الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(وَلَا يُؤَخَّرُ) اسْتِيفَاءُ (حَدٍّ لِمَرَضٍ) هَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ (وَلَوْ رُجِيَ زَوَالُهُ) لِأَنَّ عُمَرَ أَقَامَ الْحَدَّ عَلَى قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ فِي مَرَضِهِ، وَلَمْ يُؤَخِّرْهُ، وَانْتَشَرَ ذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكَرْ؛ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ (وَلَا تُؤَخَّرُ النُّفَسَاءُ فَتُحَدُّ) النُّفَسَاءُ (بِمُجَرَّدِ وَضْعٍ) (خِلَافًا لَهُ) ؛ أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ كَانَ؛ أَيْ: الْحَدُّ جَلْدًا، فَإِذَا وَضَعَتْهُ وَانْقَطَعَ النِّفَاسُ، وَكَانَتْ قَوِيَّةً يُؤْمَنُ تَلَفُهَا؛ أُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ، وَإِنْ كَانَتْ فِي نِفَاسِهَا أَوْ ضَعِيفَةً يُخَافُ عَلَيْهَا، لَمْ يُقَمْ عَلَيْهَا حَتَّى تَطْهُرَ وَحَتَّى تَقْوَى. قَالَ: وَهَذَا الَّذِي تَقْتَضِيهِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ وَالْمَذْهَبُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ فَلَا يُؤَخَّرُ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ.
(وَلَا) يُؤَخَّرُ الِاسْتِيفَاءُ (لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ) وَلَوْ مُفْرِطَيْنِ (أَوْ ضَعْفٍ لِوُجُوبِهِ فَوْرًا) لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ كَانَ) الْمَحْدُودُ مَرِيضًا أَوْ نَصَفَ الْخِلْقَةِ أَوْ فِي شِدَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، أَوْ كَانَ الْحَدُّ (جَلْدًا، أَوْ خِيفَ) عَلَى الْمَحْدُودِ: (مِنْ السَّوْطِ لَمْ يَتَعَيَّنْ، فَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِطَرَفِ ثَوْبٍ أَوْ عُثْكُولِ نَخْلٍ) وَالْعُثْكُولُ بِوَزْنِ عُصْفُورٍ هُوَ الضِّغْثُ بِالضَّادِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ (فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ، فَيَضْرِبُ بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً) أَوْ يَضْرِبُ بِخَمْسِينَ شِمْرَاخًا ضَرْبَتَيْنِ.
لِمَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَنَّ رَجُلًا اشْتَكَى حَتَّى ضَنِيَ، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ، فَهَشَّ لَهَا، فَوَقَعَ بِهَا، فَسُئِلَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «أَنْ يَأْخُذُوا مِائَةَ شِمْرَاخٍ فَيَضْرِبُوهُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ. وَلِأَنَّ ضَرْبَهُ التَّامَّ يُؤَدِّي إلَى إتْلَافِهِ، وَتَرْكَهُ بِالْكُلِّيَّةِ غَيْرُ جَائِزٍ؛ فَتَعَيَّنَ مَا ذُكِرَ.
[تَتِمَّةٌ لَا يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى حَامِلٍ]
تَتِمَّةٌ: وَلَا يُقَامُ الْحَدُّ رَجْمًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ عَلَى حَامِلٍ وَلَوْ مِنْ زِنًا حَتَّى تَضَعَ؛ لِئَلَّا يَتَعَدَّى إلَى الْحَمْلِ، فَإِنْ كَانَ الْحَدُّ رَجْمًا لَمْ تُرْجَمْ حَتَّى تَسْقِيَهُ اللِّبَأَ، ثُمَّ إنْ كَانَ
لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ أَوْ تَكَفَّلَ أَحَدٌ بِرَضَاعِهِ، رُجِمَتْ، وَإِلَّا تُرِكَتْ حَتَّى تَفْطِمَهُ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ حَمْلُ الزَّانِيَةِ لَمْ تُؤَخَّرْ، لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ حَمَلَتْ لِأَنَّ إقَامَةَ الْحَدِّ وَاجِبَةٌ فَوْرًا، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ - أَيْ الْحَمْلِ - وَإِنْ ادَّعَتْ الزَّانِيَةُ الْحَمْلَ قَبْلَ قَبُولِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ.
(وَيُؤَخَّرُ) الْحَدُّ (لِسُكْرٍ حَتَّى يَصْحُوَ) الشَّارِبُ نَصًّا لِيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ مِنْ إقَامَةِ الْحَدِّ وَهُوَ الزَّجْرُ (فَلَوْ خَالَفَ) وَأَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ فِي سُكْرِهِ (سَقَطَ الْحَدُّ إنْ أَحَسَّ) بِأَلَمِ الضَّرْبِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ سَكْرَانَ (وَإِلَّا) يُحِسَّ بِأَلَمِ الضَّرْبِ (فَلَا) يَسْقُطُ الْحَدُّ (لِأَنَّ كُلَّ حَدٍّ شَرْطُهُ التَّأْلِيمُ) وَلَمْ يُوجَدْ (وَيُؤَخَّرُ قَطْعٌ) فِي سَرِقَةٍ وَنَحْوِهَا (خَوْفَ تَلَفٍ) مَحْدُودٍ بِقَطْعِهِ؛ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْقَصْدَ زَجْرُهُ لَا إهْلَاكُهُ.
(وَيَحْرُمُ بَعْدَ) إقَامَةِ (حَدٍّ حَبْسٌ وَإِيذَاءٌ بِكَلَامٍ) نَصَّ عَلَيْهِ كَالتَّعْيِيرِ؛ لِنَسْخِهِ بِمَشْرُوعِيَّةِ الْحَدِّ كَنَسْخِ حَبْسِ الْمَرْأَةِ.
(وَمَنْ مَاتَ) بِجَلْدٍ (فِي تَعْزِيرٍ أَوْ حَدٍّ بِقَطْعٍ) فِي سَرِقَةٍ (أَوْ جَلْدٍ) أَوْ تَأْدِيبٍ مُعْتَادٍ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ مُعَلِّمٍ أَوْ وَالِدٍ أَوْ زَوْجٍ (وَلَمْ يَلْزَمْهُ تَأْخِيرٌ)، أَيْ: الْحَدِّ (فَ) هُوَ (هَدَرٌ) لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ فِعْلٍ مَأْذُونٍ فِيهِ شَرْعًا، وَلِأَنَّ الْإِمَامَ نَائِبٌ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَكَانَ التَّلَفُ مَنْسُوبٌ إلَى اللَّهِ، فَإِنْ لَزِمَ تَأْخِيرُ الْحَدِّ بِأَنْ كَانَتْ حَامِلًا أَوْ كَانَ مَرِيضًا، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ، فَاسْتَوْفَاهُ حِينَئِذٍ، (فَتَلِفَ الْمَحْدُودُ) ضَمِنَهُ، لِعِدْوَانِهِ.
(وَمَنْ زَادَ) فِي عَدَدِ جَلْدٍ (وَلَوْ) كَانَ الزَّائِدُ (جَلْدَةً أَوْ) زَادَ (فِي السَّوْطِ) الَّذِي ضَرَبَهُ بِهِ؛ بِأَنْ ضَرَبَهُ بِأَكْبَرَ مِمَّا تَقَدَّمَ (أَوْ اعْتَمَدَ) الْجَلَّادُ (فِي ضَرْبِهِ) فَتَلِفَ الْمَحْدُودُ، ضَمِنَهُ بِدِيَتِهِ، (أَوْ ضَرَبَهُ بِسَوْطٍ لَا يَحْتَمِلُهُ) لِمَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ (فَتَلِفَ؛ ضَمِنَهُ) لِأَنَّهُ تَلِفَ بِعُدْوَانِهِ؛ أَشْبَهَ مَا لَوْ ضَرَبَهُ فِي غَيْرِ الْحَدِّ (بِدِيَتِهِ) كَامِلَةٍ؛ لِحُصُولِ تَلَفِهِ بِعُدْوَانِهِ، وَكَمَا لَوْ أَلْقَى حَجَرًا أَوْ نَحْوَهُ عَلَى سَفِينَةٍ مَوْقُورَةٍ فَخَرَقَهَا.
(وَمَنْ أُمِرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (بِزِيَادَةٍ) عَلَى الْجَلْدِ الْوَاجِبِ فِي الْحَدِّ (فَزَادَ جَهْلًا) بِعَدَدِ الضَّرْبِ الْوَاجِبِ أَوْ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ مُحَرَّمَةٌ، فَمَاتَ الْمَضْرُوبُ (ضَمِنَهُ آمِرٌ) لِأَنَّ الْجَلَّادَ مَعْذُورٌ بِالْجَهْلِ، (وَإِلَّا) يَجْهَلْ الْجَلَّادُ ذَلِكَ.
(فَضَارِبٌ) يَضْمَنُهُ وَحْدَهُ، كَمَنْ أَمَرَهُ السُّلْطَانُ بِالْقَتْلِ ظُلْمًا فَقَتَلَ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ (وَإِنْ تَعَمَّدَهُ) ؛ أَيْ: الزَّائِدَ (الْعَادُّ فَقَطْ) ؛ أَيْ: دُونَ الْآمِرِ وَالضَّارِبِ؛ ضَمِنَهُ الْعَادُّ؛ لِحُصُولِ التَّلَفِ بِسَبَبِ تَعَمُّدِهِ (أَوْ أَخْطَأَ) الْعَادُّ (وَادَّعَى ضَارِبٌ الْجَهْلَ) بِالزِّيَادَةِ (ضَمِنَهُ الْعَادُّ) لِحُصُولِ التَّلَفِ بِسَبَبِهِ، وَيُقْبَلُ قَوْلُ ضَارِبٍ فِي الْجَهْلِ بِذَلِكَ بِيَمِينِهِ (وَتَعَمُّدُ إمَامٍ لِزِيَادَةٍ شِبْهِ عَمْدٍ؛ تَحْمِلُهُ عَاقِلَتُهُ) لِأَنَّ الدِّيَةَ وَجَبَتْ بِخَطَئِهِ فَكَانَتْ عَلَى عَاقِلَتِهِ، كَمَا لَوْ رَمَى صَيْدًا فَقَتَلَ آدَمِيًّا، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ خَطَئِهِ فِي حُكْمِهِ لِيَكُونَ فِي بَيْتِ الْمَالِ.
(وَلَا يُحْفَرُ لِمَرْجُومٍ وَلَوْ) كَانَ الْمَرْجُومُ أُنْثَى؛ لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام لَمْ يَحْفِرْ لِمَاعِزٍ [قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: لَمَّا «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِرَجْمِ مَاعِزٍ] خَرَجْنَا بِهِ إلَى الْبَقِيعِ فَوَاَللَّهِ مَا حَفَرْنَا لَهُ وَلَا أَوْثَقْنَاهُ؛ وَلَكِنْ قَامَ لَنَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ. وَالْمَرْأَةُ كَذَلِكَ. نَصَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ عَلَى تَرْكِ الْحَفْرِ، وَسَوَاءٌ ثَبَتَ الزِّنَا بِإِقْرَارٍ أَوْ (ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ)«لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام لَمْ يَحْفِرْ لِلْجُهَنِيَّةِ وَالْيَهُودِيِّينَ» ، وَتُشَدُّ ثِيَابُ الْمَرْأَةِ عَلَيْهَا؛ لِئَلَّا تَنْكَشِفَ؛ لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ:«فَأَمَرَ بِهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَشُدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَيَجِبُ فِي) إقَامَةِ (حَدِّ زِنًا حُضُورُ إمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ) أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ صَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ "(وَ) يَجِبُ فِي حَدٍّ حُضُورُ (طَائِفَةٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ)، وَلَوْ وَاحِدًا؛ أَيْ: مَعَ مَنْ يُقِيمُ الْحَدَّ نَقَلَهُ فِي " الْكَافِي " عَنْ الْأَصْحَابِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2] .
(وَسُنَّ حُضُورُ مَنْ شَهِدَ) بِزِنًا، (وَ) سُنَّ (بَدْأَتُهُمْ) ؛ أَيْ: الشُّهُودِ
(بِرَجْمٍ وَأَنْ يَدُورَ النَّاسُ حَوْلَ مَرْجُومٍ) مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (كَالدَّائِرَةِ إنْ كَانَ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ) لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى تَمْكِينِهِ مِنْ الْهَرَبِ. وَ (لَا) يُسَنُّ ذَلِكَ إنْ كَانَ زِنَاهُ ثَبَتَ (بِإِقْرَارٍ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَهْرُبَ، فَيُتْرَكُ) وَلَا يُتَمَّمُ عَلَيْهِ الْحَدُّ (فَلَوْ ثَبَتَ الزِّنَا بِإِقْرَارٍ سُنَّ بُدَاءَةُ إمَامٍ أَوْ مَنْ يُقِيمُهُ) إمَامٌ مُقَامَهُ؛ لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ عَلِيٍّ: الرَّجْمُ رَجْمَانِ؛ فَمَا كَانَ مِنْهُ بِإِقْرَارٍ فَأَوَّلُ مَنْ يَرْجُمُ الْإِمَامُ، وَمَا كَانَ بِبَيِّنَةٍ فَأَوَّلُ مَنْ يَرْجُمُ الْبَيِّنَةُ ثُمَّ النَّاسُ، وَلِأَنَّ فِعْلَ ذَلِكَ أَبْعَدُ مِنْ التُّهْمَةِ فِي الْكَذِبِ عَلَيْهِ.
(وَمَتَى رَجَعَ مُقِرٌّ بِهِ) ؛ أَيْ: بِزِنًا عَنْ إقْرَارٍ، لَمْ يُقَمْ، أَوْ رَجَعَ مُقِرٌّ (بِسَرِقَةِ شَيْءٍ أَوْ شُرْبِ) خَمْرٍ عَنْ إقْرَارِهِ (قَبْلَهُ) ؛ أَيْ: قَبْلَ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ (وَلَوْ بَعْدَ الشَّهَادَةِ عَلَى إقْرَارِهِ) بِالزِّنَا أَوْ السَّرِقَةِ أَوْ الشُّرْبِ (لَمْ يُقَمْ) عَلَيْهِ (وَإِنْ رَجَعَ فِي أَثْنَاءِ حَدٍّ لِلَّهِ) تَعَالَى (أَوْ هَرَبَ) ؛ (تُرِكَ وُجُوبًا) لِأَنَّ مَاعِزًا هَرَبَ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: " «هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ» ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرٍ وَمَعْمَرِ بْنِ هَزَّالٍ وَغَيْرِهِمْ. وَلِأَنَّ رُجُوعَهُ شُبْهَةٌ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَكَمَا لَوْ رَجَعَتْ الْبَيِّنَةُ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، وَفَارَقَ سَائِرَ الْحُقُوقِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ. (فَإِنْ تُمِّمَ) حَدٌّ عَلَى رَاجِعٍ عَنْ إقْرَارِهِ (فَلَا قَوَدَ) فِيهِ؛ لِلشُّبْهَةِ (وَضَمِنَ رَاجِعٌ) صَرِيحًا (لَا هَارِبٌ بِالدِّيَةِ) لِزَوَالِ إقْرَارِهِ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ، بِخِلَافِ الْهَارِبِ، فَإِنْ قَالَ: رُدُّونِي لِلْحَاكِمِ، وَجَبَ رَدُّهُ، فَلَوْ لَمْ يَرُدُّوهُ حَتَّى تَمَّ الْحَدُّ؛ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ صَرِيحًا فِي رُجُوعِهِ.
(وَإِنْ ثَبَتَ) زِنًا أَوْ سَرِقَةٌ أَوْ شُرْبٌ (بِبَيِّنَةٍ عَلَى الْفِعْلِ)، أَيْ: فِعْلِ مَا ذَكَرَ لَا عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ (فَهَرَبَ) مَحْدُودٌ (لَمْ يُتْرَكْ) لِثُبُوتِ فِعْلِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَبْطُلُ بِرُجُوعِهِ، فَلَا يُؤَثِّرُ رُجُوعُهُ وَلَا هَرَبُهُ.