الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(وَإِنْ اجْتَمَعَ قَوْمٌ بِمَحَلٍّ فَقَتَلَ) بَعْضٌ بَعْضًا (وَجَرَحَ بَعْضٌ) مِنْهُمْ (بَعْضًا، وَجُهِلَ الْحَالُ) بِأَنْ لَمْ يُعْلَمْ الْقَاتِلُ وَلَا الْجَارِحُ (فَعَلَى عَاقِلَةِ الْمَجْرُوحِينَ دِيَةُ الْقَتْلَى) مِنْهُمْ (يَسْقُطُ مِنْهَا) أَيْ: الدِّيَةِ (أَرْشُ الْجِرَاحِ) قَضَى بِهِ عَلِيٌّ رَوَاهُ أَحْمَدُ.
(وَيُشَارِكُ مَنْ لَيْسَ بِهِ جُرْحٌ الْمَجْرُوحِينَ فِي دِيَةِ الْقَتْلَى) اخْتَارَهُ فِي " التَّصْحِيحِ الْكَبِيرِ " وَصَوَّبَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْإِقْنَاعِ " وَظَاهِرُ " الْمُنْتَهَى " أَنَّهُ لَا شَيْءَ مِنْ الدِّيَةِ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِهِ جُرْحٌ، وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يُشِيرَ إلَى ذَلِكَ.
(وَمَنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَنَّهُ قَتَلَ مُوَرِّثَهُ، فَقَالَ: إنَّمَا قَتَلَهُ زَيْدٌ فَصَدَّقَهُ زَيْدٌ) بِأَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ قَتَلَهُ (أُخِذَ) زَيْدٌ (بِهِ) نَقَلَ مُهَنَّا عَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَتَلَ أَخَاهُ، فَقَدَّمَهُ إلَى السُّلْطَانِ، فَقَالَ: إنَّمَا قَتَلَهُ فُلَانٌ فَقَالَ: فُلَانٌ: صَدَقَ أَنَا قَتَلْته؛ فَإِنَّ هَذَا الْمُقِرَّ بِالْقَتْلِ يُؤْخَذُ بِهِ.
قُلْت: أَلَيْسَ قَدْ ادَّعَى عَلَى الْأَوَّلِ؟ قَالَ: إنَّمَا هَذَا بِالظَّنِّ، فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يُؤْخَذُ الَّذِي أَقَرَّ أَنَّهُ قَتَلَهُ.
[بَابُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ]
(اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ) فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا.
قَالَ تَعَالَى {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179] ؛ وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْقِصَاصِ يَمْنَعُ مَنْ يُرِيدُ الْقَتْلَ مِنْهُ شَفَقَةً عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْقَتْلِ، فَتَبْقَى الْحَيَاةُ فِيمَنْ أُرِيدَ قَتْلُهُ، وَقِيلَ: إنَّ الْقَاتِلَ تَنْعَقِدُ الْعَدَاوَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَبِيلَةِ الْمَقْتُولِ، فَيُرِيدُ قَتْلَهُمْ خَوْفًا مِنْهُمْ، وَيُرِيدُونَ قَتْلَهُ وَقَتْلَ قَبِيلَتِهِ، فَفِي الِاقْتِصَاصِ مِنْهُمْ بِحُكْمِ الشَّرْعِ قَطْعُ تَسَبُّبِ الْهَلَاكِ بَيْنَ الْقَبِيلَتَيْنِ.
(وَهُوَ) أَيْ: اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ (فِعْلُ مَجْنِيٍّ عَلَيْهِ) فِيمَا دُونَ النَّفْسِ (أَوْ) فِعْلُ (وَلِيِّهِ) إنْ كَانَتْ فِي النَّفْسِ (بِجَانٍ مِثْلَ فِعْلِهِ) أَيْ: الْجَانِي (أَوْ شِبْهِهِ) كَأَنْ يَكُونَ قَتَلَهُ بِسُمٍّ أَوْ مُثْقَلٍ أَوْ تَجْرِيعِ خَمْرٍ، فَإِذَا اسْتَوْفَى مِنْهُ بِالسَّيْفِ يَكُونُ ذَلِكَ شِبْهَ فِعْلِ الْجَانِي، وَيَأْتِي مُفَصَّلًا.
(، وَشُرُوطُهُ) أَيْ: اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ (ثَلَاثَةٌ أَحَدُهَا: تَكْلِيفُ مُسْتَحِقٍّ) لِأَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ لَيْسَ أَهْلًا لِلِاسْتِيفَاءِ.
وَلَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ؛ لِمَا يَأْتِي (وَمَعَ صِغَرِهِ) أَيْ: مُسْتَحِقٍّ (أَوْ جُنُونِهِ؛ يُحْبَسُ جَانٍ بِهِ لِبُلُوغِ) صَغِيرٍ يَسْتَحِقُّهُ (أَوْ) إلَى (إفَاقَةِ) مَجْنُونٍ يَسْتَحِقُّهُ؛ لِأَنَّ مُعَاوِيَةَ حَبَسَ هُدْبَةَ بْنَ خَشْرَمَ فِي قِصَاصٍ حَتَّى بَلَغَ ابْنُ الْقَتِيلِ، وَكَانَ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكَرْ.
وَبَذَلَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَسَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ لِابْنِ الْقَتِيلِ سَبْعَ دِيَاتٍ فَلَمْ يَقْبَلْهَا؛ وَلِأَنَّ فِي تَخْلِيَتِهِ تَضْيِيعًا لِلْحَقِّ، إذْ لَا يُؤْمَنُ هَرَبُهُ، وَأَمَّا الْمُعْسِرُ بِالدَّيْنِ فَلَا يُحْبَسُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَجِبُ مَعَ الْإِعْسَارِ، بِخِلَافِ الْقِصَاصِ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ هُنَا، وَإِنَّمَا تَأَخَّرَ لِقُصُورِ الْمُسْتَوْفِي، وَأَيْضًا الْمُعْسِرُ إذَا حُبِسَ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْكَسْبُ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ، فَحَبْسُهُ يَضُرُّ الْجَانِبَيْنِ، وَهُنَا الْحَقُّ هُوَ نَفْسُهُ فَيَفُوتُ بِالتَّخْلِيَةِ.
(وَلَا يَمْلِكُ اسْتِيفَاءَهُ) أَيْ: الْقِصَاصِ (لَهُمَا) أَيْ: الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ (أَبٌ كَوَصِيٍّ وَحَاكِمٍ) إذْ لَا يَحْصُلُ بِاسْتِيفَائِهِمْ التَّشَفِّي لِلْمُسْتَحِقِّ لَهُ، فَتَفُوتُ حِكْمَةُ الْقِصَاصِ (فَإِنْ احْتَاجَا) أَيْ: الصَّغِيرُ وَالْمَجْنُونُ (لِنَفَقَةٍ فَلِوَلِيِّ مَجْنُونٍ) الْعَفْوُ إلَى الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَا حَدَّ لَهُ يَنْتَهِي إلَيْهِ (لَا) ، وَلِيُّ (صَغِيرٍ) فَلَيْسَ لَهُ الْعَفْوُ إلَى الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ إلَى الدِّيَةِ مُسْقِطٌ لِلْقِصَاصِ، وَلَا يَمْلِكُ إسْقَاطَ قِصَاصِهِ (غَيْرُ لَقِيطٍ) صَغِيرٍ مُحْتَاجٍ لِلنَّفَقَةِ؛ فَيَلْزَمُ الْإِمَامَ (الْعَفْوُ إلَى الدِّيَةِ) قَالَ فِي بَابِ اللَّقِيطِ: وَإِنْ قُطِعَ طَرَفُهُ عَمْدًا انْتَظَرَ بُلُوغَهُ وَرُشْدَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فَقِيرٌ فَيَلْزَمُ الْإِمَامَ الْعَفْوُ عَلَى مَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْهُ؛ دَفْعًا لِحَاجَةِ الْإِنْفَاقِ.
قَالَ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى " عَنْ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمَجْنُونِ وَالْعَاقِلِ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ "، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ اللَّقِيطَ لَوْ كَانَ مَجْنُونًا غَنِيًّا لَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ
الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ، بَلْ تُنْتَظَرُ إفَاقَتُهُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَالَهُ الْحَارِثِيُّ، وَقَطَعَ بِهِ فِي الشَّرْحِ
(وَإِنْ قَتَلَا) أَيْ: الصَّغِيرُ، وَالْمَجْنُونُ (قَاتِلَ مُوَرِّثِهِمَا، أَوْ قَطَعَا قَاطِعَهُمَا قَهْرًا) أَيْ: بِلَا إذْنِ جَانٍ (سَقَطَ حَقُّهُمَا) ؛ لِاسْتِيفَائِهِمَا مَا وَجَبَ لَهُمَا، كَمَا لَوْ كَانَ بِيَدِهِ مَالٌ لَهُمَا، فَأَخَذَاهُ مِنْهُ قَهْرًا فَأَتْلَفَاهُ وَ (كَمَا لَوْ اقْتَصَّا مِمَّنْ لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ دِيَتَهُ كَعَبْدٍ) فَيَسْقُطُ حَقُّهُمَا وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إيجَابُ دِيَتِهِ عَلَى أَحَدٍ.
الشَّرْطُ (الثَّانِي: اتِّفَاقُ الْمُشْتَرَكِينَ فِيهِ) أَيْ: الْقِصَاصِ (عَلَى اسْتِيفَائِهِ) فَلَيْسَ لِبَعْضِهِمْ اسْتِيفَاؤُهُ بِدُونِ إذْنِ الْبَاقِينَ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُسْتَوْفِيًا لِحَقِّ غَيْرِهِ بِلَا إذْنِهِ، وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ؛ أَشْبَهَ الدَّيْنَ (وَيُنْتَظَرُ قُدُومُ) ، وَارِثٍ (غَائِبٍ، وَبُلُوغُ) ، وَارِثٍ صَغِيرٍ (وَإِفَاقَةُ) ، وَارِثٍ مَجْنُونٍ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يُحْبَسُ الْجَانِي لِذَلِكَ، لِأَنَّ فِيهِ حَظًّا لِلْجَانِي بِتَأْخِيرِ الْجِنَايَةِ عَنْهُ، وَحَظًّا لِلْمُسْتَحِقِّ بِإِيصَالِهِ إلَى حَقِّهِ.
وَحَيْثُ وَجَبَ الِانْتِظَارُ (فَلَا يَنْفَرِدُ بِهِ) أَيْ: الْقِصَاصِ (بَعْضُهُمْ)(كَ) مَا يَمْتَنِعُ عَلَى بَعْضِهِمْ الِانْفِرَادُ بِأَخْذِ (دِيَةٍ)، وَجَبَتْ؛ لِأَنَّهُمْ شُرَكَاءُ فِي الْقِصَاصِ (وَكَقِنٍّ مُشْتَرَكٍ) قَتَلَ فَلَا يَنْفَرِدُ؛ بَعْضُهُمْ بِقَتْلِ قَاتِلِهِ الْمُكَافِئِ لَهُ (بِخِلَافِ) قَتْلٍ فِي (مُحَارَبَةٍ) فَلَا يُشْتَرَطُ فِي قَتْلِ قَاطِعِ طَرِيقٍ قُتِلَ اتِّفَاقُ أَوْلِيَاءِ مَنْ قَطَعَ الطَّرِيقَ عَلَيْهِمْ (لِتَحَتُّمِهِ) أَيْ: تَحَتُّمِ قَتْلِهِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى (وَ) بِخِلَافِ (حَدِّ قَذْفٍ) فَيُقَامُ إذَا طَلَبَهُ بَعْضُ الْوَرَثَةِ حَيْثُ يُورَثُ بِأَنْ طَالَبَ بِهِ الْمُوَرِّثُ فِي حَيَاتِهِ (لِوُجُوبِهِ) أَيْ: حَدِّ الْقَذْفِ (لِكُلِّ وَاحِدٍ) مِنْ الْوَرَثَةِ إذَا طَلَبَهُ (كَامِلًا) ، وَمَنْ لَا وَارِثَ لَهُ يَسْتَوْفِي الْإِمَامُ الْقِصَاصَ فِيهِ بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ لَا بِحُكْمِ الْإِرْثِ، وَإِنَّمَا قَتَلَ الْحَسَنُ ابْنَ مَلْجَمٍ كُفْرًا؛ لِأَنَّ مَنْ اعْتَقَدَ حِلَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ كَافِرًا، وَقِيلَ لِسَعْيِهِ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَنْتَظِرْ الْحَسَنُ غَائِبًا مِنْ الْوَرَثَةِ.
(وَمَنْ مَاتَ) مِنْ وَرَثَةِ مَقْتُولٍ (فَوَارِثُهُ) أَيْ: الْمَيِّتِ (كَهُوَ) لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلْمَيِّتِ فَانْتَقَلَ إلَى وَارِثِهِ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ (وَمَتَى انْفَرَدَ بِهِ) أَيْ: الْقِصَاصِ (مَنْ مُنِعَ) مِنْ الِانْفِرَادِ بِهِ (عُزِّرَ فَقَطْ) لِافْتِئَاتِهِ بِالِانْفِرَادِ، وَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَمُنِعَ مِنْ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ؛ لِعَدَمِ التَّجَزُّؤِ، فَإِذَا اسْتَوْفَى وَقَعَ نَصِيبُهُ قِصَاصًا، وَبَقِيَّةُ الْجِنَايَةِ عَلَى بَعْضِ النَّفْسِ فَيَتَعَذَّرُ فِيهِ الْقِصَاصُ؛ لِامْتِنَاعِ الْمُمَاثَلَةِ، فَوَجَبَ سُقُوطُهُ لِذَلِكَ.
(وَلِشَرِيكِ) مُقْتَصٍّ (فِي تَرِكَةِ جَانٍ حَقُّهُ) أَيْ: الَّذِي لَمْ يَقْتَصَّ (مِنْ الدِّيَةِ) بِقِسْطِهِ مِنْهَا (وَيَرْجِعُ وَارِثُ جَانٍ عَلَى مُقْتَصٍّ بِمَا فَوْقَ حَقِّهِ) مِنْ الدِّيَةِ (فَ) لَوْ كَانَ الْجَانِي أَقَلَّ دِيَةً مِنْ قَاتِلِهِ كَ (امْرَأَةٍ قَتَلَتْ رَجُلًا لَهُ ابْنَانِ، فَقَتَلَهَا أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ إذْنِ الْآخَرِ فَلِلْآخَرِ) الَّذِي لَمْ يَأْذَنْ (نِصْفُ دِيَةِ أَبِيهِ فِي تَرِكَةِ الْمَرْأَةِ) الْقَاتِلَةِ، كَمَا لَوْ أَتَتْ (وَيَرْجِعُ، وَرَثَتُهَا بِنِصْفِ دِيَتِهَا عَلَى قَاتِلِهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ سِوَى نِصْفَ دَمِهَا، وَقَدْ اسْتَوْفَاهُ (وَهُوَ) أَيْ: نِصْفُ دِيَةِ الْمَرْأَةِ (رُبُعُ دِيَةِ الرَّجُلِ) لِأَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ (وَإِنْ عَفَا بَعْضُهُمْ) أَيْ: الْوَرَثَةِ عَنْ الْقِصَاصِ، وَكَانَ مُكَلَّفًا (وَلَوْ) كَانَ الْعَافِي (زَوْجَةً أَوْ زَوْجًا أَوْ ذَا رَحِمٍ أَوْ شَهِدَ) بَعْضُ الْوَرَثَةِ (وَلَوْ مَعَ فِسْقِهِ بِعَفْوِ شَرِيكِهِ؛، وَيَتَّجِهُ: أَوْ أَقَرَّ) بِعَفْوِ شَرِيكِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُتَّجِهًا لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ إلَى الْعَفْوِ بِقَوْلِهِ: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [البقرة: 237] لَكِنَّهُ لَا قَائِلَ بِهِ فِيمَا عَلِمْت، بَلْ مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ: لَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ عَلَى الْغَيْرِ، وَهَذَا مِنْهُ (سَقَطَ الْقَوَدُ) أَمَّا سُقُوطُهُ بِعَفْوِ بَعْضِهِمْ؛ فَلِأَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مِنْ جُمْلَةِ الْوَرَثَةِ، وَدَخَلَا فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ» ، وَهَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ أَهْلِهِ، وَالْمَرْأَةُ وَلَوْ كَانَتْ زَوْجَةً مِنْ أَهْلِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم -
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ أَنَّ عُمَرَ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَتَلَ قَتِيلًا، فَجَاءَ وَرَثَةُ الْمَقْتُولِ لِيَقْتُلُوهُ، فَقَالَتْ امْرَأَةُ الْمَقْتُولِ وَهِيَ أُخْتُ الْقَاتِلِ: قَدْ عَفَوْت عَنْ حَقِّي، فَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُ أَكْبَرُ عَتَقَ الْقَتِيلُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
وَأَمَّا سُقُوطُهُ بِشَهَادَةِ بَعْضِهِمْ بِعَفْوِ شَرِيكِهِ وَلَوْ مَعَ فِسْقِهِ؛ فَلِإِقْرَارِهِ بِسُقُوطِ نَصِيبِهِ، وَإِذَا أَسْقَطَ بَعْضُهُمْ حَقَّهُ سَرَى إلَى الْبَاقِي كَالْعِتْقِ (وَلِمَنْ لَمْ يَعْفُ) مِنْ الْوَرَثَةِ (حَقُّهُ مِنْ الدِّيَةِ عَلَى جَانٍ) سَوَاءٌ عَفَا شَرِيكُهُ مُطْلَقًا أَوْ إلَى الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَمَّا فَاتَهُ مِنْ الْقِصَاصِ كَمَا لَوْ وَرِثَ الْقَاتِلُ بَعْضَ دَمِهِ (ثُمَّ إنْ قَتَلَهُ عَافٍ قُتِلَ وَلَوْ ادَّعَى نِسْيَانَهُ) أَيْ: الْعَفْوِ (أَوْ جَوَازَهُ) أَيْ: الْقَتْلِ بَعْدَ الْعَفْوِ سَوَاءٌ عَفَا مُطْلَقًا أَوْ إلَى مَالٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 178]
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُهُ أَيْ: بَعْدَ أَخْذِهِ الدِّيَةَ. وَلِأَنَّهُ قَتَلَ مَعْصُومًا مُكَافِئًا.
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ مِنْ الْعَافِي دَعْوَى الْجَوَازِ إذَا قَتَلَ الْجَانِي (وَكَانَ مِمَّنْ لَا يَجْهَلُهُ) أَيْ: الْجَوَازَ (مِثْلُهُ) كَمَنْ نَشَأَ فِي قَرْيَةٍ أَوْ مِصْرٍ؛ إذْ الْغَالِبُ أَنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ عَدَمُ جَوَازِ انْفِرَادِهِ بِالْقَتْلِ بِدُونِ إذْنِ شُرَكَائِهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ مِثْلُهُ يَحْصُلُ عَدَمُ جَوَازِ قَتْلِ الْجَانِي بَعْدَ عَفْوِهِ عَنْهُ، كَمَنْ نَشَأَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ بَيْنَ أَهْلِ الْجَفَاءِ مِنْ الْأَعْرَابِ، وَنَحْوَهُمْ، وَقَتَلَهُ لَا يُقْتَلُ بِهِ؛ إذْ جَهْلُهُ شُبْهَةٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
(وَكَذَا شَرِيكُ) عَافٍ (عَلِمَ بِالْعَفْوِ) أَيْ: عَفْوِ شَرِيكِهِ (وَعَلِمَ سُقُوطَ الْقَوَدِ بِهِ) أَيْ: بِعَفْوِ شَرِيكِهِ؛ ثُمَّ قَتَلَهُ؛ فَيُقْتَلُ بِهِ، سَوَاءٌ حَكَمَ بِالْعَفْوِ
حَاكِمٌ، أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ مَعْصُومًا عَالِمًا بِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ، وَالِاخْتِلَافُ لَا يُسْقِطُ الْقِصَاصَ؛ إذْ لَوْ قُتِلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ قَتَلْنَاهُ بِهِ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي قَتْلِهِ، وَإِلَّا يَعْلَمْ بِعَفْوِ شَرِيكِهِ، وَبِسُقُوطِ الْقَوَدِ بِهِ، بِأَنْ قَتَلَهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِهِمَا؛ فَلَا قِصَاصَ لِاعْتِقَادِ ثُبُوتِ حَقِّهِ فِيهِ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ (وَوَدَاهُ) أَيْ: أَدَّى دِيَتَهُ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ فَوَجَبَ ضَمَانُهُ كَسَائِرِ الْخَطَإِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ.
(وَيَسْتَحِقُّ كُلُّ وَارِثٍ) لِلْمَقْتُولِ مِنْ (الْقَوَدِ بِقَدْرِ إرْثِهِ) مِنْ مَالِ الْمَقْتُولِ حَتَّى الزَّوْجَيْنِ وَذِي الرَّحِمِ؛ لِأَنَّ الْقَوَدَ حَقٌّ ثَبَتَ لِلْوَارِثِ عَلَى سَبِيلِ الْإِرْثِ، فَوَجَبَ لَهُ بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ مِنْ الْمَالِ (وَيَنْتَقِلُ) حَقُّ الْقَوَدِ (مِنْ مُوَرِّثِهِ) أَيْ الْمَقْتُولِ (إلَيْهِ) أَيْ: إلَى الْوَارِثِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ نَفْسِ الْمَقْتُولِ كَالدِّيَةِ.
(وَمَنْ لَا وَارِثَ لَهُ) مِنْ الْقَتْلَى (فَالْإِمَامُ وَلِيُّهُ) فِي الْقَوَدِ وَالدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ (لَهُ) أَيْ: الْإِمَامِ (أَنْ يَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ إلَى مَالٍ) أَيْ: دِيَةٍ فَأَكْثَرَ، فَيَفْعَلُ مَا يَرَاهُ الْأَصْلَحَ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلُ الْمُسْلِمِينَ، وَ (لَا) يَعْفُو (مَجَّانًا) ، وَلَا عَلَى أَقَلَّ مِنْ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهَا حَقٌّ ثَابِتٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُهَا، وَلَا شَيْئًا مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا حَظَّ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ.
الشَّرْطُ (الثَّالِثُ: أَنْ يُؤْمَنَ فِي اسْتِيفَائِهِ) أَيْ: الْقَوَدِ (تَعَدِّيهِ) ؛ أَيْ: الِاسْتِيفَاءِ (إلَى غَيْرِ جَانٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} [الإسراء: 33](فَلَوْ لَزِمَ الْقَوَدُ حَامِلًا) لَمْ تُقْتَلْ حَتَّى تَضَعَ (أَوْ) لَزِمَ الْقَوَدُ (حَائِلًا فَحَمَلَتْ؛ لَمْ تُقْتَلْ حَتَّى تَضَعَ) حَمْلَهَا؛ لِأَنَّ قَتْلَهَا إسْرَافٌ؛ لِتَعَدِّيهِ إلَى حَمْلِهَا (وَ) حَتَّى (تَسْقِيَهُ اللِّبَأَ) قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ " بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غُنْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَشَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ قَالُوا: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا قَتَلَتْ الْمَرْأَةُ عَمْدًا فَلَا تُقْتَلُ حَتَّى تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا، وَحَتَّى تُكْفِلَ وَلَدَهَا» ؛ وَلِأَنَّهُ يُخَافُ عَلَى وَلَدِهَا، وَقَتْلُهُ حَرَامٌ، وَالْوَلَدُ يَتَضَرَّرُ بِتَرْكِ اللِّبَإِ ضَرَرًا كَثِيرًا، وَقَالَ فِي
الْكَافِي " لَا يَعِيشُ إلَّا بِهِ (ثُمَّ إنْ وُجِدَ مَنْ يُرْضِعُهُ) أَيْ: وَلَدَهَا بَعْدَ سَقْيِهَا لَهُ اللِّبَأَ (وَلَوْ بَهِيمَةً قُتِلَتْ) لِأَنَّ تَأْخِيرَ قَتْلِهَا إنَّمَا كَانَ لِلْخَوْفِ عَلَى وَلَدِهَا، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ، (وَإِلَّا) يُوجَدْ مَنْ يُرْضِعُهُ (فَ) لَا يُقَادُ مِنْهَا (حَتَّى تَفْطِمَهُ لِحَوْلَيْنِ) لِمَا تَقَدَّمَ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا أُخِّرَ الِاسْتِيفَاءُ لِحِفْظِهِ وَهُوَ حَمْلٌ، فَلَأَنْ يُؤَخَّرَ لِحِفْظِهِ بَعْدَ وَضْعِهِ أَوْلَى (وَكَذَا حَدٌّ بِرَجْمٍ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَتُقَادُ) حَامِلٌ (فِي طَرَفٍ) بِمُجَرَّدِ وَضْعٍ (وَتُحَدُّ) حَامِلٌ (بِجَلْدٍ) لِقَذْفٍ أَوْ جَلْدِ شُرْبٍ أَوْ غَيْرِهِمَا (بِمُجَرَّدِ وَضْعِ) حَمْلٍ صَرَّحَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى " (حَيْثُ لَمْ يُخَفْ عَلَيْهَا) ، وَلَا عَلَى الْوَلَدِ الضَّرَرُ مِنْ تَأْثِيرِ اللَّبَنِ (لِضَعْفٍ) فَإِنْ كَانَ بِهَا ضَعْفٌ يُخَافُ تَلَفُهَا لَمْ يُقَمْ عَلَيْهَا الْحَدُّ حَتَّى تَقْوَى دَفْعًا لِلضَّرَرِ، قَالَهُ فِي " الْبُلْغَةِ " بِمَعْنَاهُ.
وَقَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهَا بِالْوَضْعِ قَالَ فِي " التَّنْقِيحِ ": بَلْ بِمُجَرَّدِ الْوَضْعِ قَبْلَ سَقْيِ اللِّبَأَ.
(وَمَتَى ادَّعَتْ الْحَمْلَ) امْرَأَةٌ وَجَبَ عَلَيْهَا قَوَدٌ أَوْ قَطْعٌ أَوْ حَدٌّ بِرَجْمٍ أَوْ جَلْدٍ (وَأَمْكَنَ بِأَنْ لَمْ تَكُنْ آيِسَةً) ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ أَوْ سَيِّدٌ (قُبِلَ) قَوْلُهَا؛ لِأَنَّ لِلْحَمْلِ أَمَارَاتٍ خَفِيَّةً تَعْلَمُهَا مِنْ نَفْسِهَا دُونَ غَيْرِهَا، خُصُوصًا فِي ابْتِدَاءِ الْحَمْلِ، وَلَا يُؤْمَنُ الْخَطَرُ بِتَكْذِيبِهَا، فَوَجَبَ أَنْ يُحْتَاطَ لَهُ كَالْحَيْضِ (وَحُبِسَتْ لِقَوَدٍ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَ (لَا) تُحْبَسُ (لِحَدٍّ) بَلْ تُتْرَكُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِآدَمِيٍّ يَخْشَى فَوْتَهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ الْحَدُّ لِآدَمِيٍّ كَحَدِّ الْقَذْفِ فَيَتَوَجَّهُ حَبْسُهَا - كَحَبْسِهَا لِلْقَوَدِ (وَلَوْ مَعَ غَيْبَةِ وَلِيِّ مَقْتُولٍ) لِجَوَازِ أَنْ تَهْرُبَ، فَلَا يُسْتَوْفَى مِنْهَا، بِخِلَافِ حَبْسٍ فِي مَالِ غَائِبٍ، وَتَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، وَحَيْثُ وَجَبَ حَبْسُهَا فَتُحْبَسُ (حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهَا) فِي الْحَمْلِ، وَعَدَمِهِ.
(وَمَنْ 630 اقْتَصَّ مِنْ حَامِلٍ) فِي نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ، فَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَضَعْهُ وَلَمْ تَتَيَقَّنْهُ حَمْلًا، لَكِنْ مَاتَتْ عَلَى مَا بِهَا مِنْ انْتِفَاخِ الْبَطْنِ وَأَمَارَةِ الْحَمْلِ، فَلَا ضَمَانَ