الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(غائط) :
مكان منخفض، ثم استعمل في حاجةِ الإنسان، لأن العرب كانوا يطلبون ذلك في قضاء حوائجهم، فكني عن الحدَثِ بالغائط.
(غَمَرات الموت) :
شدائده وكرباته كما يغمر الشيء إذا علاه وغطَّاه، فتذكر أيها الأخ كرباته وسكراته، فإن كنْتَ منهمكاً نفّرك.
وإن كنت تائباً رقاك بمحبة تأخيره لتغنَم أو تعجيله لتسلم.
وإن كنت محبًّا شوّقك، لأن المحب يحبُّ لقاء حبيبه، ولكن التفويض أعلى.
ولو انتظرنا ضربة شرطى لتكدّر عيشنا، فكيف وفي كلّ نفس يمكن مجيء الموت بسكراته وغصصه، ونودُّ أن لو قدرنا على صِيَاح وأنين، ويودُّ مَنْ حضره فترة ساعةٍ، ليقول: لا إله إلا اللَه، فلا يمْهل، وتجْذَب روحه من كل عضو وعِرق، فتبرد قدماه ثم ساقاه، ثم فَخِذاه، وهكذا حتى تبلغ الحلقوم، فعنده ينقطع نظَره إلى دنياه، ويغلق عنه باب توبته، كما روِي:
"إن اللهَ يقبل توبةَ عَبْده ما لم يغرغر".
ثم يرى ملائكةَ ربه تعالى وثناءهم عليه، وقولهم:(اليوم تجْزَوْن عذابَ الْهونِ) .
فيا لها من مصيبة لو عقل، ولهذا كانوا رضي الله عنهم يديمون ذِكْرَ الموت.
ويخافون من سوء العاقبة.
وفي الصحيحين: "إن المؤمن إذا حضره الموت بشّر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحبّ إليه مما أمامه، ومن ختم له بشرٍّ فضدّه، وسببه عقيدةٌ فاسدة تثمر عند موته الجحود أو الشك، فما لم يُرْحَم بتوبةٍ
عذابه دائمٌ، نسأل الله العافية.
وإذا تأملنا وجدنا أسباب سوءِ الخاتمة موجودة فينا، وسأنبئك بأقلها، وهي:
الإصرار على فعل منهيّ، أو صفة مذمومة، كعُجْب ونحوه.
ومنها الغفلة عن ذكر الله، فقد خطف خلق كثير بنزغة الشيطان لتمكنه
منهم.
ولهذا اختار الشارعُ لفْظَ الشهادتين، فإن الشيطان يجهد في شبهة مكفّرة
عند الموت، غالبها في الرسالة، لعلمه اقتصارنا على التعليلة، وكل ما نزغ في التوحيد دفع بلا إله إلا الله، أو في الرسالة دفع بمحمد رسول الله، فكأنَّ التهليلة صلاة، وذكر سيدنا ومولانا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبطلها، وإن كان أجنبيًّا منها.
كيف وأجلّ أسنان مفتاح التهليلة الشهادة الثانية، فأكْثِر من ذِكْرِ هذه
الكلمة المشرّفة، حتى تمتزجَ مع معناها بلحِمك ودمك، واطلب منه سبحانه
الثباتَ عليها، فقد قطع ظهورَ العابدين سوء الخاتمة، فكيف يُخْصِب لك جَنَابٌ حتى ترى ما خُطّ لك في أمّ الكتاب.
وعلامة حسن الخاتمة استقامةٌ ودوام ذكرٍ، للحديث:
"يموت المرءُ على ما عاش عليه".
ولحديث: كلّ ميَسَّر لِمَا خلِق له.
فكيف نطمع بحسنها وقد غرقنا في حب الدنيا والمواظبة على خصالٍ مذمومة، وعند فراقنا لها يخاف علينا من استيلاء الشيطان لتمكنه منَّا عند الموت.
وعلامة ذلك أن في حبها طولَ أملنا، ونسينا الآخرة، والهوَى يصدّ عن الحق، فكل فتنة أتتنا فمِنْ حبِّ الدنيا والْجَهْل بمصارع أقراننا في كل ساعة.
أمرنا الصادق المصَّدوق أن نكونَ فيها كالغريب أو عابري سبيل، وإذا أمسينا فلا ننتظر الصباحَ، وإذا أصبحنا فلا ننتظر المساءَ، ونأخذ من صحتنا لسقمنا، ومن حياتنا لموتنا، فأعرضنا عن نصْحه، وأطَلْنَا أملنا مع رؤيتنا لموت الأطفال والشبّان، ولهذا بادر مَنْ فتح الله بصيرته، فكان يصلِّي الصبح بوضوء العشاء، وآخر لم يضعْ جَنْبه على الأرض عشرين سنة، وآخر حسب ما بين مضغ اللقمة وبَلْعها خمسين تسبيحة، فكان لا يتقوّت إلا بحساء الشعير، وآخر يقوئ ليلا ولا يغْفِي إلا إغفاءَ الطير.
وآخر وِرْدهُ كلّ يوم مائة ألف تسبيحة.
وآخر لا يتحدث مع أخيه فيعاتبه على ذلك، فيقول له: أبادِر خروج روحي.
ونحن مشتغلون بدنْيا فانية، ويا ليتنا نِلْنَا منها شيئاً، وهذا سليمان أعطي منها ما لم يُعْطه أحدٌ قبله ولا بعده، والرياح تجري بأمره رُخاءً حيث أراد، فلما استَوْسق ملكه قال:(هذا من فَضْلِ ربي)
…
الآية، فما عَدَّها نعمةً كما نعدها، ولا حسبها كرامةً من الله كما نظنّها، بل خاف أَن يكونَ استِدْراجاً من حيث لا يعلم، ونحن أنعم علينا بنعمه لنصرفها في الطاعة، فغفلنا عنه وصرفْناها في معصيته، أليس من الخسْران المبين ما نحن فيه من الضلال المبين، عِشْنا عَيْش البهائم، بل هي أحسن حالاً منَّا، لأنها تحس ونحن في موت الحسِّ.
اللهم يا منقِذَ الغرقى، ويا منجّي الهلْكَى بعد أن يئسوا، أنقذْنا من هذا الوحل العظيم بجاه نبيك الكريم، عليه أفضل صلاةٍ وأزكى تسليم.