الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تنبيه:
اتفق أهل السنّةِ والجماعة على أن كلام الله تعالى منزّل.
واختلفوا في معنى الإنزال، فمنهم من قال إظهار القراءة، ومنهم من قال إن الله تعالى ألْهم كلامَه جبريل، وهو في السماء، وهو عال من المكان.
وعلَّمه قراءته، ثم إن جبريل أدَّاه في الأرض، وهو يهبط في المكان.
وفي التنزيل طريقان:
أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم انتقل من صورة البشرية إلى صورة الملكية، وأخذه من جبريل.
والثاني: أن الملك انخلع إلى البشريّة حتى يأخذ الرسول منه.
والأول أصعب الحالين.
وقال الطيبي: لعلّ نزول القرآن على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتلقَّفه الملَك من الله تَلَقُّفاً رُوحانياً، أو يحفظه من اللوح المحفوظ، فينزل به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ويُلقيه عليه.
وقال القطب الرازي في حواشي الكشّاف: التنزيل لغة بمعنى الإيواء، وبمعنى
تحريك الشيء من عُلْو إلى سفل، وكلَاهما لا يتحققان في الكلام، فهو مستعمل فيه في معنى مجازي، فمن قال: القرآن معنى قائمٌ بذات الله تعالى فإنزاله أن يوجد الكلمات والحروف الدالة على ذلك المعنى ويثبتها في اللوح المحفوظ.
ومَنْ قال القرآن هو الألفاظ فإنزاله مجرد إثباته في اللوح المحفوظ.
وهذا المعنى مناسب لكونه منقولاً عن أول المعنيين اللغويين.
ويمكن أن يراد بإنزاله إثباته في السماء الدنيا بعد الإثبات في اللوح المحفوظ، وهذا يناسب المعنى الثاني.
والمراد بإنزال الكتب على الرسل أن يتلقفها الملك من الله تلقّفاً روحانيا أو يحفظها من اللوح المحفوظ، وينزل بها فيلقيها عليهم.
وقال غيره: في المنزَّل على النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه اللفظ والمعنى، وأن جبريل حفظ القرآن من اللوح الحفوظ
ونزل به.
وذكر بعضهم أن أحْرفَ القرآن في اللوح المحفوظ، كل حرف منها بقدر
جَبَل قاف، وأن تحت كلّ حرف منها معان لا يحيط بها إلا الله تعالى.
والثاني: أن جبريل إنما نزل بالمعاني خاصة، وأنه صلى الله عليه وسلم علم تلك المعاني، وعبَّر عنها بلغة العرب، وتمسَّك قائل هذا بظاهر قوله تعالى:(نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ) .
والثالث: أن جبريل ألقى عليه المعنى، وأنه عبّر بهذه الألفاظ بلغة العرب
وأن أهل السماء يقرؤونه بالعربية، ثم إنه نزل به كذلك بعد ذلك.
وقال البيهقي - في معنى قوله تعالى: (إنّا أنزلناه في ليلةِ القَدْرِ) .
يريد - والله أعلم: إنا أسمعنا الملك وألهمناه إياه، وأنزلناه بما سمع، فيكون
الملك منتقِلاً به من علو إلى سفل.
قال أبو شامة: هذا المعنى مطرد في جميع ألفاظ الإنزال المضافة إلى القرآن أو
إلى شيء منه يحتاج إليه أهل السنة المعتقدون قِدَمَ القرآن، وأنه صفة قائمة بذات اللَه تعالى.
قلت: ويؤيد أن جبريل تلقَّفه سماعاً من الله تعالى ما أخرجه الطبراني من
حديث النَّواس بن سمعان مرفوعاً: إذا تكلم الله بالوحي أخذت السماء رجفة
شديدة من خوف الله، فإذا سمع بذلك أهلُ السماء صُعقوا وخَرُّوا سجّدا، فيكون أولهم يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله من وحيه بما أراد، فينتهي به إلى
الملائكة، كلما مرّ بسماء سأله أهلها: ماذا قال ربنا، قال: الحق.
فينتهي به حيث أمر.
وأخرج ابن أبي مردويه من حديث ابن مسعود رفعه: إذا تكلم الله بالوحي
سمع أهل السماوات صلصلةً كصلصلة السلسلة على الصَّفْوان، فيفزعون، ويرون أنه مِنْ أمر الساعة
وأصل الحديث في الصحيح.
وفي تفسير علي بن سهل النيسابوري: قال جماعة من العلماء: نزل القرآن جملة ً في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى بَيْب يقال له بيت العزة، فحفظه جبريل، وغشي على أهل السماوات من هيبة كلام الله، فمرّ بهم جبريل، وقد أفاقوا، فقال: ماذا قال ربكم، قالوا: الحق - يعني القرآن - وهو معنى قوله: (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) - فأتى به جبريل إلى بيت العِزّة فأمْلاه على السفَرة الكرام - يعني الملائكة، وهو معنى قوله:(بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16) .
وقال الْجُوَيني: كلام الله المنَزل قسمان:
قسم قال الله لجبريل: قلْ للنبي الذي أنت مرْسل إليه: إن الله يقول افعل
كذا وكذا، ومُرْ بكذا وكذا.
ففهم جبريل ما قاله ربه، ثم نزل على ذلك النبي، وقال له ما قاله ربه.
ولم تكن العبارة تلك العبارة، كما يقول الملك لمن يثق به:
قل لفلان يقول لك الملك: اجتهد في الخدمة، واجمع جنْدَك للقتال، فإن قال
الرسول يقول لك الملك لا تتهاون في خدمتي، ولا تترك الجند يتفرّق، وحث على المقاتلة - لا ينسب إلى كذب، وتقصير في أداء الرسالة.
وقسم آخر قال الله لجبريل: اقرأ على النبي هذا الكتاب، فنزل جبريل بكلمة
الله من غير تغيير، كما يكتب الملك كتاباً ويسلمه إلى أمين، ويقول: اقرأه على فلان، فهو لا يغَيِّر منه كلمة ولا حرفاً.
قلت: القرآن هو القسم الثاني، والقسم الأول هو السنّة، كما ورد أن جبريل كان ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن.