الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(وَيَلْزَمُ مَنْ يَكْتُبُ إلَيْهِ قَبُولُ حُكْمِهِ وَتَنْفِيذُهُ) لِأَنَّهُ حَاكِمٌ نَافِذُ الْأَحْكَامِ، فَلَزِمَهُ قَبُولُهُ (لَكِنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَحَاكِمَيْنِ الرُّجُوعُ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْحُكْمِ) لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ حُكْمُهُ إلَّا بِرِضَى الْخَصْمَيْنِ؛ أَشْبَهَ رُجُوعَ الْمُوَكِّلِ عَنْ التَّوْكِيلِ قَبْلَ التَّصَرُّفِ فِيمَا وَكَّلَ فِيهِ، أَمَّا بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الْحُكْمِ قَبْلَ تَمَامِهِ؛ فَلَا يَصِحُّ رُجُوعُ أَحَدِهِمَا كَرُجُوعِ الْمُوَكِّلِ بَعْدَ صُدُورِ مَا وَكَّلَ فِيهِ مِنْ وَكِيلِهِ (قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: إنْ حَكَّمَ أَحَدُهُمَا خَصْمَهُ أَوْ حَكَمًا مُفْتِيًا فِي مَسْأَلَةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ؛ جَازَ، وَقَالَ: يَكْفِي وَصْفُ الْقِصَّةِ؛ أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَعُوهُ.
وَقَالَ: (وَلَا يُشْتَرَطُ فِيمَنْ يُحَكِّمُهُ الْخَصْمَانِ شُرُوطُ الْقَاضِي) أَيْ: الصِّفَاتُ الْعَشَرَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي " الْمُجَرَّدِ " فِي الْقَاضِي (وَقَالَ: يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى مُقْدِمُو الْأَسْوَاقِ وَالْمَسَاجِدِ الْوَسَاطَاتِ وَالصُّلْحَ) عِنْدَ الْفَوْرَةِ وَالْمُخَاصَمَةِ، وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَتَفْوِيضُ الْأَمْوَالِ إلَى الْأَوْصِيَاءِ، وَتَفْرِقَةُ زَكَاتِهِ بِنَفْسِهِ، وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَى رَقِيقِهِ، وَخُرُوجُ طَائِفَةٍ إلَى الْجِهَادِ تَلَصُّصًا وَبَيَانًا، وَعِمَارَةُ الْمَسَاجِدِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ (وَالتَّغْرِيرِ لِعَبِيدٍ وَإِمَاءٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ) انْتَهَى.
قَالَ فِي شَرْحِ " الْإِقْنَاعِ " قُلْتُ: فِي بَعْضِ ذَلِكَ مَا لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ.
تَتِمَّةٌ يَنْبَغِي أَنْ يَشْهَدَ الْمُتَحَكِّمُ عَلَى الْخَصْمَيْنِ بِالرِّضَى بِحُكْمِهِ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا؛ لِئَلَّا يَجْحَدَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا أَنَّهُ حُكْمُهُ؛ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
[بَابُ أَدَبِ الْقَاضِي]
الْأَدَبُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالدَّالِ يُقَالُ أَدِبَ الرَّجُلُ بِكَسْرِ الدَّالِ وَضَمِّهَا لُغَةً إذَا صَارَ أَدِيبًا فِي خُلُقٍ أَوْ عِلْمٍ (وَهُوَ أَخْلَاقُهُ الَّتِي يَنْبَغِي لَهُ التَّخَلُّقُ بِهَا) ، وَالْمَقْصُودُ
مِنْ هَذَا الْبَابِ بَيَانُ مَا يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي، أَوْ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِنَفْسِهِ وَأَعْوَانِهِ مِنْ الْآدَابِ وَالْقَوَانِينِ (وَالْخُلُقُ) بِضَمِّ اللَّامِ (صُورَتُهُ الْبَاطِنَةُ) وَهِيَ نَفْسُهُ وَأَوْصَافَهَا وَمَعَانِيهَا، وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ يَتَعَلَّقَانِ بِأَوْصَافِ الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: حُسْنُ الْخُلُقِ اخْتِيَارُ الْفَضَائِلِ وَتَرْكُ الرَّذَائِلِ.
(يُسَنُّ كَوْنُهُ) أَيْ: الْقَاضِي (قَوِيًّا بِلَا عُنْفٍ) لِئَلَّا يَطْمَعَ فِيهِ الظَّالِمُ، وَالْعُنْفُ ضِدُّ الرِّفْقِ (لَيِّنًا بِلَا ضَعْفٍ) لِئَلَّا يَهَابَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ (حَلِيمًا) لِئَلَّا يَغْضَبَ مِنْ كَلَامِ الْخَصْمِ، فَيَمْنَعَهُ الْحُكْمَ (مُتَأَنِّيًا) مِنْ التَّأَنِّي، وَهُوَ ضِدُّ الْعَجَلَةِ؛ لِئَلَّا تُؤَدِّيَ عَجَلَتُهُ إلَى مَا لَا يَنْبَغِي (مُتَفَطِّنًا) لِئَلَّا يُخْدَعَ مِنْ بَعْضِ الْخُصُومِ لِغُرَّةٍ (عَفِيفًا) أَيْ: كَافًّا نَفْسَهُ عَنْ الْحَرَامِ، لِئَلَّا يَطْمَعَ فِي مَسْأَلَةٍ بِإِطْمَاعِهِ (وَرِعًا نَزِهًا) أَيْ: بَعِيدًا مِنْ الطَّمَعِ صَدُوقَ اللَّهْجَةِ، بَصِيرًا بِأَحْكَامِ الْحُكَّامِ قَبْلَهُ (يَخَافُ) اللَّهَ تَعَالَى وَيُرَاقِبُهُ.
(لَا يُؤْتَى مِنْ غَفْلَةٍ، وَلَا يُخْدَعُ لِغُرَّةٍ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ: لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا حَتَّى تَكْمُلَ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ: عَفِيفٌ حَلِيمٌ عَالِمٌ بِمَا كَانَ قَبْلَهُ يَسْتَشِيرُ ذَوِي الْأَلْبَابِ لَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ (صَحِيحَ الْبَصَرِ وَالسَّمْعِ عَالِمًا بِلُغَاتِ أَهْلِ وِلَايَتِهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْكَنُ فِي الْعَدْلِ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ الْمُتَرْجِمَ قَدْ يُخْفِي شَيْئًا مِنْ كَلَامِ أَحَدِهِمَا (لَا يَهْزِلُ) وَلَا يَمْجُنُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُخِلُّ بِهَيْبَتِهِ (ذَا رَأْيٍ وَمَشُورَةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عَلِيٍّ (لِكَلَامِهِ لِينٌ إذَا قَرُبَ، وَهَيْبَةٌ إذَا أَوْعَدَ، وَوَفَاءٌ إذَا وَعَدَ) يُقَالُ وَعَدَ فِي الْخَيْرِ، وَأَوْعَدَ فِي ضِدِّهِ، هَذَا هُوَ الْأَصْلُ، وَيُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَعْنَى الْآخَرِ، وَ (لَا) يَكُونُ (جَبَّارًا وَلَا عَسُوفًا) لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْمَعْقُودُ بِتَوْلِيَتِهِ مِنْ إيصَالِ الْحَقِّ لِمُسْتَحِقِّهِ. .
(وَسُنَّ سُؤَالُهُ إنْ وُلِّيَ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ عَنْ عُلَمَائِهِ) يُشَاوِرُهُمْ فِي الْحَوَادِثِ، وَيَسْتَعِينُ بِهِمْ عَلَى قَضَائِهِ (وَعَنْ عُدُولِهِ) لِاسْتِنَادِ أَحْكَامِهِمْ إلَيْهِ، وَثُبُوتِ الْحُقُوقِ عِنْدَهُ بِهِمْ، فَيَقْبَلُ أَوْ يَرُدُّ مَنْ يَرَاهُ لِذَلِكَ أَهْلًا، وَيَكُونُ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْهُمْ.
(وَ) يُسَنُّ (إعْلَامُهُمْ) بِأَنْ يَنْفُذَ عِنْدَ مَسِيرِهِ مَنْ يُعْلِمُهُمْ (بِيَوْمِ دُخُولِهِ الْبَلَدَ لِيَتَلَقَّوْهُ) لِأَنَّهُ أَوْقَعُ فِي النُّفُوسِ، وَأَعْظَمُ لِحِشْمَتِهِ (مِنْ غَيْرِ
أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِتَلَقِّيهِ) لِأَنَّهُ أَنْسَبُ بِمَقَامِهِ، (وَ) يُسَنُّ (دُخُولُهُ يَوْمَ اثْنَيْنِ أَوْ يَوْمَ خَمِيسٍ أَوْ يَوْمَ سَبْتٍ) لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم «دَخَلَ فِي الْهِجْرَةِ الْمَدِينَةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَكَذَا مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَقَالَ: بُورِكَ لِأُمَّتِي فِي سَبْتِهَا وَخَمِيسِهَا» .
وَيَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَهَا (ضَحْوَةً) تَفَاؤُلًا لِاسْتِقْبَالِ الشَّهْرِ
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَكَانَ اسْتِقْبَالُ الشَّهْرِ تَفَاؤُلًا كَأَوَّلِ النَّهَارِ، (لَابِسًا أَجْمَلَ ثِيَابِهِ) أَيْ: أَحْسَنَهَا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ الْجَمَالَ، وَقَالَ:{خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31] لِأَنَّهَا مَجَامِعُ النَّاسِ، وَهُنَا يَجْتَمِعُ مَا لَا يَجْتَمِعُ فِي الْمَسَاجِدِ فَهُوَ أَوْلَى بِالزِّينَةِ (وَكَذَا أَصْحَابُهُ) لِأَنَّهُ أَعْظَمُ لَهُ وَلَهُمْ فِي النُّفُوسِ (وَلَا يَتَطَيَّرُ) أَيْ يَتَشَاءَمُ (وَإِنْ تَفَاءَلَ فَحَسَنٌ) لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ، وَيَنْهَى عَنْ الطِّيَرَةِ، (فَيَأْتِي الْجَامِعَ فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ) تَحِيَّتَهُ (وَيَجْلِسُ مُسْتَقْبِلًا) الْقِبْلَةَ؛ لِأَنَّ خَيْرَ الْمَجَالِسِ مَا اُسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ، (وَيَأْمُرُ الْقَاضِيَ بِعَهْدِهِ فَيَقْرَأُ عَلَى النَّاسِ) لِيَعْلَمُوا تَوْلِيَتَهُ وَاحْتِفَاظَ الْإِمَامِ عَلَى اتِّبَاعِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، وَقَدْرَ الْمُوَلَّى بِفَتْحِ اللَّامِ عِنْدَهُ، وَحُدُودَ وِلَايَتِهِ، وَمَا فُوِّضَ إلَيْهِ الْحُكْمُ فِيهِ، (وَيَأْمُرُ بِمَنْ يُنَادِيهِمْ بِيَوْمِ جُلُوسِهِ لِلْحُكْمِ) لِيَعْلَمَهُ مَنْ لَهُ حَاجَةٌ فَيَأْتِيَ فِيهِ (وَيُقِلُّ مِنْ كَلَامِهِ إلَّا لِحَاجَةٍ) لِلْكَلَامِ؛ لِأَنَّهُ أَهَيْبُ (ثُمَّ يَمْضِي إلَى مَنْزِلِهِ الَّذِي أُعِدَّ لَهُ) لِيَسْتَرِيحَ.
(وَيُنْفِذُ) أَيْ: يَبْعَثُ ثِقَةً (فَيَتَسَلَّمُ دِيوَانَ الْحُكْمِ) بِكَسْرِ الدَّالِ، وَحُكِيَ فَتْحُهَا، وَهُوَ الدَّفْتَرُ الْمُعَدُّ لِكَتْبِ الْوَثَائِقِ وَالسِّجِلَّاتِ وَالْوَدَائِعِ (مِمَّنْ) كَانَ قَاضِيًا (قَبْلَهُ) لِأَنَّهُ الْأَسَاسُ الَّذِي يَنْبَنِي عَلَيْهِ وَهُوَ فِي يَدِ الْحَاكِمِ بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ، وَقَدْ صَارَتْ إلَيْهِ (وَيَأْمُرُ كَاتِبًا ثِقَةً يُثْبِتُ مَا تَسَلَّمَهُ بِمَحْضَرٍ عَدْلَيْنِ) احْتِيَاطًا. .
(ثُمَّ يَخْرُجُ يَوْمَ الْوَعْدِ أَيْ:) الَّذِي وَعَدَ النَّاسَ بِالْجُلُوسِ فِيهِ لِلْحُكْمِ (بِأَعْدَلِ أَحْوَالِهِ غَيْرَ غَضْبَانَ وَلَا جَوْعَانَ وَلَا حَاقِنٍ وَلَا مَهْمُومٍ بِمَا يَشْغَلُهُ عَنْ الْفَهْمِ) لِأَنَّهُ أَجْمَعُ لِقَلْبِهِ وَأَبْلَغُ فِي تَيَقُّظِهِ لِلصَّوَابِ
(فَيُسَلِّمُ عَلَى مَنْ يَمُرُّ بِهِ وَلَوْ صَبِيًّا) لِأَنَّهُ إمَّا رَاكِبٌ أَوْ مَاشٍ، وَالسُّنَّةُ، لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى مَنْ يَمُرّ بِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ (عَلَى مَنْ بِمَجْلِسِهِ) لِحَدِيثِ «إنَّ مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ إذَا لَقِيَهُ» (وَيُصَلِّي إنْ كَانَ بِمَسْجِدٍ تَحِيَّتَهُ) إنْ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ نَهْيٍ كَغَيْرِهِ (وَإِلَّا) يَكُنْ بِمَسْجِدٍ (خُيِّرَ) بَيْنَ الصَّلَاةِ وَتَرْكِهَا كَسَائِرِ الْمَجَالِسِ (وَالْأَفْضَلُ الصَّلَاةُ) لِيَنَالَ ثَوَابَهَا.
(وَيَجْلِسُ عَلَى بِسَاطٍ وَنَحْوِهِ) يَخْتَصُّ بِهِ لِيَتَمَيَّزَ عَنْ جُلَسَائِهِ (وَلَا يَجْلِسُ عَلَى تُرَابٍ وَحُصُرِ مَسْجِدٍ؛ لِأَنَّهُ يُذْهِبُ هَيْبَتَهُ مِنْ أَعْيُنِ الْخُصُومِ) وَلِأَنَّهُ مَقَامٌ عَظِيمٌ يَجِبُ فِيهِ إظْهَارُ الْحُرْمَةِ تَعْظِيمًا لِلشَّرْعِ (وَيَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى بِالتَّوْفِيقِ) لِلْحَقِّ وَالْعِصْمَةِ مِنْ زَلَلِ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ مَقَامٌ خَطَرٌ، وَكَانَ مِنْ دُعَاءِ عُمَرَ: اللَّهُمَّ أَرِنِي الْحَقَّ حَقًّا، وَوَفِّقْنِي لِاتِّبَاعِهِ، وَأَرِنِي الْبَاطِلَ بَاطِلًا، وَوَفِّقْنِي لِاجْتِنَابِهِ (مُسْتَعِينًا) أَيْ: طَالِبًا الْمَعُونَةَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى (مُتَوَكِّلًا) أَيْ: مُفَوِّضًا أَمْرَهُ إلَيْهِ، وَلْيَكُنْ دُعَاؤُهُ سِرًّا؛ لِأَنَّهُ أَرْجَى لِلْإِجَابَةِ، وَأَبْعَدُ مِنْ الرِّيَاءِ. .
(وَلْيَكُنْ مَجْلِسُهُ) فِي مَوْضِعٍ (لَا يَتَأَذَّى فِيهِ بِشَيْءٍ) لِئَلَّا يَشْتَغِلَ بَالُهُ بِمَا يُؤْذِيهِ (فَسِيحًا كَجَامِعٍ؛ فَيَجُوزُ، وَلَا يُكْرَهُ الْقَضَاءُ فِيهِ) رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْضُونَ فِي الْمَسْجِدِ، قَالَ مَالِكٌ: الْقَضَاءُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ الْقَدِيمِ، وَكَانَ عليه الصلاة والسلام يَجْلِسُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ حَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِ فِي الْفُتْيَا وَالْحُكْمِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَوَائِجِ النَّاسِ، وَأَمَّا الْجُنُبُ فَيَغْتَسِلُ وَالْحَائِضُ تُوَكِّلُ أَوْ تَأْتِي الْقَاضِيَ فِي مَنْزِلِهِ (وَيَصُونُهُ) ، أَيْ الْمَسْجِدَ (عَمَّا يُكْرَهُ) فِيهِ مِنْ نَحْوِ رَفْعِ صَوْتٍ (وَكَدَارٍ وَاسِعَةٍ وَسَطَ الْبَلَدِ إنْ أَمْكَنَ) تَسَاوِي أَهْلِ الْبَلَدِ فِي الْمُضِيِّ إلَيْهِ. .
(وَلَا يَتَّخِذُ حَاجِبًا وَلَا بَوَّابًا نَدْبًا بِلَا عُذْرٍ إلَّا فِي غَيْرِ مَجْلِسِ حُكْمٍ إنْ شَاءَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْتَجِبَ إلَّا فِي أَوْقَاتِ الِاسْتِرَاحَةِ) لِحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ مُرَّةَ مَرْفُوعًا: «مَا مِنْ إمَامٍ أَوْ وَالٍ يُغْلِقُ بَابَهُ دُونَ ذَوِي الْحَاجَاتِ وَالْخَلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ إلَّا أَغْلَقَ اللَّهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ دُونَ خَلَّتِهِ وَحَاجَتِهِ وَمَسْكَنَتِهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَلِأَنَّهُمَا رُبَّمَا مَنَعَا ذَا الْحَاجَةِ لِغَرَضِ النَّفْسِ أَوْ غَرَضِ
الْحُطَامِ.
(وَيَعْرِضُ الْقِصَصَ) لِيَقْضِيَ حَوَائِجَ أَصْحَابِهَا (وَيَجِبُ تَقْدِيمُ سَابِقٍ كَسَبْقِهِ الْمُبَاحِ) وَفِي مَعْنَاهُ الْمُعَلِّمُ إذَا اجْتَمَعَ عِنْده الطَّلَبَةُ (وَيَتَّجِهُ، وَكَذَا) يَجِبُ تَقْدِيمُ سَابِقٍ إلَى (نَحْوِ مُسْتَحِمٍّ) كَمَعْصَرَةٍ وَمَدْبَغَةٍ (وَرَحَى وَبَيْتٍ خَلَاءٍ) وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ؛ فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ غَيْرِ صَاحِبِ النَّوْبَةِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ
وَلَا يُقَدِّمُ (سَابِقٍ فِي أَكْثَرَ مِنْ حُكُومَةٍ) لِئَلَّا يَسْتَوْعِبَ الْمَجْلِسَ فَيَضُرَّ غَيْرَهُ، وَإِنْ ادَّعَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى الْمُدَّعِي حَكَمَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ الْأَوَّلُ فِي الدَّعْوَى، لَا فِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (وَيُقْرِعُ بَيْنَهُمْ إنْ حَضَرُوا دَفْعَةً وَاحِدَةً وَتَشَاحُّوا) فِي التَّقْدِيمِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ غَيْرَهَا.
(وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَيْ: الْقَاضِي الْعَدْلُ بَيْنَ مُتَحَاكِمَيْنِ) تَرَافَعَا إلَيْهِ (فِي لَحْظِهِ) أَيْ: مُلَاحَظَتِهِ (وَلَفْظِهِ) أَيْ: كَلَامِهِ لَهُمَا (وَمَجْلِسِهِ وَدُخُولٍ عَلَيْهِ إلَّا إذَا سَلَّمَ أَحَدُهُمَا فَيَرُدُّ عَلَيْهِ، وَلَا يَنْتَظِرُ سَلَامَ الثَّانِي) لِوُجُوبِ الرَّدِّ فَوْرًا (وَإِلَّا الْمُسْلِمَ) إذَا تَرَافَعَ إلَيْهِ (مَعَ الْكَافِرِ فَيُقَدِّمُ الْمُسْلِمَ) عَلَيْهِ أَيْ: الْقَاضِي دُخُولًا (وَيَرْفَعُ فِي الْجُلُوسِ) لِحُرْمَةِ الْإِسْلَامِ.
قَالَ تَعَالَى: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ} [السجدة: 18] وَدَلِيلُ وُجُوبِ الْعَدْلِ بَيْن الْخَصْمَيْنِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ أَبِي شَيْبَةَ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ اُبْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَعْدِلْ بَيْنَهُمْ فِي لَفْظِهِ وَإِشَارَتِهِ وَمَقْصِدِهِ، وَلَا يَرْفَعَنَّ صَوْتَهُ عَلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ وَلَا يَرْفَعُهُ عَلَى الْآخَرِ وَفِي رِوَايَةٍ: فَلْيُسَوِّ بَيْنَهُمْ فِي النَّظَرِ وَالْمَجْلِسِ وَالْإِشَارَةِ» ، وَلِأَنَّهُ إذَا مَيَّزَ أَحَدَهُمَا حُصِرَ الْآخَرُ وَانْكَسَرَ فَرُبَّمَا لَمْ يَفْهَمْ حُجَّتُهُ؛ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى ظُلْمِهِ، وَإِنْ أَذِنَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ لِلْقَاضِي فِي رَفْعِ خَصْمِهِ عَلَيْهِ؛
جَازَ لِإِسْقَاطِ خَصْمِهِ حَقَّهُ بِإِذْنِهِ فِيهِ (وَلَا يُكْرَهُ قِيَامُهُ لِلْخَصْمَيْنِ) فَإِنْ قَامَ لِأَحَدِهِمَا؛ وَجَبَ أَنْ يَقُومَ لِلْآخَرِ.
(وَيَحْرُمُ قِيَامُ الْقَاضِي لِأَحَدِهِمَا) أَيْ: أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ (أَنْ يُسَارّهُ) لِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ قَلْبِ صَاحِبِهِ، وَرُبَّمَا أَضْعَفَهُ ذَلِكَ عَنْ إقَامَةِ حُجَّتِهِ (أَوْ يُلَقِّنَهُ حُجَّتَهُ) لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَهُمَا، وَلِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَى صَاحِبِهِ (أَوْ يُضَيِّفَهُ) إلَّا أَنْ يُضَيِّفَ خَصْمَهُ مَعَهُ؛ لِمَا رُوِيَ «عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ نَزَلَ بِهِ رَجُلٌ فَقَالَ: أَلَكَ خَصْمٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ تَحَوَّلْ عَنَّا؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: لَا تُضَيِّفُوا أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ إلَّا وَمَعَهُ خَصْمُهُ» .
(أَوْ يُعَلِّمَهُ كَيْفَ يَدَّعِي) لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعَانَةِ عَلَى خَصْمِهِ (إلَّا أَنْ يَتْرُكَ مَا يَلْزَمُ ذِكْرُهُ) فِي الدَّعْوَى (كَشَرْطِ عَقْدٍ وَسَبَبِ إرْثٍ وَنَحْوِهِ فَلَهُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ) ضَرُورَةَ تَحْرِيرِ الدَّعْوَى، وَلَا ضَرَرَ عَلَى صَاحِبِهِ فِي ذَلِكَ، وَأَكْثَرُ الْخُصُومِ لَا يَعْلَمُهُ، وَلْيَتَّضِحْ لِلْقَاضِي وَجْهُ الْحُكْمِ.
(وَلَهُ) أَيْ: الْقَاضِي (أَنْ يَزِنَ) أَيْ: يَدْفَعَ عَنْ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ لِلْخَصْمِ الْآخَرِ مَا ثَبَتَ عَلَيْهِ عِنْدَهُ، أَوْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ بَعْضَهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَفْعًا لِخَصْمِهِ (وَلَهُ أَنْ يَشْفَعَ) لَهُ عِنْدَ خَصْمِهِ (لِيَضَعَ عَنْ خَصْمِهِ) وَيَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهَا شَفَاعَةٌ حَسَنَةٌ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا} [النساء: 85]«وَلِأَنَّ مُعَاذًا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَكَلَّمَهُ لِيُكَلِّمَ غُرَمَاءَهُ فَلَوْ تَرَكُوا لِأَحَدٍ لَتَرَكُوا مُعَاذًا لِأَجْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم» رَوَاهُ سَعِيدٌ. وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: «أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا عَلَيْهِ؛ وَأَشَارَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ ضَعْ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ. قَالَ: فَعَلْتُ. قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: قُمْ فَأَعْطِهِ» . قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا حُكْمٌ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم (أَوْ) أَيْ: وَيَجُوزُ أَنْ (يُنْظِرَهُ) أَيْ: يُمْهِلَ الْمَدِينَ بِدَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنْ الْوَضْعِ.
وَ (لِلْقَاضِي أَنْ يُؤَدِّبَ خَصْمًا افْتَاتَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: حَكَمْتَ