الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المجازية، ولا يجوز استعمال لفظة واحدة في الحقيقة والمجاز في حالة واحدة عند
المحققين.
والثالث: أن قوله (مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) يراد به كلّ موجود، فكأنه قال: مَنْ في الوجود، فيكون الاستثناء على هذا متصلاً، فيصحّ الرّفْعُ على البدل، وإنما قالَ (مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) جَرْياً على منهاج كلام العرب، فهو لفط خاص يراد به ما هو أعمّ منه.
والرابع: أن يكون الاستثناء متَّصلاً على أن يتأوَّل من في السماوات في حق
اللَه كما يتأول قوله: (أَأمِنْتم من في السماء) .
وحديث السوء أو شبه ذلك.
(مَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ) ، أي إنما عليَّ الإنذاز والتبليغ.
والمعنى إن زللتم عن طريق الرشاد، وأضلَّكم الله عن رؤية
السداد فلا يضرني ذلك (ومَنْ يُضلِلِ اللَّهُ فما له مِنْ هَاد) .
وفي هذه الآية دلالةٌ على أن الله هو المضلُّ والهادي.
(مَنْ جاءَ بالحسنَةِ فله خَيْر منها)
.
أي عشر إلى سبعمائة، أو من قال: لا إله إلا الله فَلَة الجنّة، بدليل:(ومن جاء بالسيئة فكبَّتْ وجوهُهم في النار) .
والسيئة هنا الكفر والمعاصي التي قضى الله بتعذيب فاعلها.
(مَراضِع) :
جمع - مُرضع، وهي المرأة التي ترضع، أو جمع مَرْضَع بفتح الميم والضاد، وهو موضع الرضاع، يعني الثَّدْي.
(ماءَ مَدْيَن)
، أى بئره، وكانت مدينة شعيب عليه السلام، وذلك حين قدم موسى من مصر، وسقى غَنَم شُعيب، فرأى نفسه غريباً
فقيرًا جائعاً تعبانَ، فقال: أنا الغريب، أنا الفقير، أنا الضعيف، - أنا الحقير، فنودي في سره: يا موسى المريض الذي ليس له مثلي طبيب، والضعيف الذي
ليس له مثلي رقيب، والفقير الذي ليس له مثلي نصيب، والغريب الذي ليس له مثلي حبيب.
كان لموسى سبعة أسفار، فوجد فيها سبعة أشياء: سفر الخوف:
قوله لأمه: (فإذا خِفتِ عليه فألْقِيه في اليَمّ)، فوجد:
(وأَلْقيْت عليكَ محبةً مِنِّي) .
وسفر الهروب، فوجد الأنس:(ولما وردَ ماءَ مَدْين) .
وسفر الطلب لما سار بأهله فوجد الرسالة: (يا موسى إني أنا الله) .
والسفر ببني إسرائيل لما قال: (أن أسْرِ بعبادِي) .
فوجد فيه النجاة: (فأنجينا موسى) .
وسفر النصَب: (لقد لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبا) ، فوجد الخضر.
وسفر المقاتلة لا قالوا له: (اذهَبْ أنْتَ وربُّكَ) .
فوجد فيه الحجَر: (أنِ اضْرِبْ بعَصَاك الحجَر) .
وسفر الطور: (ولما جاء موسَى لمِيقَاتِنا)، فوجد فيه الكلام: (وكلَّمه
ربُّه) .
فإن قلت: بأي شيء عرف موسى الكلام (1) ؟
فالجواب: لما علم أن كلام المخلوقين ينقطع وهو بسماع الآذان ومن جانب
واحد، ووجد له هيبة ولذة، ولما سمعه غير منقطع، ومن غير جارحة، ومن
جميع الجوانب، علم أنه كلام خالقه، ولذلك لما قال له الشيطان: مع مَن تتكلم، فقال له: مع الله.
قال: ومن أين علمت، قال: بهذه الأشياء، فلم يزل في قلب
موسى من هذا حتى سأله الرؤية، فلم يعْطَها، لأنها لم تكن وقتها.
وكيف يُرى الباقي بالفاني، وكيف يَرى الرحمن من رأى الشيطان، ولما ذهب إلى الجبل جعل هارون واسطة بينه وبين قومه، فقال له: انظر إلى الجبل، فلما تجلَّى الربّ إلى الجبل صار سبعين ألف قطعة، وخرج من كل قطعة عارف يقول: أرني أنظر إليك، فقال الله لموسى: أتظنّ أنك مشتاق إليّ، انظر إلى هؤلاء تطلب مطلبك، فخر موسى صعِقاً من جزَعهم (2) .
وأيضاً لو أعطي الرؤية بسؤاله كان مكافأةَ لسؤاله، كالمائدة لعيسى، وإحياء الطيور لإبراهيم، مكافأة لسؤالهما، ولم تكن الرؤية مكافأة لشيء، لأنها ليس مثلها شيء.
وأيضاً لما طلب رؤيةَ الحبيب قال
(1) قد يجاب عن ذلك بالإلهام الذي يقذفه الله في قلبه، وأمه عليه السلام ألقته في البحر بمجرد الإلهام، فكيف يشتبه عليه كلام الملك العلام؟؟!!!
(2)
كلام يفتقر إلى دليل، ورائحة الإسرائيليات المنكرة تفوح منه.
تعالى: (وما كنْتَ بِجَانبِ الطّورِ إذْ نادَيْنَا) .
ولم يكن وجد رؤيته فكيف يعطيه رؤيته، ولا وجد له لذة، كأنه قال له: لن تراني بعين الحبيب وأمَّتِه حتى تكون معهم، ثم تراني، وأيضاً قد أعطاه الله رؤية القلب من غير سؤال، فلا يجوز في الحكمة أن يعطيه رؤيةَ البصر بالسؤال، وكأنَّ رؤية القلب أعظم وأفضل من رؤية البصر، لأنَّ رؤيةَ البصر مؤقتة، ورؤية القلب دائمة.
قال المخزومي: إنما لم يعطه الرؤية، لأنه قال في أزله:(لا تدْرِكه الأبصار) .
يعني في الدنيا، فمنعه الرؤية حتى يتحقَّق ما قال، كما أنَّ آدم
عليه السلام لما قال الله: (إنّي جاعلٌ في الأرض خليفة) - قضي عليه بالمعصية والخروج من الجنة، حتى يتحقق قوله.
وأيضا لما كان نوره يغلب الأبصار حفظ بَصَره، وكيف يستطيع النور الضعيف الثبات مع القوي، ونحن نشاهد بعض البصر يذهب بنورِ البرق.
فإن قلت: لِمَ لَمْ تَصِرْ قلوب العارفين دَكًّا كالجبل وهو يتجلَّى لهم في كل
ساعة؟
والجواب: لما تعوّدت القلوب جمالَه ونورَه مّنذ خلقها فاطمأنّت وسكنت.
ولو كانت ساعة لدكَّت القلوب كالجبل، فمن ادَّعَى رؤيته بالقلب يصدق قوله بخلاف البصر.
(مَن استَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِين) :
هذا من قول صفورا لأبيها، فقال لها: ما رأيتِ من قوّته وأمانته، فقالت: رفع الحجر الذي على رأس البئر وحده، ولا يرفعه إلا أربعون رجلاً، وكنت أمشي أمامه، فقال: تأخَرِي حتى لا يقع بصري على أعضائك، وجعلت هذه المخاطبة رغبة فيه، لكنها كتمت محبته كزليْخا، قالت:(عسى أنْ ينفَعنا أو نتخذه وَلدا) .
وكذلك خديجة بنت خويلد جعلت خدمة سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم سبباً للاتصال به، وكذلك أنت يا محمدي، جعل الله لك امتثالَ الأوامر واجتناب النواهي سبباً لإقباله عليك ومواعدتك الجنة إكراماً لك ومحبة فيك، فلما سمع شعيب مقالة ابنته ركب فيه وقال:(إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ)
فقال موسى: ليس لي قدرة على المهر.
قال شعيب: (عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ) ، فرضي موسى.
وجمع شعيب أهْل بلده وعقد النكاح، وسلمها إليه.
قال السدِّي: أتى ملك إلى شعيب بعصا موسى، وكانت من سِدْرةِ المنتهى.
نزلنها آدم من الجنة.
وقيل مِنْ آس فورثها شيث، ثم إدريس، ثم نوح، ثم هود، ثم صالح، ثم لوط، ثم إبراهيم، ثم يعقوب، ثم الأسباط، ثم إلى شعيب.
فقال لموسى: ادخل البيت، وخذ عصا من بين العصيّ، واذهب نحو الغنم، فدخل موسى وخرج بعصاه، فرآه شعيب، وقال هذه أمانة، ردّها إلى موضعها، وخذ الأخرى، فرجع ووضعها، وأراد أخْذَ الأخرى.
فدخلت هذه العصا في يده، وكلما جهد أن يأخذ الأخرى لم يقدر، فأخذ تلك العصا، وذهب نحو الغنم، فقال شعيب: قد ذهب بأمانة الغير، فألحَقه واستردها منه، فأدرك موسى وقال: أعطني العصا، فأبى موسى من إعطائه، فتنازعا واتفقا على أن يحكم بينهما مَنْ لقيهما أولاً، فلقيهما ملك على صورة آدمي، فقال: احكم بيننا.
فقال: يا موسى، ضع العصا على الأرض، فإن قدرْتَ أن ترفعها فهي لك، وإن قدر على رَفْعها هو فهي له، فوضع العصا على الأرض، فجهد شعيب على رَفْعها فلم يقدر ألبتَّة، فتناولها موسى بيده ورفعها من وقته، وظهرت منها معجزات كثيرة قدمناها (1) .
وكذلك بالخاتم الذي جعله الله العهْد بينه وبين خَلْقه.
وخمس أوراق من التين التي كانت تستره: الواحدة أكلتها الظِّباء فصارت
مِسْكا، والثانية أكلتها الحوت فصارت في بطنها عنبراً، والثالثة أكلتها النحل
فصارت عسلاً.
والرابعة الدود فصارت في بطنها إبريسماً.
والخامسة جميع الأشجار التي في العالم.
والمقام جعله الله آية بيّنة ومصلّى للمسلمين.
فتأمل يا محمدّي من اتَّصف بالأمانة من عند الله، وعند خلقه، فإن اتصفتَ
بها كم لك من تشريف! ألا تراه يقول: (ألست بربكم)، وقال:(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) .
(1) من الإسرائيليات المنكرة.
كأنه يقول: عبدي ليس لي حاجةٌ لطاعتك وخِدْمتك، ولكن أمرتك بالطاعة والعبادة، وحملت عليك البلاءَ والمشقة، وطلبت منك النفس والمال والطاعة في جميع الأحوال، لتعلم أنَّ مرادي منك الوصال، وإنما جعلت الأعمال لقطع تهمة الكفار وطعْنهم.
فإن قلت: يشتري أنفسهم وهي له، ولم يقل قلوبهم؟
والجواب إنما قال ذلك على طريق الانبساط، كسيّد يقول لعبده: أقرضني
كذا وكذا، واشتر منّي كذا، والمال والنفس له، وإنما أراد أن يريه كمال لطافته بتمام محبته، وأيّ حاجة له في ثمن ببيعك، ولكن ليكون فخرك أكبر، وتعلم أنه يحبُّك ويرضاك، لأن السيد لا يشتري العبد إلا لمحبته فيه، ولا يرضاه عبداً لغيره، ولا يطلب حوائجه إلا منه، وقال أنفسهم، لأن أنفسهم معيوبة، والقلوب نقية، فاشتراء العيوب يدل على أنه لا يرده لعلمه بالعَيب، فاشتراؤه لك يا محمدي، دليل على أنه يريد إصلاح عَيْبك، ومَنْ كان قادراً على إصلاح عيْب السلعة لا يردها في الشاهد، (وَمَنْ أَوفَى بِعَهدِه من الله) .
فأوف بعهده، كما قال:(أَوْفوا بعَهْدِي أوفِ بِعَهدِكم) .
فلو أراد إبليس أنْ يغْوِيك ويدعو ما ليس فيك لم يقدر، لأن المشتري الأول هو اللَه، والثمن هو الجنّة، والدال على هذا البيع هو رسولنا وحبيبنا، ولذلك دخل الجنة ليلةَ المعراج ليصف لنا الثمن وكيفيته، فأبشروا يا أمة محمد، فأنتم خير أمة، سمّاكم الله أمّة الهداية والدعوة والفضيلة والخير، وسماكم بأسماء الخليل، وأعطاكم خِصَال الكليم، وأكرمكم بإكرام نبيكم الحبيب، قال تعالى في الخليل:(إنّ إبراهيم كان أُمَّةً) .
وقال: (كنتم خَيْرَ أمّة) .
وقال: (إن إبراهيم كان أمّةً قانِتا لله) .
ولكم: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ) .
وقال للخليل: (حَنِيفاً) ، ولكم (حنَفَاء ويقِيموا الصلاة) .
وقال في إبراهيم: (شاكرا) . مسلماً. وفياً.
وفيكم: الصابرين. والمسلمين. والشاكرين. و (يوفون بالنَّذْر) .
وقال في إبراهيم: (صدّيقاً نبيًّا) .
وفيكم: (أولئك هم الصديقون) .
وقال في إبراهيم: رحيما،
حليما، أوَّاهاً، منيباً.
وقال فيكم (رحماء بينهم) .
(إنه كان للأوَّابين غفوراً) . (منيبين)
وقال للكليم: إني اصطفَيْتكَ.
ولا تَخَفْ.
ولقد منَنَّا عليكَ مرةً أخرى.
ونجَّيْنَاهما وقومهما.
وكتبنا له في الألواح من كل شيء.
قد أوتيت سؤْلك يا موسى.
قد أجيبت دعوتكما.
وقرّبناه نجيًّا.
وقال لكم: (قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى) .
لا تخف.
ولا تحزن.
ألَاّ تخافوا ولا تحزنوا.
إني معكم.
لئن أقمتم الصلاة.
بل الله يمنُّ عليكم أنْ هداكم للإيمان.
وننجِّي الذين اتقوا.
ثم أورثْنَا الكتاب الذين اصْطَفَيْنَا من عبادنا.
وآتاكم من كلِّ ما سألتموه.
وقال ربّكم ادْعوني أستَجِبْ لكم.
واسجدْ واقترب.
ما يكون من نَجْوَى ثلاثة إلا هو رابعهم.
وأما إكراام الحبيب فعشرة: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3) .
(وجئْنَا بكَ على هؤلاء شَهيدا) .
(أليس الله بكاف عَبْده) .
(ألَمْ نشْرح لكَ صَدْرك) .
(إنّ الله وملائكتَه يصلّون على النبي) .
(يومَ لا يخْزِي الله النبي والذين آمنوا معه) .
وقال لكم يا أمّته: (ما يفتح الله للناس مِنْ رَحْمةٍ) .
(إن الله يغفِر الذنوب جَميعاً) .
(وأتممْتُ عليكم نِعْمَتي) .
(وإنّ الله لَهادِ الذين آمنوا) .
(إن ينْصرْكم الله فلا غالِبَ لكم) .
(لتكونوا شهَدَاءَ على الناس) .
(وكفى الله المؤمنين القِتَال) ، (أفَمَنْ شرح الله صَدْره للإسلام) .
(هو الذي يصَلِّي عليكم ومَلَائكته) .
(والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله) .