الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَكَذَا لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ صَوْمِ نَذْرٍ، لِوُجُوبِهِ لِحَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - (وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ) إذَا لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ (كَحُرٍّ) كَامِلِ الْحُرِّيَّةِ مَعَ قُدْرَةٍ أَوْ عَجْزٍ.
(وَيُكَفِّرُ كَافِرٌ) لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ (وَلَوْ مُرْتَدًّا بِغَيْرِ صَوْمٍ) ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ وَلَا تَصِحُّ مِنْ الْكَافِرِ، وَيُتَصَوَّرُ عِتْقُهُ لِلْمُسْلِمِ بِقَوْلِهِ لِمُسْلِمٍ: أَعْتِقْ عَبْدِي عَنِّي وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ فَيَفْعَلُ، أَوْ يَكُونُ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ بِنَحْوِ إرْثٍ، وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الظِّهَارِ بَعْضُ أَحْكَامِ الْكَفَّارَةِ فَلْيُعَاوَدْ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ وَاحِدٌ.
[فَرْعٌ تَجِبُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ]
(فَرْعٌ: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي ثَلَاثَةِ) أَشْيَاءَ: الْأَوَّلُ: (مَا كَانَ مُبَاحَ الْأَصْلِ ثُمَّ عَرَضَ تَحْرِيمُهُ فَفُعِلَ فِي حَالِ التَّحْرِيمِ كَوَطْءٍ فِي إحْرَامِ وَحَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَصِيَامٍ) .
وَالثَّانِي: (مَا عَقَدَهُ) الْإِنْسَانُ (لِلَّهِ مِنْ نَذْرٍ أَوْ بِاَللَّهِ مِنْ يَمِينٍ، أَوْ حَرَّمَهُ ثُمَّ أَرَادَ حِلَّهُ فَ) حِلُّهُ (بِالْكَفَّارَةِ وَسَمَّاهَا اللَّهَ تَحِلَّةً) فِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2] .
(وَ) الثَّالِثُ: (مَا لَا إثْمَ فِيهِ كَكَفَّارَةِ قَتْلِ الْخَطَأِ وَالصَّيْدِ خَطَأً، فَالْكَفَّارَةُ هُنَا جَابِرَةٌ لِمَا فَاتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) هُنَاكَ (إثْمٌ فَكَفَّارَتُهُ)، أَيْ: هَذَا الْقَسَمِ (مِنْ بَابِ الْجَوَابِرِ، وَكَفَّارَةُ) الْقَسَمِ (الْأَوَّلِ مِنْ بَابِ الزَّوَاجِرِ، وَكَفَّارَةُ) الْقَسَمِ (الْوَسَطِ مِنْ بَابِ التَّحِلَّةِ) .
[بَابُ جَامِعِ الْأَيْمَانِ]
ِ (جَامِعُ الْأَيْمَانِ) أَيْ: مَسَائِلُهَا (يُرْجَعُ فِيهَا) أَيْ: الْأَيْمَانِ (إلَى نِيَّةِ حَالِفٍ) فَهِيَ مَبْنَاهَا ابْتِدَاءً (لَيْسَ بِهَا)، أَيْ: الْيَمِينِ أَوْ النِّيَّةِ (ظَالِمًا) نَصًّا مَظْلُومًا كَانَ أَوْ لَا،
وَأَمَّا الظَّالِمُ الَّذِي يَسْتَحْلِفُهُ حَاكِمٌ لِحَقٍّ عَلَيْهِ فَيَمِينُهُ عَلَى مَا يُصَدِّقُهُ (صَاحِبُهُ) وَتَقَدَّمَ.
(إذَا احْتَمَلَهَا)، أَيْ: النِّيَّةَ (لَفْظُهُ)، أَيْ: الْحَالِفِ (كَنِيَّتِهِ بِالسَّقْفِ وَالْبِنَاءِ السَّمَاءَ، وَكَنِيَّتِهِ بِالْفِرَاشِ وَبِالْبِسَاطِ الْأَرْضَ) وَكَنِيَّتِهِ بِاللِّبَاسِ اللَّيْلَ، وَبِالْأُخُوَّةِ أُخُوَّةَ الْإِسْلَامِ، وَمَا ذَكَرْتُ فُلَانًا، أَيْ: قَطَعْتُ ذِكْرَهُ، وَمَا رَأَيْتُهُ، أَيْ ضَرَبْتُ رِئَتَهُ (وَ) كَنِيَّتِهِ (بِنِسَائِهِ طَوَالِقُ أَقَارِبَهُ النِّسَاءَ، وَكَنِيَّتِهِ بِجَوَارِيهِ أَحْرَارٍ سُفُنَهُ، وَبِقَوْلِهِ مَا كَاتَبْتَ فُلَانًا مُكَاتَبَةً الرَّقِيقِ، وَبِمَا عَرَفْتُهُ مَا جَعَلْتُهُ عَرِيفًا، وَبِمَا أَعْلَمْتُهُ)، أَيْ: جَعَلْتُهُ أَعْلَمَ، (وَلَا بِبَيْتِي فُرُشٌ وَهِيَ صِغَارُ الْإِبِلِ، وَلَا حَصِيرٌ وَهُوَ الْحَبْسُ، وَلَا بَارِيَةٌ وَهِيَ السِّكِّينُ) يَبْرَأُ بِهَا وَنَحْوُهُ (وَيُقْبَلُ حُكْمًا) دَعْوَى إرَادَةِ مَا ذَكَرَهُ (مَعَ قُرْبِ احْتِمَالِ) مَنْوِيِّهِ (مِنْ ظَاهِرِ لَفْظِهِ وَمَعَ تَوَسُّطِهِ)، أَيْ: الِاحْتِمَالِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ قَرِيبًا وَلَا بَعِيدًا (أَمَّا لَوْ نَوَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ كَنِيَّتِهِ بِلَا يَأْكُلُ لَا يَقُومُ أَوْ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا، فَإِنَّ يَمِينَهُ لَا تَنْصَرِفُ لِمَا نَوَاهُ، بَلْ تَنْصَرِفُ لِمَا لَفَظَهُ) ؛ لِأَنَّهَا نِيَّةٌ مُجَرَّدَةٌ لَا يَحْتَمِلُهَا لَفْظُهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى ذَلِكَ بِلَا يَمِينٍ (وَيُقَدَّمُ فِيمَا يَحْتَمِلُ لَفْظُهُ مَا نَوَاهُ عَلَى عُمُومِ لَفْظِهِ) .
وَعَلَى السَّبَبِ الَّذِي هَيَّجَ الْيَمِينَ، سَوَاءٌ كَانَ مَا نَوَاهُ الْحَالِفُ مُوَافِقًا لِظَاهِرِ اللَّفْظِ أَوْ مُخَالِفًا لَهُ، فَالْمُوَافِقُ مِنْ نِيَّتِهِ لِلظَّاهِرِ وَمِنْ لَفْظِهِ أَنْ يَنْوِيَ بِاللَّفْظِ مَوْضُوعَهُ الْأَصْلِيَّ، مِثْلُ أَنْ يَنْوِيَ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ الْعُمُومَ، وَبِالْمُطْلَقِ الْإِطْلَاقَ، وَبِسَائِرِ الْأَلْفَاظِ مَا يَتَبَادَرُ إلَى الْأَفْهَامِ مِنْهَا، وَالْمُخَالِفُ مِنْ النِّيَّةِ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ يَتَنَوَّعُ أَنْوَاعًا مِنْهَا: أَنْ يَنْوِيَ بِالْعَامِّ الْخَاصَّ، مِثْلُ أَنْ يَحْلِفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا وَلَا فَاكِهَةَ، وَيُرِيدُ بِاللَّحْمِ لَحْمًا بِعَيْنِهِ، وَبِالْفَاكِهَةِ فَاكِهَةً بِعَيْنِهَا، وَنَظِيرُهُ {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} [آل عمران: 173] .
فَالنَّاسُ الْأَوَّلُ أُرِيدَ بِهِ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيُّ، وَالنَّاسُ الثَّانِي أَبُو سُفْيَانَ وَأَصْحَابُهُ، وَحَيْثُ احْتَمَلَهُ اللَّفْظُ وَجَبَ صَرْفُ الْيَمِينِ إلَيْهِ بِالنِّيَّةِ، لِحَدِيثِ:«وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الشَّارِعِ يُحْمَلُ عَلَى مَا دَلَّ دَلِيلٌ
عَلَى إرَادَتِهِ بِهِ، فَكَذَا كَلَامُ غَيْرِهِ.
(فَمَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا وَقَالَ نَوَيْت الْيَوْمَ، [قُبِلَ] مِنْهُ حُكْمًا) ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمَلٌ، وَلَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهُ (فَلَا يَحْنَثُ بِالدُّخُولِ) لِلدَّارِ (فِي غَيْرِهِ)، أَيْ: غَيْرِ الْيَوْمِ الَّذِي نَوَاهُ (وَلَوْ) كَانَ حَلِفُهُ الْيَوْمَ (بِطَلَاقٍ وَعَتَاقٍ) لِعَدَمِ مُخَالِفَتِهِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلِتَعَلُّقِ قَصْدِهِ بِمَا نَوَاهُ، فَاخْتَصَّ الْحِنْثُ بِهِ (خِلَافًا لَهُ)، أَيْ: لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ -، أَيْ: الْيَمِينُ - بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ، لَمْ يُقْبَلْ، لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْآدَمِيِّ. مَعَ أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْإِنْصَافِ وَلَا الْفُرُوعِ وَلَا الْمُبْدِعِ وَلَا الْمُنْتَهَى بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا فَرْقَ، وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي الطَّلَاقِ فِي مَوَاضِعَ أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِعَدَمِ مُخَالِفَتِهِ الظَّاهِرَ.
(وَ) إنْ حَلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ (لَا يَأْوِي مَعَهَا بِدَارِ فُلَانٍ يَنْوِي جَفَاءَهَا، وَلَا سَبَبَ) يَخُصُّ الدَّارَ (فَأَوَى مَعَهَا فِي غَيْرِهَا)، أَيْ: غَيْرِ الَّتِي سَمَّاهَا (حَنِثَ) لِمُخَالِفَتِهِ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ مِنْ جَفَائِهَا إلْغَاءً لِذِكْرِ الدَّارِ مَعَ عَدَمِ السَّبَبِ، لِدَلَالَةِ نِيَّةِ الْجَفَاءِ عَلَيْهِ، كَأَنْ حَلَفَ لَا يَأْوِي مَعَهَا، كَقَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ: " وَاقَعْتُ أَهْلِي فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَقَالَ لَهُ عليه الصلاة والسلام «أَعْتِقْ رَقَبَةً» فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ ذِكْرُ أَهْلِهِ لَا أَثَرَ لَهُ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ حُذِفَ مِنْ السَّبَبِ، وَجُعِلَ السَّبَبُ الْوِقَاعُ سَوَاءٌ كَانَ لِأَهْلِهِ أَوْ غَيْرِهِمْ، فَإِنْ كَانَ لِلدَّارِ أَثَرٌ فِي يَمِينِهِ كَكَرَاهَةِ سُكْنَاهَا أَوْ مُخَاصِمَتِهِ أَهْلَهَا، أَوْ اُمْتُنَّ عَلَيْهِ بِهَا، لَمْ يَحْنَثْ إنْ أَوَى مَعَهَا فِي غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَدِمَ السَّبَبَ وَالنِّيَّةَ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِالْإِيوَاءِ مَعَهَا فِي تِلْكَ الدَّارِ بِعَيْنِهَا؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ مُقْتَضٍ وَلَا صَارِفَ لَهُ عَنْهُ.
(وَأَقَلُّ الْإِيوَاءِ سَاعَةً وَإِنْ قَلَّتْ) كَلَحْظَةٍ، فَمَتَى حَلَفَ لَا يَأْوِي مَعَهَا فِي دَارٍ، فَدَخَلَهَا مَعَهَا حَنِثَ، قَلِيلًا كَانَ لُبْثُهُمَا أَوْ كَثِيرًا. قَالَ - تَعَالَى - مُخْبِرًا عَنْ فَتَى مُوسَى:{أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ} [الكهف: 63] يُقَالُ أَوَيْتُ أَنَا وَآوَيْتُ غَيْرِي،