الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَلَهُ؛ أَيْ: الْمُسْتَفْتِي (الْعَمَلُ بِخَطِّ الْمُفْتِي، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ الْفَتْوَى مِنْ لَفْظِهِ إذَا عَرَفَ أَنَّهُ خَطُّهُ) لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كَانَ يَكْتُبُ لِعُمَّالِهِ وَوُلَاتِهِ وَسُعَاتِهِ، وَيَعْمَلُونَ بِذَلِكَ. وَلِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، بِخِلَافِ حُكْمِ الْحَاكِمِ.
قَالَ فِي شَرْحِ " الْإِقْنَاعِ " قُلْتُ: وَمِنْ ذَلِكَ الْعَمَلُ بِكُتُبِ الْأَئِمَّةِ إذَا عَلِمَ أَنَّهَا خَطُّهُمْ، أَوْ نَقَلَهَا الثِّقَةُ مِنْ خَطِّهِمْ.
[فَصْلٌ فِي بَيَانِ الْقَضَاءُ]
فَصْلٌ (وَالْقَضَاءُ هُوَ) فِي اللُّغَةِ إحْكَامُ الشَّيْءِ وَالْفَرَاغُ مِنْهُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى:{فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} [فصلت: 12] وَبِمَعْنَى أَوْجَبَ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى:{وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ} [الإسراء: 23] وَبِمَعْنَى أَمْضَى الْحُكْمَ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى:" {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ} [الإسراء: 4] ، أَيْ: وَأَمْضَيْنَا وَأَنْهَيْنَا، وَسُمِّيَ الْحَاكِمُ قَاضِيًا، لِأَنَّهُ يُمْضِي الْأَحْكَامَ وَيُحْكِمُهَا أَوْ لِإِيجَابِ الْحُكْمِ عَلَى مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ. وَاصْطِلَاحًا: (تَبَيُّنُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَالْإِلْزَامُ بِهِ وَفَصْلُ الْحُكُومَاتِ) ؛ أَيْ: الْخُصُومَاتِ. وَالْحُكْمُ إنْشَاءٌ لِذَلِكَ الْإِلْزَامِ إنْ كَانَ فِيهِ إلْزَامٌ، أَوْ لِلْإِبَاحَةِ إحْيَاؤُهُ صَارَ مُبَاحًا لِجَمِيعِ النَّاسِ. وَالْإِطْلَاقُ، إنْ كَانَ الْحُكْمُ فِي الْإِبَاحَةِ كَحُكْمِ الْحَاكِمِ الْمَالِكِيِّ بِأَنَّ الْمَوَاتَ إذَا بَطَلَ إحْيَاؤُهُ صَارَ مُبَاحًا لِجَمِيعِ النَّاسِ قَالَهُ ابْنُ قُنْدُسٍ وَفِي " الِاخْتِيَارَاتِ الْحَاكِمُ فِيهِ صِفَاتٌ ثَلَاثٌ، فَمِنْ جِهَةِ الْإِثْبَاتِ هُوَ شَاهِدٌ وَمِنْ جِهَةِ الْأَمْرِ " وَالنَّهْيِ هُوَ مُفْتٍ، وَمِنْ جِهَةِ الْإِلْزَامِ بِذَلِكَ هُوَ ذُو سُلْطَانٍ. انْتَهَى.
وَأَرْكَانُ الْقَضَاءِ خَمْسَةٌ: الْقَاضِي وَالْمَقْضِيُّ بِهِ وَالْمَقْضِيُّ فِيهِ وَالْمَقْضِيُّ لَهُ وَالْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى:{يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} [ص: 26]
وقَوْله تَعَالَى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء: 65] الْآيَةَ.
وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ؛ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى نَصْبِ الْقُضَاةِ لِلْفَصْلِ بَيْنَ النَّاسِ. (وَهُوَ) ؛ أَيْ الْقَضَاءُ (فَرْضُ كِفَايَةٍ كَالْإِمَامَةِ) الْعُظْمَى.
قَالَ أَحْمَدُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ حَاكِمٍ، أَتَذْهَبُ حُقُوقُ النَّاسِ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: قَدْ أَوْجَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم تَأْمِيرَ الْوَاحِدِ فِي الِاجْتِمَاعِ الْقَلِيلِ الْعَارِضِ فِي السَّفَرِ، وَهُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنْوَاعِ الِاجْتِمَاعِ، وَإِذَا أَجْمَعَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهِ أَثِمُوا.
قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إنْ لَمْ يَحْتَكِمُوا فِي غَيْرِهِ، لَكِنَّ الْمُخَاطَبَ بِنَصَبِ الْقُضَاةِ الْإِمَامُ كَمَا يَأْتِي.
(وَوِلَايَتُهُ) ؛ أَيْ: الْقَضَاءِ (رُتْبَةٌ دِينِيَّةٌ) وَنَصَبَةُ شَرْعِيَّةٌ (وَفِيهِ فَضْلٌ عَظِيمٌ لِمَنْ قَوِيَ عَلَى الْقِيَامِ بِهِ وَأَدَاءِ الْحَقِّ فِيهِ) قَالَ. مَسْرُوقٌ: لَأَنْ أَحْكُمَ يَوْمًا بِحَقٍّ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَغْزُوَ سَنَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْوَاجِبُ اتِّخَاذُ الْوِلَايَةِ دِينًا وَقُرْبَةً؛ فَإِنَّهَا مِنْ أَفْضَلِ الْقُرُبَاتِ، وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى (وَإِنَّمَا فَسَدَ حَالُ الْأَكْثَرِ لِطَلَبِ الرِّيَاسَةِ وَالْمَالِ بِهِ)، أَيْ: الْقَضَاءِ: (وَفِيهِ خَطَرٌ عَظِيمٌ وَوِزْرٌ كَبِيرٌ لِمَنْ لَمْ يُؤَدِّ الْحَقَّ فِيهِ) وَفِي الْحَدِيثِ: «مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
أَيْ: مَنْ تَصَدَّى لِلْقَضَاءِ وَتَوَلَّاهُ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلذَّبْحِ، فَلْيَحْذَرْهُ، وَالذَّبْحُ هَاهُنَا مَجَازٌ عَنْ الْهَلَاكِ.
فَإِنَّهُ مِنْ أَسْرَعِ أَسْبَابِهِ (فَمَنْ عَرَفَ الْحَقَّ وَلَمْ يَقْضِ بِهِ) أَوْ قَضَى عَلَى جَهْلٍ فَفِي النَّارِ، (وَمَنْ عَرَفَ الْحَقَّ وَقَضَى بِهِ فَفِي الْجَنَّةِ) لِحَدِيثِ:«قَاضِيَانِ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ» .
وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُنَصِّبَ بِكُلِّ إقْلِيمٍ قَاضِيًا لِأَنَّ الْإِمَامَ هُوَ الْقَائِمُ بِأَمْرِ الرَّعِيَّةِ الْمُتَكَلِّمُ بِمَصْلَحَتِهِمْ الْمَسْئُولِ عَنْهُمْ، فَيَبْعَثُ الْقُضَاةَ إلَى الْأَمْصَارِ كَفِعْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالصَّحَابَةِ، وَلِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ،
لِئَلَّا يَتَوَقَّفَ الْأَمْرُ عَلَى السَّفَرِ إلَى الْإِمَامِ، فَتَضِيعُ الْحُقُوقُ
؛ لِمَا فِي السَّفَرِ إلَيْهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ وَكُلْفَةِ النَّفَقَةِ.
وَبَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَاضِيًا إلَى الْيَمَنِ، وَوَلَّى عُمَرُ شُرَيْحًا قَضَاءَ الْكُوفَةِ، وَكَعْبَ بْنَ سَوَّارٍ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ.
وَالْإِقْلِيمُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَحَدُ الْأَقَالِيمِ السَّبْعَةِ، وَلَيْسَ بِعَرَبِيٍّ مَحْضٍ وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ (أَنْ يَخْتَارَ لِذَلِكَ أَفْضَلَ مَنْ يَجِدُ عِلْمًا وَوَرَعًا) لِأَنَّ الْإِمَامَ يَنْظُرُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ اخْتِيَارُ الْأَصْلَحِ لَهُمْ، فَيَخْتَارُ أَفْضَلَهُمْ عِلْمًا، لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالشَّيْءِ فَرْعٌ عَنْ الْعِلْمِ بِهِ، الْأَفْضَلُ أَثْبَتُ وَأَمْكَنُ وَكَذَا مِنْ وَرَعِهِ أَشَدُّ، سُكُونُ النَّفْسِ إلَى مَا يَحْكُمُ بِهِ أَعْظَمُ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الْإِمَامُ الْأَفْضَلَ سَأَلَ عَمَّنْ يَصْلُحُ، فَإِنْ ذُكِرَ لَهُ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ أَحْضَرَهُ، وَسَأَلَهُ لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ لِلْمَسْئُولِ غَرَضٌ غَيْرُ الْمَطْلُوبِ، فَإِنْ عَرَفَ عَدَالَتَهُ وَلَّاهُ، وَإِلَّا بَحَثَ عَنْهَا، فَإِذَا عَرَفَهَا وَلَّاهُ، وَإِلَّا لَمْ يُوَلِّهِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ (وَيَأْمُرُهُ بِالتَّقْوَى) وَإِيثَارِ الطَّاعَةِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ.
(وَتَحَرِّي الْعَدْلِ) وَالِاجْتِهَادِ فِي إقَامَةِ الْحَقِّ، لِأَنَّ ذَلِكَ تَذْكِرَةٌ لَهُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ، وَإِعَانَةٌ لَهُ فِي إقَامَةِ الْحَقِّ، وَتَقْوِيَةٌ لِقَلْبِهِ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى اعْتِنَاءِ الْإِمَامِ بِأَمْرِ الشَّرْعِ وَأَهْلِهِ، وَيَكْتُبُ الْإِمَامُ لِلْقَاضِي إذَا كَانَ غَائِبًا عَنْهُ عَهْدًا يَذْكُرُ لَهُ فِيهِ أَنَّهُ وَلَّاهُ، أَنَّهُ يَأْمُرُهُ بِتَقْوَى اللَّهِ إلَى آخِرِهِ (وَيَأْمُرُهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ فِي كُلِّ صُقْعٍ) بِضَمِّ الصَّادِ، أَيْ: نَاحِيَةٍ (أَفْضَلُ مَنْ يَجِدُ لَهُمْ) عِلْمًا وَوَرَعًا، لِحَدِيثِ:«مَنْ وُلِّيَ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا، فَوَلَّى رَجُلًا وَهُوَ يَجِدُ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُ، فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ» . رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ ".
(وَيَجِبُ عَلَى مَنْ يَصْلُحُ) لِلْقَضَاءِ (إذَا طُلِبَ لَهُ، وَلَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ إنْ لَمْ يَشْغَلْهُ عَمَّا هُوَ أَهَمُّ مِنْهُ) لِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ إذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ
بِهِ، تَعَيَّنَ عَلَيْهِ كَغُسْلِ الْمَيِّتِ وَنَحْوِهِ، وَلِئَلَّا تَضِيعَ حُقُوقُ النَّاسِ، فَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ لَهُ أَوْ وُجِدَ مَوْثُوقٌ بِهِ غَيْرُهُ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ الدُّخُولُ فِيهِ (وَمَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ) مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ (الْأَفْضَلُ أَنْ لَا يُجِيبَ) إذَا طُلِبَ لِلْقَضَاءِ، طَلَبًا لِلسَّلَامَةِ، وَرَفْعًا لِلْخَطَرِ، وَاتِّبَاعًا لِلسَّلَفِ فِي الِامْتِنَاعِ مِنْهُ وَالتَّوَقِّي لَهُ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا:«مَا مِنْ حَاكِمٍ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ إلَّا حُبِسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَلَكٌ آخِذٌ بِقَفَاهُ حَتَّى يَقِفَهُ عَلَى جَهَنَّمَ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إلَى اللَّهِ عز وجل، فَإِنْ قَالَ أَلْقِهِ أَلْقَاهُ فِي مَهْوًى أَيْ: فَهَوَى أَرْبَعِينَ خَرِيفًا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ.
(وَكُرِهَ لَهُ طَلَبُهُ) أَيْ: الْقَضَاءِ إذًا أَيْ: مَعَ وُجُودِ صَالِحٍ؛ لِحَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ سَأَلَ الْقَضَاءَ وُكِلَ إلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ جُبِرَ عَلَيْهِ نَزَلَ مَلَكٌ يُسَدِّدُهُ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا: «إنَّا وَاَللَّهِ لَا نُوَلِّي هَذَا الْعَمَلَ أَحَدًا سَأَلَهُ، وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ» . وَيُكْرَهُ أَيْضًا طَلَبُ الْإِمَارَةِ: لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: «لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ؛ فَإِنَّكَ إنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَطَرِيقَةُ السَّلَفِ الِامْتِنَاعُ) طَلَبًا لِلسَّلَامَةِ (وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْقِيَامُ بِالْوَاجِبِ لِظُلْمِ السُّلْطَانِ أَوْ غَيْرِهِ؛ حَرُمَ عَلَيْهِ) الدُّخُولُ فِيهِ (وَتَأَكَّدَ الِامْتِنَاعُ) مِنْ الْإِجَابَةِ إلَيْهِ
(وَيَحْرُمُ بَذْلُ مَالٍ فِيهِ) أَيْ: الْقَضَاءِ، وَيَحْرُمُ عَلَى مَنْ بُذِلَ لَهُ الْمَالُ فِي الْقَضَاءِ (أَخْذُهُ) وَهُوَ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ (وَ) يَحْرُمُ (دُخُولُ مَنْ لَمْ تَتَوَفَّرْ فِيهِ شُرُوطُهُ) أَيْ الْقَضَاءِ (وَ) يَحْرُمُ (طَلَبُهُ وَفِيهِ مُبَاشِرٌ أَهْلٌ) أَيْ: صَالِحٌ لَهُ، وَلَوْ كَانَ الطَّالِبُ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ أَذَى الْقَائِمِ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُبَاشِرٌ أَهْلٌ؛ لَمْ يَحْرُمْ طَلَبُهُ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ قَصْدِهِ إزَالَتَهُ أُثِيبَ، وَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ لِيَخْتَصَّ بِالنَّظَرِ أُبِيحَ، وَيَحْرُمُ الدُّخُولُ فِي الْقَضَاءِ
عَلَى مَنْ لَا يُحْسِنُهُ، وَلَمْ تَجْتَمِعْ فِيهِ شُرُوطُهُ، وَالشَّفَاعَةُ لَهُ وَإِعَانَتُهُ عَلَى التَّوْلِيَةِ، لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ.
(وَتَصِحُّ تَوْلِيَةُ مَفْضُولٍ) مَعَ وُجُودِ أَفْضَلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَفْضُولَ مِنْ الصَّحَابَةِ كَانَ يُوَلَّى مَعَ وُجُودِ الْفَاضِلِ مَعَ الِاشْتِهَارِ وَالتَّكْرَارِ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ، فَكَانَ إجْمَاعًا.
وَتَصِحُّ تَوْلِيَةُ (حَرِيصٍ عَلَيْهَا) بِلَا كَرَاهَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَدَّمُ فِي أَهْلِيَّتِهِ، لَكِنَّ غَيْرَهُ أَوْلَى.
وَيَصِحُّ (تَعْلِيقُ وِلَايَةِ قَضَاءٍ) وَتَعْلِيقُ وِلَايَةِ (إمَارَةٍ) بِبَلَدٍ أَوْ جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ (بِشَرْطٍ) نَحْوِ قَوْلِ الْإِمَامِ: إنْ مَاتَ فُلَانٌ الْقَاضِي أَوْ الْأَمِيرُ فَفُلَانٌ عِوَضُهُ؛ لِحَدِيثِ: «أَمِيرُكُمْ زَيْدٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَجَعْفَرٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ» .
(وَشُرِطَ لِصِحَّتِهَا) أَيْ: وِلَايَةِ الْقَضَاءِ، (كَوْنُهَا مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ فِيهِ) أَيْ: الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ كَعَقْدِ الذِّمَّةِ، وَلِأَنَّ الْإِمَامَ صَاحِبُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ؛ فَلَا يُفْتَاتُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ (وَأَنْ يَعْرِفَ) الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ فِي الْقَضَاءِ (أَنَّ الْمُوَلَّى) بِفَتْحِ اللَّامِ مُشَدَّدَةً (صَالِحٌ لِلْقَضَاءِ) لِأَنَّ الْجَهْلَ؛ بِصَلَاحِيَّتِهِ كَالْعِلْمِ بِعَدَمِهَا؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ سَأَلَ عَنْهُ أَهْلَ الْخِبْرَةِ (وَتَعْيِينُ مَا يُوَلِّيهِ) الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ فِي الْقَضَاءِ (الْحُكْمُ فِيهِ مِنْ) الْأَعْمَالِ كَدِمَشْقَ وَنَوَاحِيهَا (وَالْبُلْدَانِ) كَمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ لِيَعْلَمَ مَحَلَّ وِلَايَتِهِ، فَيَحْكُمُ فِيهِ وَلَا يَحْكُمُ فِي غَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ وِلَايَةٍ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَالْوَكَالَةِ.
وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا (مُشَافَهَتُهُ) بِهَا أَيْ: الْوِلَايَةِ إنْ كَانَ بِمَجْلِسِهِ (أَوْ مُكَاتَبَتُهُ) فَيَكْتُبُ عَهْدًا بِمَا وَلَّاهُ؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ» ، وَكَتَبَ عَمْرٌو إلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إلَيْكُمْ عَمَّارًا أَمِيرًا، وَعَبْدَ اللَّهِ قَاضِيًا فَاسْمَعُوا لَهُمَا وَأَطِيعُوا (وَإِشْهَادُ عَدْلَيْنِ) عَلَيْهِمَا
أَيْ: التَّوْلِيَةِ إنْ بَعْدَمَا وَلَّاهُ فِيهِ عَنْ بَلَدِ الْإِمَامِ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَيَّامٍ، فَيَكْتُبُ الْعَهْدَ وَيَقْرَؤُهُ عَلَى الْعَدْلَيْنِ، وَيَقُولُ لَهُمَا الْمُوَلِّي: اشْهَدَا عَلَيَّ أَنِّي قَدْ وَلَّيْتُ فُلَانًا قَضَاءَ كَذَا، وَتَقَدَّمْتُ إلَيْهِ بِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ هَذَا الْعَهْدُ لِيَمْضِيَا إلَى مَحَلِّ وِلَايَتِهِ، فَيُقِيمَا لَهُ الشَّهَادَةَ هُنَاكَ (أَوْ اسْتِفَاضَتُهَا) أَيْ: الْوِلَايَةِ (إذَا كَانَ بَلَدُ الْإِمَامِ خَمْسَةَ أَيَّامٍ فَمَا دُونُ) بِالْبِنَاءِ عَلَى الضَّمِّ لِحَذْفِ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَنِيَّةِ مَعْنَاهُ مِنْ الْبَلَدِ الَّذِي وُلِّيَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِفَاضَةَ آكَدُ مِنْ الشَّهَادَةِ، وَلِهَذَا يَثْبُتُ بِهَا النَّسَبُ وَالْمَوْتُ؛ فَلَا حَاجَةَ مَعَهَا إلَى الشَّهَادَةِ.
وَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْوِلَايَةِ (عَدَالَةُ الْمُوَلِّي بِكَسْرِ اللَّامِ) لِئَلَّا يُفْضِيَ تَعَذُّرَ التَّوْلِيَةِ.
(وَأَلْفَاظُهَا) أَيْ: التَّوْلِيَةِ (الصَّرِيحَةُ سَبْعَةٌ: وَلَّيْتُكَ الْحُكْمَ، وَقَلَّدْتُكَ الْحُكْمَ، وَفَوَّضْتُ إلَيْكَ الْحُكْمَ، وَرَدَدْتُ) إلَيْكَ الْحُكْمَ (وَجَعَلْتُ إلَيْكَ الْحُكْمَ، وَاسْتَخْلَفْتُكَ فِي الْحُكْمِ، وَاسْتَنَبْتُك فِي الْحُكْمِ فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُهَا) أَيْ: أَحَدُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ السَّبْعَةِ (وَقَبِلَ مُوَلَّى) بِفَتْحِ اللَّامِ (حَاضِرٌ فِي الْمَجْلِسِ) انْعَقَدَتْ الْوِلَايَةُ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ، أَوْ قَبِلَ التَّوْلِيَةَ (غَائِبٌ عَنْ) الْمَجْلِسِ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ بُلُوغِ الْوِلَايَةِ لَهُ (أَوْ شَرَعَ غَائِبٌ فِي الْعَمَلِ، انْعَقَدَتْ الْوِلَايَةُ) ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ تَدُلُّ عَلَى وِلَايَةِ الْقَضَاءِ دَلَالَةً لَا تَفْتَقِرُ مَعَهَا إلَى شَيْءٍ آخَرَ.
(وَالْكِنَايَةُ) مِنْ أَلْفَاظِ التَّوْلِيَةِ (نَحْوُ اعْتَمَدْتُ عَلَيْك، أَوْ عَوَّلْت عَلَيْك، أَوْ وَكَلْتُ إلَيْكَ، أَوْ اسْتَنَدْتُ إلَيْكَ)، لَا تَنْعَقِدُ الْوِلَايَةُ (بِهَا) ؛ أَيْ: الْكِتَابَةِ إلَّا بِقَرِينَةٍ (نَحْوُ فَاحْكُمْ) أَوْ اقْضِ فِيهِ (أَوْ فَتَوَلَّ مَا عَوَّلْتُ عَلَيْكَ فِيهِ) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ تَحْتَمِلُ الْوِلَايَةَ، وَغَيْرَهَا، كَالْأَخْذِ بِرَأْيِهِ وَنَحْوِهِ، فَلَا تَنْصَرِفُ إلَى التَّوْلِيَةِ إلَّا بِقَرِينَةٍ تَنْفِي الِاحْتِمَالَ.
(وَإِنْ قَالَ) مَنْ لَهُ تَوْلِيَةُ الْقَضَاءِ مَنْ نَظَرَ فِي الْحُكْمِ فِي بَلَدِ كَذَا مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَقَدْ وَلَّيْته؛ لَمْ تَنْعَقِدْ الْوِلَايَةُ (لِمَنْ نَظَرَ لِجَهَالَتِهِ) حَيْثُ لَمْ يُعَيِّنْ بِالْوِلَايَةِ وَاحِدًا مِنْهَا؛ كَقَوْلِهِ بِعْتُ أَحَدَ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ