الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(وَ) يَحْنَثُ بِمُجَرَّدِ (عِتْقِ عَبْدٍ مُسْلِمٍ حَلَفَ لَيَبِيعَنهُ) لِاسْتِحَالَةِ بَيْعِهِ بَعْدَ ذَلِكَ (وَ) كَذَلِكَ يَحْنَثُ (بِلِعَانِ زَوْجَةٍ حَلَفَ لَيُطَلِّقَهَا) لِبَيْنُونَتِهَا مِنْهُ بِاللِّعَانِ.
[فَصْلٌ فِي مَنْ حَرَّمَ حَلَالًا سِوَى زَوْجَتِهِ]
فَصْلٌ (مَنْ حَرَّمَ حَلَالًا سِوَى زَوْجَتِهِ مِنْ طَعَامٍ) كَثَوْبٍ وَفِرَاشٍ (كَقَوْلِهِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ حَرَامٌ وَلَا زَوْجَةَ لَهُ) كَقَوْلِهِ: كَسْبُهُ عَلَيْهِ حَرَامٌ (أَوْ طَعَامُهُ عَلَيْهِ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ) أَوْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ لَمْ يَحْرُمْ، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَأَمَّا تَحْرِيمُ زَوْجَتِهِ فَظِهَارٌ، وَتَقَدَّمَ حُكْمُهُ (أَوْ عَلَّقَ)، أَيْ: تَحْرِيمَ حَلَالٍ سِوَى زَوْجَتِهِ (بِشَرْطٍ) كَقَوْلِهِ عِنْدَ طَعَامٍ (إنْ أَكَلْتُهُ فَهُوَ عَلَيَّ حَرَامٌ لَمْ يَحْرُمْ) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم: 1] إلَى قَوْلِهِ: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2] وَالْيَمِينُ عَلَى الشَّيْءِ لَا تُحَرِّمُهُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ حَرَّمَ بِذَلِكَ لَتَقَدَّمَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ كَالظِّهَارِ، وَلَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِفِعْلِهِ وَسَمَّاهُ خَيْرًا (وَعَلَيْهِ إنْ فَعَلَهُ كَفَّارَةٌ) نَصًّا لِلْآيَةِ (خِلَافًا لِلْمُوَفَّقِ كَالشَّافِعِيَّةِ) الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ بِذَلِكَ قَصْدَ تَغْيِيرَ الْمَشْرُوعِ، فَلَغَا مَا قَصَدَهُ.
وَهَذَا صَرِيحُ الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ يَرُدُّهُ، إذْ سَبَبُ نُزُولِهَا «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ: لَنْ أَعُودَ إلَى شُرْبِ الْعَسَلِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَنْ ابْنِ عَمْرٍو وَابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم جَعَلَ تَحْرِيمَ الْحَلَالِ يَمِينًا» فَإِنْ تَرَكَ مَا حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (وَقَوْلُهُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ حَرَامٌ مِنْ أَهْلٍ وَمَالٍ، فَهُوَ ظِهَارٌ وَتُجْزِئُهُ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ لِتَحْرِيمِ الْمَرْأَةِ وَالْمَالِ) بِذَلِكَ.
(وَمَنْ قَالَ: هُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ كَافِرٌ أَوْ مَجُوسِيٌّ) إنْ فَعَلَ كَذَا أَوْ لَيَفْعَلَنَّهُ (أَوْ هُوَ يَعْبُدُ الصَّلِيبَ أَوْ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ
أَوْ هُوَ بَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ أَوْ رَسُولِهِ) صلى الله عليه وسلم (أَوْ هُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ أَوْ الْقُرْآنِ) لَيَفْعَلَنَّ كَذَا، (أَوْ) إنْ فَعَلَهُ أَوْ قَالَ: هُوَ (يَكْفُرُ بِاَللَّهِ أَوْ لَا يَرَاهُ اللَّهُ فِي مَوْضِعِ كَذَا) لَيَفْعَلَنَّ كَذَا أَوْ إنْ فَعَلَ كَذَا (أَوْ قَالَ هُوَ يَسْتَحِلُّ الزِّنَا أَوْ الْخَمْرَ أَوْ أَكْلَ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ أَوْ تَرْكَ الصَّلَاةِ أَوْ الصَّوْمِ أَوْ الزَّكَاةِ أَوْ الْحَجِّ أَوْ الطَّهَارَةِ مُنَجِّزًا كَلَيَفْعَلَنَّ كَذَا، أَوْ مُعَلِّقًا كَإِنْ فَعَلَ كَذَا، فَقَدْ فَعَلَ مُحَرَّمًا) لِحَدِيثِ سَالِمِ بْنِ الضَّحَّاكِ مَرْفُوعًا: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ بُرَيْدَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ قَالَ هُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا لَمْ يَعُدْ إلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ (وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إنْ خَالَفَ) فَفَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، أَوْ تَرَكَ مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ حَيْثُ يَحْنَثُ، لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ:«أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَقُولُ: هُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ مَجُوسِيٌّ أَوْ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ فِي الْيَمِينِ يَحْلِفُ بِهَا فَيَحْنَثُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، فَقَالَ: عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ يُوجِبُ هَتْكَ الْحُرْمَةِ، فَكَانَ يَمِينًا كَالْحَلِفِ بِاَللَّهِ - تَعَالَى -، بِخِلَافِ هُوَ فَاسِقٌ وَنَحْوُهُ إنْ فَعَلَ كَذَا، وَهَلْ يَصِيرُ كَافِرًا بِتَرْكِهِ مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ، وَفِعْلُهُ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ أَوْ لَا، فَإِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ الْحَلِفَ لَمْ يَكْفُرْ.
(وَإِنْ قَصَدَ أَنَّهُ يَكْفُرُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ) مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: إنْ أَعْطَيْتُمُونِي أَلْفًا فَأَنَا أَسْتَحِلُّ الزِّنَا وَنَحْوَهُ، وَنِيَّتُهُ أَنَّهُ يَسْتَحِلُّ إذَا أَعْطَوْهُ (كَفَرَ مُنَجِّزًا)، أَيْ: يُتَنَجَّزُ كُفْرُهُ (قَالَهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ بِمَعْنَاهُ فِي كِتَابِهِ قَاعِدَةِ الْعُقُودِ.
(وَإِنْ قَالَ: عَصَيْتُ اللَّهَ أَوْ أَنَا أَعْصِي اللَّهَ فِي كُلِّ مَا أَمَرَنِي بِهِ، وَمَحَوْتُ الْمُصْحَفَ، أَوْ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ) أَوْ هُوَ زَانٍ أَوْ شَارِبُ خَمْرٍ (أَوْ قَطَعَ) اللَّهُ (يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، أَوْ لَعَمْرُهُ) أَوْ لَعَمْرُ أَبِيهِ وَنَحْوَهُ (لَيَفْعَلَنَّ كَذَا أَوْ لَا أَفْعَلُ كَذَا) فَلَغْوٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا تُوجِبُ هَتْكَ الْحُرْمَةِ، فَلَمْ تَكُنْ يَمِينًا، فَبَقِيَ الْحَالِفُ عَلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ (أَوْ قَالَ إنْ فَعَلَهُ)، أَيْ: كَذَا (فَعَبْدُ زَيْدٍ حُرٌّ أَوْ مَالُهُ)، أَيْ:
زَيْدٍ (صَدَقَةٌ وَنَحْوَهُ) كَإِنْ فَعَلَ كَذَا فَعَلَى زَيْدٍ الْحَجُّ أَوْ فَزَيْدٌ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ، (فَ) هُوَ لَغْوٌ لِمَا مَرَّ.
(وَيَلْزَمُ بِحَلِفٍ بِأَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ ظِهَارٌ وَطَلَاقٌ وَعَتَاقٌ وَنَذْرٌ وَيَمِينٌ بِاَللَّهِ) - تَعَالَى - (مَعَ النِّيَّةِ) كَمَا لَوْ حَلَفَ بِكُلٍّ عَلَى انْفِرَادِهِ.
(وَيَتَّجِهُ) لَوْ حَلَفَ إنْسَانٌ بِأَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ (مَعَ نِيَّةِ الْبَعْضِ فَإِنَّهُ يَتَقَيَّدُ) حَلِفُهُ (بِهِ)، أَيْ: بِذَلِكَ الْبَعْضِ الْمَنْوِيِّ وَيَتَّجِهُ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ بِهَا (مَعَ الْإِطْلَاقِ) بِأَنْ لَمْ يَنْوِ بِحَلِفِهِ ذَلِكَ كُلَّهَا وَلَا بَعْضَهَا (لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ بِلَفْظِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ، فَلَمْ تَكُنْ يَمِينًا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَ) يَلْزَمُ بِحَلِفٍ (بِأَيْمَانِ الْبَيْعَةِ)، أَيْ: مُبَايَعَةِ الْإِسْلَامِ (وَهِيَ يَمِينٌ رَتَّبَهَا الْحَجَّاجُ) بْنُ يُوسُفَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ عَقِيلٍ الثَّقَفِيُّ وَلَّاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ قِتَالَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَحَاصَرَهُ بِمَكَّةَ، ثُمَّ قَتَلَهُ وَصَلَبَهُ، فَوَلَّاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ الْحِجَازَ ثَلَاثَ سِنِينَ، ثُمَّ وَلَّاهُ الْعِرَاقَ، فَوَلِيَهَا عِشْرِينَ (تَتَضَمَّنُ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - وَالطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ وَصَدَقَةَ الْمَالِ مَا فِيهَا) فَاعِلُ يَلْزَمُ، أَيْ هَذِهِ الْأَيْمَانُ (إنْ عَرَفَهَا) أَيْ أَيْمَانَ الْبَيْعَةِ (وَنَوَاهَا) لِانْعِقَادِ الْأَيْمَانِ بِالْكِتَابَةِ الْمَنْوِيَّةِ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَكَمَا لَوْ لَفَظَ بِيَمِينٍ وَحَدَّهَا (وَإِلَّا) يَعْرِفْ مَعْنَاهَا أَوْ عَرَفَهَا وَلَمْ يَنْوِهَا، أَوْ نَوَاهَا وَلَمْ يَعْرِفْهَا (فَ) كَلَامُهُ ذَلِكَ (لَغْوٌ) وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ هَذِهِ الْأَيْمَانِ فَتُعْتَبَرُ فِيهَا النِّيَّةُ، وَالنِّيَّةُ تَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْمَنْوِيِّ، فَإِذَا لَمْ تُوجَدْ الْمَعْرِفَةُ أَوْ النِّيَّةُ لَمْ تَنْعَقِدْ.
(وَلَوْ حَلَفَ بِإِحْدَاهَا)، أَيْ: الْأَيْمَانِ الْمَذْكُورَةِ (فَقَالَ لَهُ آخَرُ يَمِينِي فِي يَمِينِكَ، أَوْ) قَالَ لَهُ آخَرُ (أَنَا عَلَى مِثْلِ يَمِينِكَ أَوْ) قَالَ لَهُ (أَنَا مَعَكَ فِي يَمِينِكَ يُرِيدُ الْآخَرُ الْتِزَامَ مِثْلِهَا) أَيْ: يَمِينِ الْحَالِفِ (لَزِمَهُ) أَيْ: الْآخَرَ مِثْلُهَا؛ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ الْيَمِينِ بِمَا حَلَفَ بِهِ وَقَدْ نَوَاهُ فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ