الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أَعَزَّ اللَّهُ، أَوْ تَبَارَكَ اللَّهُ وَنَحْوَهُ كَالْحَمْدِ لِلَّهِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا، وَلَوْ نَوَى بِهِ الْيَمِينَ؛ لِأَنَّهُ لَا شَرْعَ وَلَا لُغَةَ وَلَا فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَيْهِ.
(وَالْحَلِفُ بِكَلَامِ اللَّهِ - تَعَالَى - أَوْ الْمُصْحَفِ أَوْ الْقُرْآنِ أَوْ بِسُورَةٍ مِنْهُ أَوْ آيَةٍ مِنْهُ يَمِينٌ) ؛ لِأَنَّهُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ - تَعَالَى -، فَمَنْ حَلَفَ بِهِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهُ كَانَ حَالِفًا بِصِفَتِهِ - تَعَالَى -، وَالْمُصْحَفُ يَتَضَمَّنُ الْقُرْآنَ الَّذِي هُوَ صِفَتُهُ - تَعَالَى -، وَلِذَلِكَ أَطْلَقَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ فِي حَدِيثٍ:«لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ» وَقَالَتْ عَائِشَةُ: مَا بَيْنَ دَفَّتِيِ الْمُصْحَفِ كَلَامُ اللَّهِ (فِيهَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ) ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ، وَالْكَلَامُ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ.
(وَكَذَا) الْحَلِفُ (بِنَحْوِ تَوْرَاةٍ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ - تَعَالَى -) كَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ فَهِيَ يَمِينٌ فِيهَا كَفَّارَةٌ؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَنْصَرِفُ إلَى الْمُنَزَّلِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ - تَعَالَى -، لَا الْمُغَيِّرِ وَالْمُبَدِّلِ، وَلَا تَسْقُطُ حُرْمَةُ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ نُسِخَ الْحُكْمَ بِالْقُرْآنِ كَالْمَنْسُوخِ حُكْمُهُ فِي الْقُرْآنِ، وَذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ كَلَامَ اللَّهِ - تَعَالَى -، وَإِذَا كَانَتْ كَلَامَهُ فَهِيَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ كَالْقُرْآنِ.
[فَصْلٌ فِي حُرُوفُ الْقَسَمِ]
فَصْلٌ (حُرُوفُ الْقَسَمِ) ثَلَاثَةٌ (بَاءٌ) وَهِيَ الْأَصْلُ، وَلِذَلِكَ بَدَأَ بِهَا؛ لِأَنَّهَا حَرْفُ تَعْدِيَةٍ، وَ (يَلِيهَا) مُظْهَرٌ، نَحْوُ أُقْسِمُ بِاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ (وَ) يَلِيهَا (مُضْمَرٌ) نَحْوُ: اللَّهَ أُقْسِمُ بِهِ لَأَفْعَلَنَّ. (وَ) الثَّانِي (وَاوٌ: يَلِيهَا مُظْهَرٌ) فَقَطْ، كَ: وَاَللَّهِ وَالنَّجْمِ، وَهِيَ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا.
(وَ) الثَّالِثُ (تَاءٌ) وَأَصْلُهَا الْوَاوُ (يَلِيهَا اسْمُ اللَّهِ - تَعَالَى - خَاصَّةً) نَحْوُ {وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ} [الأنبياء: 57](فَلَوْ قَالَ تَالرَّحْمَنِ أَوْ تَالرَّحِيمِ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا) ؛ لِأَنَّهُ شَاذٌّ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ، فَإِنْ ادَّعَى مَنْ أَتَى بِأَحَدِ الْحُرُوفِ الثَّلَاثَةِ فِي مَوْضِعِهِ
الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْقَسَمَ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ (وَقَوْلُهُ لَأَفْعَلَنَّ يَمِينٌ) وَلَوْ قَالَ أَرَدْتُ أَنِّي أَفْعَلُ بِمَعُونَةِ اللَّهِ، وَلَمْ أُرِدْ الْقَسَمَ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ (وَقَوْلُهُ أَسْأَلُك بِاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ نِيَّتَهُ) فَإِنْ نَوَى بِهِ الْيَمِينَ انْعَقَدَ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقُلْ أَسْأَلُكَ، وَإِنْ نَوَى السُّؤَالَ دُونَ الْيَمِينِ، لَمْ تَنْعَقِدْ، (فَإِنْ أَطْلَقَ) فَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا (لَمْ تَنْعَقِدْ) ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْيَمِينَ وَغَيْرَهُ، فَلَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ إلَّا بِنِيَّتِهِ.
(وَيَتَّجِهُ وَكَذَا) لَا تَنْعَقِدُ يَمِينُ قَائِلٍ لِغَيْرِهِ أَسْأَلُكَ (بِاَللَّهِ لَتَأْكُلَنَّ) هَذَا الطَّعَامَ وَنَحْوَهُ كَ: لَتَرْكَبَنَّ هَذِهِ الدَّابَّةَ حَيْثُ كَانَ ذَلِكَ (فِي مَقَامِ التَّوَدُّدِ أَوْ الْإِكْرَامِ) ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَيَصِحُّ قَسَمٌ بِغَيْرِ حُرُوفِهِ نَحْوُ: اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ جَرًّا وَنَصَبًا لِلِاسْمِ الْكَرِيمِ لَهُ) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لُغَةٌ صَحِيحَةٌ «لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام لِرُكَانَةَ لَمَّا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ: اللَّهِ مَا أَرَدْتَ إلَّا طَلْقَةً وَاحِدَةً؟» وَقَالَ: ابْنُ مَسْعُودٍ لَمَّا أَخْبَرَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ لَهُ: «اللَّهِ إنَّكَ قَتَلْتَهُ؟ قَالَ اللَّهِ إنِّي قَتَلْتُهُ» (فَإِنْ نَصَبَهُ)، أَيْ: الِاسْمَ الْكَرِيمَ (بِوَاوٍ) أَيْ: مَعَ وَاوِ الْقَسَمِ (أَوْ رَفَعَهُ مَعَهَا أَوْ) رَفَعَهُ (دُونَهَا) فَذَلِكَ (يَمِينٌ) ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْجَرِّ وَغَيْرِهِ، وَالظَّاهِرُ مِنْهُ مَعَ اقْتِرَانِهِ بِالْجَوَابِ إرَادَةُ الْيَمِينِ (إلَّا أَنْ لَا يَنْوِيَهَا)، أَيْ: الْيَمِينَ (عَرَبِيٌّ)، أَيْ: مَنْ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ، فَلَا تَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّ الْمُقْسَمَ بِهِ لَا يَكُونُ مَرْفُوعًا، وَإِنَّمَا هُوَ مُبْتَدَأٌ وَعُطِفَ عَلَى شَيْءٍ تَقَدَّمَ، وَلَا يَكُونُ مَنْصُوبًا مَعَ الْوَاوِ، إذْ لَا تَكُونُ هَهُنَا إلَّا عَاطِفَةً، فَعُدُولُهُ عَنْ الْجَرِّ ظَاهِرٌ فِي إرَادَةِ غَيْرِ الْيَمِينِ، فَإِنْ نَوَى بِهِ الْيَمِينَ فَيَمِينٌ، لِأَنَّهُ لَاحِنٌ، وَاللَّحْنُ لَا يُقَاوِمُ النِّيَّةَ كَلَحْنِهِ فِي الْقُرْآنِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ قُرْآنًا.
(قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (الْأَحْكَامُ) مِنْ قَسَمٍ وَغَيْرِهِ (تَتَعَلَّقُ بِمَا
أَرَادَهُ النَّاسُ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمَلْحُونَةِ كَ: بِاَللَّهِ رَفْعًا وَنَصْبًا. وَبِاَللَّهِ يَصُومُ وَيُصَلِّي، وَقَوْلِ الْكَافِرِ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) بِرَفْعِ الْأَوَّلِ وَنَصْبِ الثَّانِي، وَأَوْصَيْتُ لِزَيْدًا بِمِائَةٍ وَأَعْتَقْتُ سَالِمٍ (وَنَحْوِ ذَلِكَ)، وَقَالَ: مَنْ رَامَ جَعْلَ النَّاسِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ بِحَسَبِ عَادَةِ قَوْمٍ بِعَيْنِهِمْ، فَقَدْ رَامَ مَا لَا يُمْكِنُ عَقْلًا، وَلَا يَصِحُّ شَرْعًا انْتَهَى.
(وَيُجَابُ قَسَمٌ فِي إثْبَاتٍ بِأَنْ خَفِيفَةً) كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} [الطارق: 4](وَبِأَنَّ ثَقِيلَةً) كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: {إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} [العاديات: 6](وَبِلَامٍ) كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4](وَنُونَيْ تَوْكِيدٍ) أَيْ: الثَّقِيلَةِ وَالْخَفِيفَةِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: {لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا} [يوسف: 32](وَقَدْ) نَحْوُ قَوْلِهِ: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} [الشمس: 9](وَبِ: بَلْ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ) كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} [ص: 1]{بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} [ص: 2] وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ جَوَابُ الْقَسَمِ مَحْذُوفٌ، وَبَيْنَهُمْ فِي تَقْدِيرِهِ خِلَافٌ.
(وَ) يُجَابُ الْقَسَمُ (فِي نَفْيٍ بِمَا) النَّافِيَةِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} [النجم: 1]{مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} [النجم: 2](وَإِنْ بِمَعْنَاهَا)، أَيْ: النَّافِيَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلا الْحُسْنَى} [التوبة: 107](وَبِلَا) النَّافِيَةِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَآلَيْتُ لَا أَرْثِي لَهَا مِنْ كَلَالَةٍ
…
وَلَا مِنْ حَفْيٍ حَتَّى تُلَاقِيَ مُحَمَّدَا
(وَبِحَذْفِ لَا) مِنْ جَوَابِ قَسَمٍ إذَا كَانَ الْفِعْلُ مُضَارِعًا (لَفْظًا نَحْوُ وَاَللَّهِ أَفْعَلُ) وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ} [يوسف: 85] قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ أَفْعَلُ بِغَيْرِ حَرْفٍ، فَالْمَحْذُوفُ هَهُنَا لَا وَتَكُونُ يَمِينُهُ عَلَى النَّفْيِ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ كَذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ لَهُ بِالْآيَةِ وَغَيْرِهَا.
(وَيُكْرَهُ وَلَا يَحْرُمُ) حَلِفٌ بِالْأَمَانَةِ (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ فِي جَعْلِهِ الْحَلِفَ بِالْأَمَانَةِ مَكْرُوهًا كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَيُكْرَهُ الْحَلِفُ بِالْأَمَانَةِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمَا انْتَهَى.
وَفِي الْمُنْتَهَى (وَ) يُكْرَهُ (حَلِفٌ بِالْأَمَانَةِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
كَمَا يُكْرَهُ الْحَلِفُ (بِعِتْقٍ وَطَلَاقٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا تَحْلِفُوا إلَّا بِاَللَّهِ، وَلَا تَحْلِفُوا إلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
(وَيَحْرُمُ الْحَلِفُ بِغَيْرِ ذَاتِ اللَّهِ) - تَعَالَى - وَغَيْرِ صِفَتِهِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سَمِعَ عُمَرَ وَهُوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَهُوَ عَلَى التَّغْلِيظِ، كَذَا فَسَّرَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ (سَوَاءٌ أَضَافَهُ)، أَيْ: الْمَحْلُوفُ بِهِ (إلَيْهِ - تَعَالَى - كَقَوْلِهِ)، أَيْ: الْحَالِفِ (وَمَخْلُوقِ اللَّهِ وَمَقْدُورِهِ وَمَعْلُومِهِ وَكَعْبَتِهِ، وَرَسُولِهِ أَوْ لَا كَقَوْلِهِ وَالْكَعْبَةِ: وَالرَّسُولِ وَأَبِي) وَلَا كَفَّارَةَ لِاشْتِرَاكِهِمَا بِالْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ - تَعَالَى -. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ: لَأَنْ أَحْلِفَ بِاَللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ صَادِقًا.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: " لِأَنَّ حَسَنَةَ التَّوْحِيدِ أَعْظَمُ مِنْ حَسَنَةِ الصِّدْقِ، وَسَيِّئَةُ الْكَذِبِ أَسْهَلُ مِنْ سَيِّئَةِ الشِّرْكِ " يُشِيرُ إلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ، فَإِنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ وَتَابَ (وَلَا كَفَّارَةَ) فِي الْحَلِفِ بِذَلِكَ وَلَوْ حَنِثَ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِالْحَلِفِ بِاَللَّهِ وَصِفَاتِهِ صِيَانَةً لِأَسْمَائِهِ - تَعَالَى - وَغَيْرُهُ لَا يُسَاوِيهِ فِي ذَلِكَ (وَعِنْدَ الْأَكْثَرِ) مِنْ أَصْحَابِنَا (إلَّا) فِي حَلِفٍ (بِ) نَبِيِّنَا (مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم) فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِهِ إذَا حَلَفَ وَحَنِثَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ شَرْطَيْ الشَّهَادَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يَصِيرُ بِهَا الْكَافِرُ مُسْلِمًا، وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّ الْحَلِفَ بِغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ كَهُوَ، وَالْأَشْهَرُ
أَنَّهَا لَا تَجِبُ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْأَحَادِيثِ.
وَيَنْقَسِمُ حُكْمُ الْيَمِينِ إلَى وَاجِبٍ وَمَنْدُوبٍ وَمُبَاحٍ وَمَكْرُوهٍ وَحَرَامٍ، أُشِيرَ إلَى الْأَوَّلِ مِنْهُمَا بِقَوْلِهِ:(وَيَجِبُ الْحَلِفُ لِإِنْجَاءِ مَعْصُومٍ) مِنْ مَهْلَكَةٍ وَلَوْ نَفْسِهِ كَأَيْمَانِ قَسَامَةٍ، تَوَجَّهَتْ عَلَى (بَرِيءٍ مِنْ دَعْوَى قَتْلٍ) . وَأُشِيرَ إلَى الثَّانِي مِنْهَا بِقَوْلِهِ:(وَيُنْدَبُ) الْحَلِفُ (لِمَصْلَحَةٍ) كَإِزَالَةِ حِقْدٍ وَإِصْلَاحٍ بَيْنَ مُتَخَاصِمَيْنِ (وَدَفْعِ شَرٍّ) وَهُوَ صَادِقٌ فِيهِ. وَأُشِيرَ إلَى الثَّالِثِ مِنْهَا بِقَوْلِهِ: (وَيُبَاحُ) الْحَلِفُ (عَلَى فِعْلٍ مُبَاحٍ أَوْ تَرْكِهِ) كَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَمَكًا مَثَلًا أَوْ لَيَأْكُلَنَّهُ، وَكَالْحَلِفِ عَلَى الْخَبَرِ بِشَيْءٍ هُوَ صَادِقٌ فِيهِ أَوْ يُظَنُّ أَنَّهُ صَادِقٌ. وَأُشِيرَ إلَى الرَّابِعِ مِنْهَا بِقَوْلِهِ:(وَيُكْرَهُ الْحَلِفُ عَلَى فِعْلٍ مَكْرُوهٍ) كَمَنْ حَلَفَ لَيُصَلِّيَنَّ وَهُوَ حَاقِنٌ، أَوْ لَيَأْكُلَنَّ بَصَلًا نِيئًا، وَنَحْوَهُ، وَمِنْهُ الْحَلِفُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:«الْحَلِفُ مُنْفِقٌ لِلسِّلْعَةِ مُمْحِقٌ لِلْبَرَكَةِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (أَوْ عَلَى تَرْكِ مَنْدُوبٍ) كَحَلِفِهِ عَلَى تَرْكِ صَلَاةِ الضُّحَى. وَأُشِيرَ إلَى الْخَامِسِ بِقَوْلِهِ: (وَيَحْرُمُ) الْحَلِفُ (عَلَى فِعْلٍ مُحَرَّمٍ) كَشُرْبِ خَمْرٍ (أَوْ) عَلَى تَرْكِ (وَاجِبٍ) كَمَنْ حَلَفَ لَا يَصُومُ رَمَضَانَ (أَوْ) يَحْلِفُ (كَاذِبًا) عَالِمًا بِكَذِبِهِ.
(فَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ مَكْرُوهٍ أَوْ) حَلَفَ عَلَى (تَرْكِ مَنْدُوبٍ، سُنَّ حِنْثُهُ وَكُرِهَ بِرُّهُ) لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى بِرِّهِ مِنْ تَرْكِ الْمَنْدُوبِ قَادِرًا (وَ) مَنْ حَلَفَ (عَلَى فِعْلِ مَنْدُوبٍ أَوْ تَرْكِ مَكْرُوهٍ، كُرِهَ حِنْثُهُ، وَسُنَّ بِرُّهُ) لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى بِرِّهِ مِنْ الثَّوَابِ بِفِعْلِ الْمَنْدُوبِ، وَتَرْكِ الْمَكْرُوهِ امْتِثَالًا.
(وَ) مَنْ حَلَفَ (عَلَى فِعْلِ وَاجِبٍ أَوْ عَلَى تَرْكِ مُحَرَّمٍ، حَرُمَ حِنْثُهُ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الْوَاجِبِ أَوْ فِعْلِ الْمُحَرَّمِ، (وَوَجَبَ بِرُّهُ) لِمَا مَرَّ
(وَ) مَنْ حَلَفَ (عَلَى فِعْلِ مُحَرَّمٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ، وَجَبَ حِنْثُهُ) لِئَلَّا يَأْثَمُ بِفِعْلِ الْمُحَرَّمِ أَوْ تَرْكِ الْوَاجِبِ (وَحَرُمَ بِرُّهُ لِمَا سَبَقَ) .
(وَيُخَيَّرُ) مَنْ حَلَفَ (فِي مُبَاحٍ) لَيَفْعَلَنَّهُ أَوْ لَا يَفْعَلُهُ بَيْنَ حِنْثِهِ وَبِرِّهِ (وَحِفْظُهَا فِيهِ أَوْلَى) مِنْ حِنْثِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} [المائدة: 89](كَافْتِدَاءِ مُحِقٍّ) فِي دَعْوَى عَلَيْهِ (لِ) يَمِينٍ (وَاجِبَةٍ)، أَيْ: وُجِّهَتْ (عَلَيْهِ عِنْدَ حَاكِمٍ) فَافْتِدَاؤُهُ أَوْلَى مِنْ حَلِفِهِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ وَالْمِقْدَادَ تَحَاكَمَا إلَى عُمَرَ فِي مَالٍ اسْتَقْرَضَهُ الْمِقْدَادُ، فَجَعَلَ عُمَرُ الْيَمِينَ عَلَى الْمِقْدَادِ، فَرَدَّهَا الْمِقْدَادُ عَلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ عُمَرُ: لَقَدْ أَنْصَفَك، فَأَخَذَ عُثْمَانُ مَا أَعْطَاهُ الْمِقْدَادُ، وَلَمْ يَحْلِفْ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: خِفْتُ أَنْ يُوَافِقَ قَدْرَ بَلَاءٍ، فَيُقَالَ يَمِينُ عُثْمَانَ.
(وَيُبَاحُ الْحَلِفُ) عِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ عُمَرَ وَأُبَيًّا احْتَكَمَا إلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي نَخْلٍ ادَّعَاهُ أُبَيٌّ، فَتَوَجَّهَ الْيَمِينُ عَلَى عُمَرَ، فَقَالَ زَيْدٌ: أَعْفِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ عُمَرُ لِمَ يُعْفَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؟ إنْ عَرَفْتُ شَيْئًا اسْتَحْقَقْتُهُ بِيَمِينِي، وَإِلَّا تَرَكْتُهُ، فَوَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ إنَّ النَّخْلَ لَنَخْلِي وَمَا لِأُبَيٍّ فِيهِ حَقٌّ، فَلَمَّا خَرَجَ وَهَبَ النَّخْلَ لِأُبَيٍّ، فَقِيلَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلَّا كَانَ قَبْلَ الْيَمِينِ، فَقَالَ: خِفْتُ أَنْ لَا أَحْلِفَ فَلَا يَحْلِفَ النَّاسُ عَلَى حُقُوقِهِمْ بَعْدِي، فَيَكُونَ سُنَّةً، وَلِأَنَّهُ حَلِفُ صِدْقٍ عَلَى حَقٍّ فَأَشْبَهَ الْحَلِفُ عِنْدَ غَيْرِ الْحَاكِمِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ فِيهِ: يُسْتَحَبُّ لِمَصْلَحَةٍ كَزِيَادَةِ طُمَأْنِينَةٍ وَتَوْكِيدِ الْأَمْرِ وَغَيْرِهِ، وَمِنْهُ «قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم لِعُمَرَ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ: وَاَللَّهِ مَا صَلَّيْتهَا تَطْيِيبًا مِنْهُ لِقَلْبِهِ» (بَلْ) ذَكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ (فِي) كِتَابِ (الْهَدْيِ) مِنْ قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ: فِيهَا جَوَازُ الْحَلِفِ ثُمَّ قَالَ: بَلْ (اسْتِحْبَابُهُ عَلَى الْخَبَرِ الدِّينِيِّ الَّذِي يُرَادُ تَأْكِيدُهُ وَقَدْ حُفِظَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْحَلِفُ فِي أَكْثَرَ مِنْ ثَمَانِينَ مَوْضِعًا) انْتَهَى.