُولِهِ وَالِانْقِيَادَ لَهُ، وَالرِّضَا بِدِينِهِ وَالتَّسْلِيمَ لَهُ وَمَنْ اجْتَمَعَتْ لَهُ هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ فَهُوَ الصِّدِّيقُ حَقًّا، وَهِيَ سَهْلَةٌ بِالدَّعْوَى وَاللِّسَانِ، وَمِنْ أَصْعَبِ الْأُمُورِ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالِامْتِحَانِ، وَلَا سِيَّمَا إذَا جَاءَ مَا يُخَالِفُ هَوَى النَّفْسِ وَمُرَادَهَا. وَلَسْنَا بِصَدَدِ بَيَانِ ذَلِكَ.