الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(مَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)
.
أيْ أيّ شيء تظنون برب العالمين أن يعاقبكم وقد عبدتم غيره، فالقَصْد بهذا التأويل التهديد.
أو أي شيء تظنون أنه هو حتى عبدتم غيره.
والقصد بهذا تعظيم الله وتوبيخ لهم، كما تقول:
ما ظنّك بفلان! إذا قصدت تعظيمه.
(متَّعناهم إلى حِين) :
الضمير يعود على قوم يونس لما آمنوا وخرجوا بالأطفال والبهائم، وفرّقوا بينها وبين أولادها، وتضرعوا إلى الله، وأخلصوا بالبكاء، وتابوا إلى الله توبةً، وعهدوا أن من كذب أو سرق أو زنى أقاموا عليه الحد، وأنهم مشاركون في علومهم وأموالهم، فرفع الله عنهم العذاب ومتعهم إلى حين.
واختلف ما المراد بالْحِين، وقد قدمناه في حرف الحاء.
وأما قوله تعالى (تؤْتي أكلَها كلَّ حِين)، فقيل: سنة، أو ستة أشهر، أو
شهران، ولما دخل عليهم ذو القرنين وجدهم تائبين، لا باب لبيت، ولا غنيّ
فيهم ولا فقير، ولا عالم ولا جاهل، كل واحد منهم جادَ على جاره بما عنده من علم ومال، فطلب أن يدْفَن معهم.
وقد ذكر الناس في قصصهم طولاً تركناه لعدم صحته.
وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم مرّ بهم ليلة الإسراء، فآمنوا به وصدقوه، وقد لقي غلاماً في مسيره إلى الطائف فأخبره أنه منهم، فانظر يا محمدي مَنْ رجع إلى الله كيف يقبله، وكيف لا يقبله، وهو يقول:(وهو الذي يَقْبَل التوبةَ عن عباده ويَعْفُو عن السيئات) .
فإن قلت، قد قال في آية أخرى:(غافر الذَّنْبِ وقَابِل التَّوْبِ) ، فهل بين العفو والمغفرة فرق؟
قلنا: العفو عنها يستلزم مغفرتها، فسبحان مَنْ لم يَرْضَ بغفرانها حتى بدّلها
لهم حسنات مكافأة لتوبتهم.
فإن قلت: الاعتقاد أنَّ طائفة من هذه الأمة لا بدّ لهم من دخول النار.
قلنا: إن لم يتوبوا، وفيه إشارة إلى عدم الأمْن من مَكرِ الله، ولذلك ورد
الحديث: المؤمن بين مخافتين: بين أجَل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه.
وأيضاً من لم يذق الشدة لم يجد حلاوة النعمة، فقوم يستغيثون من النار، وقوم تستغيث النار منهم، وقوم تقول لهم النار: أجر يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي، وقوم يمكثون فيها ما شاء الله ثم يخرجون منها ويتحسر مَنْ فيها، (ربمَا يَوَدّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين) ، فالمؤمن الذي يدخلها تكون عليه بَرْداً وسلاماً، كما كانت على إبراهيم، وذلك أنهم تعجبوا منه من عدم حَرْقها له، فأراد الله أن يرِيهم يوم القيامة ليعلموا أنَّ صانع النار والنور واحد، فتحرق من يشاء خالقُها، وتهرب ممن يطيعه.
قال تعالى: (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا) .
(ما لكم كيف تَحْكُمون) :
(ما) استفهامية معناها التوبيخ، وهي في موضع رفع بالابتداء، والمجرور بعدها خبرها ينبغي الوقْفُ على قوله:(ما لكم)، ثم يقرأ:(كيف تحكمون) .
(ما مِنّا إلَاّ لَهُ مَقَامٌ معلوم) :
هذا حكاية كلام الملائكة عليهم السلام، وتقديره: ما منّا ملك إلَاّ ولهُ مقام معلوم، فحذف الموصوف لحذف الكلام، والمقام المعلوم يحتمل أن يراد به الموضع الذي يقومون فيه، لأن منهم مَنْ هو في سماء الدنيا وكذلك في كل سماء، أو المنزلة من العبادة والتقريب والتشريف، ولذلك فخروا بصفوفهم وتسبيحهم، ومنهم قيام لا يركعون، ومنهم سجود لا يرفعون، ومنهم قعود لا يقومون، فجمع الله لهذه الأمة المحمدية في الصلاة عبادة الملائكة من قيام وقعود، وركوع وسجود، وتسبيح وتكبير، وزادهم من التحيات الذي كان من الرسول ليلة الإسراء حين قال: التحيات للَه
…
الخ، فقال الله تعالى: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله
وبركاته، فطِبْ نفسا وقَرّ عيناً يا محمدي بما خوّلك مولاك، وأعلم أنكَ تقِفُ بين يديه، فانظر وقوفك بمَ يكون، هلا وهبت نفسك له وأسلمتها موافقة لقولك: وَجَّهْت وجهي هذا بلسانك، فأين وجهتك.
فإن قلت: لم كان الدخول فيها بتكبيرة والخروج منها بتسليمتين، والركوع
واحدٌ والسجود اثنين؟
والجواب لأن الواحد يقبل الواحد، فإذا قلت الله أكبر فكأنك أقبلت عليه
وعظّمته على كل شيء، فرضي منك هذه الكلمة المشرفة، وأقبل عليك، وإن اشتغلت بغيره فلم تُفْرِدْه وقطعت نفسك عنه، ألا ترى أنَّ التسليمتين قطعت عنه وانفصلت عن مناجاته، كرمضان تدخل فيه بشاهد واحد وتخرج منه بشاهدين، ولما كان السجودُ أقربَ إلى الله من جميع أفعال الصلاة أمرك بسجدتين، أو لأنَّ السجود للأصنام كان عندهم مرة واحدة فزادك أخرى لتفرّق بين السجود لله والسجود لغيره، أو لأن الملائكة كانوا سجوداً وطلبوا من الله ليلةَ الإسراء بحبيبه أَن يروه فأذِن لهم ورفعوا رؤوسهم لرؤيته فسجدوا مرةً لله شكرا لرؤيته، فأمر الله بذلك: الأولى امتثالاً لأمر الله، والثانية شكرا له بأن أهَّلك لطاعته.
فإن قلت: لما كان السجود بهذه الْمَثَابة فهلَاّ أمر به المصلِّي على الميت، لأنه
يشفيع، والشفيع لا يجد قربة إلى الله أفضل منه؟
والجواب: لما كان في السجود للمصلِّي على الميت إيهام بالسجود له أمره اللهُ
بعدم السجود، كأنه يقول: لا أريد أن تسجد لي حتى يرتفع الحجاب بيني
وبينك.
(مَناص) :
مَفَرّ ونجاة، من قولك: ناص يَنوص إذا فرَّ، التقدير وليس الحين الذي دعوا فيه حين مناص.
قال أبو القاسم: معناه فرار بالنبطية.
(مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ) :
هذا من كلام الملأ الذين، خرجوا من عند أبي طالب وتفرقوا في طرق مكة، ومرادهم بالملة الآخرة