الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{فَمِنَ النَّاسِ}
تفصيل للذاكرين
ــ
[وقد ساغ لنا (1) ونقل ما سبق في السيوطي (2)، ثم قال: (ع)](3)" وفيه أن الظاهر على هذا الوجه أن يقال: {أَوْ أَشَدَّ} بدون {ذِكْرًا}، بأن يكون معطوفا على {كَذِكْرِكُمْ} صفة للذكر المقدر، وأن الظاهر الذكر الموصوف بالأشدية لا طلبه حال الأشدية."(4)
(تفصيل للذاكرين) " إلى مقل لا يطلب بذكر الله إلا الدنيا، ومكثر يَطْلُب به خير الدارين.
أريد به الحث على الإكثار والإرشاد إليه." (5)(ق)
وكذا (ك) قال: " {فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ} معناه أكثروا ذكر الله ودعاءه، [فإن] (6) الناس مِن بَين مُقل لا يطلب بذكر الله إلا أغراض الدنيا، ومكثر يَطْلُب خير الدارين، فكونوا من المكثرين."(7) أهـ
(1) أي الإمام عبد الحكيم.
(2)
كلام الإمام السيوطي السابق صـ (113 - 121) من هذا التحقيق.
(3)
العبارة التي بين المعقوفين من كلام الشيخ السقا.
(4)
مخطوط حاشية السيالكوتي على البيضاوي لوحة (334 / أ).
ونذكر تعقيب الإمام الطاهر بن عاشور في " التحرير والتنوير "(2/ 246 - 247) على هذه المسألة بعدما ذكر الأقوال فيها حيث قال: " وَلِصَاحِبِ «الْكَشَّافِ» تَخْرِيجَانِ آخَرَانِ لِإِعْرَابِ: {أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} ، فِيهِمَا تَعَسُّفٌ دَعَاهُ إِلَيْهِمَا الْفِرَارُ مِنْ تَرَادُفِ التَّمْيِيزِ وَالْمُمَيَّزِ، وَلِابْنِ جِنِّي تَبَعًا لِشَيْخِهِ أَبِي عَلِيٍّ تَخْرِيجٌ آخَرُ، دَعَاهُ إِلَيْهِ مِثْلُ الَّذِي دَعَا الزَّمَخْشَرِيُّ، وَكَانَ تَخْرِيجُهُ أَشَدَّ تَعَسُّفًا ذَكَرَهُ عَنْهُ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي «الِانْتِصَافِ» [(1/ 247) [المسمى: الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال: لابن المنير السكندري ت: 538 هـ، بهامش تفسير الكشاف ط: دار الكتاب العربي - بيروت، ط: الثالثة - 1407 هـ.]]، وَسَلَكَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ سُورَةِ النِّسَاءِ [ينظر: تفسير الكشاف (1/ 536)].
وَهَذِهِ الْآيَةُ مِنْ غَرَائِبِ الِاسْتِعْمَالِ الْعَرَبِيِّ، وَنَظِيرَتُهَا آيَةُ سُورَةِ النِّسَاءِ." أهـ
وقَالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي «تَفْسِيرِهِ» (2/ 586): «وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ طَوِيلَةٌ عَوِيصَةٌ مَا رَأَيْتُ مَنْ يَفْهَمُهَا مِنَ الشُّيُوخِ إِلَّا ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنَ الْحُبَابِ وَمَا قَصَّرَ الطَّيْبِيُّ فِيهَا، وَهُوَ الَّذِي كَشَفَ الْقِنَاعَ عَنْهَا هُنَا وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي [النساء: 77]: {يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً}، وَكَلَامُهُ فِي تِلْكَ الْآيَةِ هُوَ الَّذِي حَمَلَ التُّونِسِيِّينَ عَلَى نَسْخِهِ؛ لِأَنِّي كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لَمَّا قَدِمَ الْوَاصِلُ بِكِتَابِ الطَّيْبِيِّ، فَقُلْتُ لَهُ: نَنْظُرُ مَا قَالَ فِي: {أَشَدَّ خَشْيَةً}، فَنَظَّرْنَاهُ فَوَجَدْنَا فِيهِ زِيَادَةً عَلَى مَا قَالَ النَّاسُ فَحَضَّ الشَّيْخُ إِذْ ذَاكَ على نسخهَا. أهـ» ." [لابن عرفة الورغمي التونسي، ت: 803 هـ، تحقيق: د. حسن المناعي، الناشر: مركز البحوث بالكلية الزيتونية - تونس، ط: الأولى، 1986 م].
(5)
تفسير البيضاوي (1/ 132).
(6)
في ب: فمن. والمثبت أعلى هو الصحيح.
(7)
تفسير الكشاف (1/ 248).
وينظر: نظم الدرر (3/ 157).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فكتب السعد:
" (فإن الناس إلخ) بيان لوجه ربط الكلام بما قبله، وأصل التركيب:(الناس مُقل ومكثر) لا غير، فزيد لفظ (بَين) بمعنى: أنه محاط بهما، متردد بينهما، لا يتجاوزهما، وكلمة (مِن) بمعنى: أنه كائن من بينهما، لا يبتدأ من موضع آخر.
وحصر المُقل في طالب الدنيا فقط؛ لأن طالب الآخرة بحيث لا يحتاج إلى طلب حسنة في الدنيا - لا يوجد في الدنيا.
وقيل: لأن ذلك ليس بمشروع؛ لأن الإنسان محتفٍ بآفات الدنيا فلابد من الاستعاذة عنها أيضا.
ورد: بأن عدم المشروعية في طالب الدنيا فقط أشد، وأيضا الحكم إنما هو بوجود القسمين، لا بمشروعيتهما، على أن قولنا: منهم كذا ومنهم كذا، لا يفيد الحصر، بل ربما يشعر بوجود قسم آخر، لكنه فسره بذلك على وفق الوجود. " (1) أهـ
وقال (ش) بعد نقل [عبار](2)(ك)(3):
" وههنا فائدة وهي: أن (مِن بين) تستعمل للتقسيم استعمالا فصيحا، كما في عبارة الزمخشري.
قال المدقق (4) في الكشف: " أصله فإن الناس مقل ومكثر، على التقسيم، فزيدت (بين)؛ تصويرا للإحاطة وعدم التجاوز؛ ليصير من باب الكناية (5)، التي هي أبلغ.
(1) مخطوط حاشية سعد الدين التفتازاني على الكشاف لوحة (132 / ب).
وينظر: مفاتيح الغيب (5/ 336)، غرائب القرآن (1/ 567).
(2)
في ب: عبارة. وما في ب هو الصحيح.
(3)
تفسير الكشاف (1/ 248) آخر عبارة للكشاف صـ (129).
(4)
يقصد به: عمر بن عبد الرحمن صاحب حاشية على الكشاف، سبقت ترجمته صـ (97) من هذا التحقيق.
(5)
الكناية: هي لفظ أريد به غيرُ معناهُ الذي وضع له، مع جواز إرادة المعنى الأصلي، لعدم وجود قرينة مانعة من إرادته. نحو: فلانة نئوم الضحى، وتقصد أنها مترفة مخدومة لها من يكفيها أمرها من الخدم والحشم، فهم يقومون بتدبير شئون المنزل، فلا تحتاج إلى القيام مبكرا من النوم.
ينظر: مفتاح العلوم (1/ 402)، جواهر البلاغة (1/ 286)، علوم البلاغة (1/ 301).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثم زيدت (من) الاتصالية (1)؛ مبالغة. كقول الشاعر:
وَالنَّاسُ مِن بَيْنَ مَرْحُوبٍ وَمَحْجُوبِ (2)
كأنهم ناشئون من البين [ليبتدئ](3) تقسيمهم منه ألبتة، فجعل ابتداءهم منه بمنزلة ابتداء التقسيم.
ويجوز أن تجعل (من) بيانية (4) نظرا إلى إقحام (بين)، والأول أبلغ. " (5) أهـ
فإن قلت: الأقسام لاتنحصر فيما ذكر، فإن من الناس من لا يطلب إلا الآخرة؟ !
قلت: ليس المقصود حصر أقسام الناس مطلقا، بل لما ذكر قوله (6):(أن تبتغوا من فضل الله) قسم أهل الطلب إلى مُقل ومكثر، وهم لا يخلون عنهما، ولو سلم فإن من لا يطلب إلا الآخرة سيذكره بقوله:{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} (7)، فإن من باع نفسه لله صار كأنه مولاه.
(1) يقصد "من" الابتدائية.
(2)
هذا عجز بيت وتمامه:
إِذَا اعْتَرَوْا بَابَ ذِي عَيْبَةٍ رُحِّبُوا
…
وَالنَّاسُ مَا بَيْنَ مَرْحُوبٍ وَمَحْجُوبِ
لم أقف على قائله، وهو مروي بلفظ "ما" وليس "من". ومعنى مرحوب: مكرم ومرحب به، ومحجوب يعني: مهان. وهو بهذه الرواية من شواهد البحر المحيط (10/ 429).
وروي أيضا بلفظ: إِذَا اعْتَرَوْا بَابَ ذِي عُبِّيَّةٍ رُجِبُوا
…
وَالنَّاسُ مِنْ بَيْنِ مَرْجُوبٍ وَمَحْجُوبِ
اعتروا: نزلوا به وأصابوه. والعبية: الكبر والفخر. ورجبة الرجل: عظمته. يقول: إنهم يلجون أبواب العظماء لا تمنعهم الحجب، بخلاف غيرهم فإنهم تارة وتارة. وهو بهذه الرواية من شواهد الكشاف (4/ 722)، وقد ذكره العلامة محب الدين أفندي في كتابه " تنزيل الآيات على الشواهد من الأبيات شرح شواهد الكشاف"(47)، والعلامة محمد عليان المرزوقي في كتابه " مشاهد الإنصاف على شواهد الكشاف "(17) ولم ينسباه لقائل.
(3)
في ب: لبتدى. والمثبت أعلى هو الصحيح.
(4)
من البيانية: هي التي تبين أن ما بعدها جنس يشمل ما قبلها. نحو: {أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ} [الكهف: 31].
وهي مع مجرورها في محل نصب على الحال إن كان ما قبلها معرفة، نحو:{فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} [الحج: 30]، ونعت تابع لما قبلها إن كان نكرة، نحو:(رَأَيْت رجلا من قَبيلَة بني تَمِيم).
ينظر: الجنى الداني (1/ 309)، أوضح المسالك (3/ 18)، الكليات (1/ 832).
(5)
حاشية الكشف على الكشاف، لعمر بن عبد الرحمن (1/ 387).
(6)
يقصد قول الله تعالى: {أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ} [البقرة: 198].
(7)
سورة: البقرة، الآية:207.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقيل: حَصَر المُقل في طالب الدنيا؛ لأن طالب الآخرة فقط بحيث لا يحتاج إلى طلب حسنة من الدنيا لا يوجد في الدنيا.
وقيل: لأن ذلك ليس بمشروع؛ فإن المرء مبتلى بآفات الدنيا فلا بد له منها.
ورد: بأن عدم المشروعية في طالب الدنيا فقط أشد، وأيضا التقسيم بـ (منهم)، و (منهم) لا يفيد الحصر، وفيه نظر.
وقيل: قسم اللهُ الناسَ هنا إلى أربع فرق:
الكافرون الذين لا هَمَّ إلا الدنيا، وهم الذين ليس لهم في الآخرة من خلاق. (1)
والمقتصدون الذين يقولون: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً} . (2)
والمنافقون الذين حَلَتْ ألسنتُهم، ومَرَّتْ عقائدُهم وضمائرُهم، وهم الذين قيل فيهم:{وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ} (3) إلخ.
والسابقون البائعون أنفسهم، الرابحون، وهم: المرادون بقوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي (4)} (5) إلخ.
والمراد بالإكثار: الإكثار من ذكر الله وطلب ما عنده. " (6) أهـ
وفي (ع): " (تفصيل إلخ): يعني قوله: {فَمِنَ النَّاسِ} جملة معترضة (7)
(1) هم الذين قيل فيهم: {فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} [البقرة: 200].
(2)
سورة: البقرة، الآية:201.
(3)
سورة: البقرة، الآية:204.
(4)
في ب بزيادة: نفسه.
(5)
سورة: البقرة، الآية:207.
(6)
حاشية الشهاب على البيضاوي (2/ 292 - 293).
(7)
الجملة المعترضة: هي أن يؤتى في أثناء الكلام، أو بين كلامين متَّصلين في المعنى، بجملة معترضة: أو أكثر، لا محل لها من الإعراب، وذلك لأغراض يرمي إليها البليغ - غيرَ دَفع الإيهام. ومنها:
1 -
الدعاء: نحو: إني -حفظك الله- مريضٌ.
2 -
والتنبيه: كالتنبيه على فضيلة العلم في قول الشاعر: واعلم- فعلمُ المرء ينفعُه -
…
أن سوف يأتي كل ما قُدرا
3 -
والتّنزيه: كقوله تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ} [النحل: 57].
4 -
وزيادة التأكيد: كقوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ
…
لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14].
5 -
والاستعطاف: كقول الشاعر: وخفوقِ قلب -لو رأيت لهيبه-
…
يا جنّتي لرأيت فيه جهنَّما
6 -
والتهويل: نحو: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} [الواقعة: 76].
ينظر: مفتاح العلوم (1/ 428)، الإيضاح في علوم البلاغة (3/ 214)، جواهر البلاغة (1/ 203).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بين الأمرين المتعاطفين (1)(2).
و(الفاء) لتفصيل ماعليه الناس في الذكر (3) بحسب نفس الأمر، فإن من يذكر الله بطلب الآخرة غير موجود؛ إذ ما من أحد إلا وله حاجة عاجلة إليه - تعالى -، والذكر بقدر الحاجة؛ ولذا كان طالب الدنيا مُقلا في الذكر أي: آتياً بالذكر القليل. وطالب الدنيا والآخرة مكثر.
وأما ما يقوله بعض جهال الصوفية (4): من أن عبادتنا لذاته تعالى فارغة عن الأغراض والأعراض.
فقد قال الإمام (5) في الإحياء (6): " إنه جهل وكفر؛ لأن عدم التعليل في الأفعال مختص بذاته تعالى."(7)
نعم، إن عبادته تعالى قد تكون لطلب رضاه، لا لخوف مكروه، أو لنيل محبوب، لكن الذكر من أجل حسنات الآخرة يطلبه خُلْصُ عباده، قال الله تعالى:{وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} (8).
(1) يقصد بالأمر الأول قوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ} [البقرة: 200]، وبالأمر الثاني:{وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} [البقرة: 203].
(2)
ينظر: روح المعاني (1/ 485).
(3)
ينظر: التحرير والتنوير (2/ 247).
(4)
الصوفية: هم طائفة كانوا في القرن الأول يعرفون باسم الزهاد والنساك والبكائين، وكان اعتقادهم صافياً وإيمانهم نقياً خالصاً ابتعدوا عن الدنيا خوفا من عذاب الآخرة، وهرعوا إلى الكهوف ورءوس الجبال حيث الوحدة الصافية والانعزال عن صخب الحياة المادية. ثم بعد مُضِي عصر الصحابة والتابعين وفي أواخر القرن الثاني الهجري بدأ يطلق عليهم اسم الصوفية (قيل: من لبسهم الصوف، أو من صفائهم، أو من اتصافهم بالصفات الحميدة)، ثم تدرجوا في أطوار عديدة بداية من دخول الألفاظ الموهمة في كلامهم، وصولا إلى تحررهم من التكاليف الشرعية. ينظر: التصوف المنشأ والمصدر (1/ 20)[لإحسان إلهي ظهير الباكستاني، ت: 1407 هـ، الناشر: إدارة ترجمان السنة، لاهور - باكستان، ط: الأولى، 1406 هـ - 1986 م].
(5)
الإمام: هو محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي، أبو حامد، حجة الإسلام، المتوفى: 505 هـ، فيلسوف متصوف، له نحو مائتي مصنف، مولده ووفاته بخراسان، رحل إلى نيسابور ثم إلى بغداد فالحجاز فبلاد الشام فمصر ثم عاد إلى بلدته، من كتبه:(إحياء علوم الدين)، (تهافت الفلاسفة)، (الاقتصاد في الاعتقاد)، (المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى)، (ياقوت التأويل في تفسير التنزيل)، (شفاء العليل) في أصول الفقه. ينظر: شذرات الذهب (6/ 18)، طبقات المفسرين للأدنروي (1/ 152).
(6)
أي: كتاب الإمام الغزالي المسمى: إحياء علوم الدين.
(7)
لم أقف على هذا الكلام في كتاب إحياء علوم الدين.
(8)
سورة: التوبة، الآية:72.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اعلم أن الله - سبحانه - (1) قرن في هذا التفصيل: الذكر مع الدعاء، فذهب الإمام أبو حيان إلى:" أنه تفصيل للداعين المأمورين بالذكر."(2)
والافتتاح بالذكر؛ لكونه مفتاحا للإجابة.
فَصَّل سبحانه بعد الفراغ عن بيان مناسك الحج الداعين في تلك المواقف: بأن منهم من يطلب حسنة الدنيا بعد الفراغ عن العبادات الحجية.
ومنهم من يطلب حسنة الدارين؛ إرشادا إلى طريق الدعاء وحثا عليه.
ففي قوله: {فَمِنَ النَّاسِ} التفات (3) من الخطاب إلى الغيبة؛ حطاً لطالب الدنيا عن ساحة
عز الحضور.
وقال المصنف (4) وصاحب (ك): " تفصيل للذاكرين مطلقا حجاجا كانوا أو غيرهم. "(5)(6)
رعاية للتناسب بما قبله وبما بعده، وإبقاءً للناس على عمومه، كما هو الظاهر والمطابق لما
(1) في ب بزيادة: وتعالى.
(2)
البحر المحيط (1/ 309).
(3)
الالتفات: هو التعبير عن معنى بطريق من الطرق الثلاثة: التكلم، والخطاب، والغيبة، بعد التعبير عنه بطريق آخر منها؛ لمقتضيات ومناسبات تظهر بالتأمل في مواقع الالتفات، تفنناً في الحديث، وتلويناً للخطاب، حتى لا يمل السّامع من التزام حالة واحدة، وتنشيطا وحملا له على زيادة الإصغاء، وذلك ست صور:
1 -
فمن التكلم إلى الخطاب نحو: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 22] دون "أرجع".
2 -
ومن التكلم إلى الغيبة نحو: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 1، 2] دون "لنا".
3 -
ومن الخطاب إلى التكلم نحو: {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} [هود: 90] دون "ربكم ".
4 -
ومن الخطاب إلى الغيبة نحو: {حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم} [يونس: 22] دون "بكم".
5 -
ومن الغيبة إلى التكلم نحو: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ} [فاطر: 9] دون "فساقه".
6 -
ومن الغيبة إلى الخطاب نحو: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 4] دون "إياه".
ينظر: جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع (1/ 212)، علوم البلاغة البيان المعاني البديع (1/ 141)، البلاغة العربية (1/ 479).
(4)
يقصد القاضي البيضاوي في تفسيره.
(5)
تفسير البيضاوي (1/ 132) بالمعنى.
(6)
تفسير الكشاف (1/ 248) بالمعنى.
إلى من يطلب بذكر الله الدنيا، وإلى من يطلب به خير الدارين.
ــ
سيأتي من قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ} (1) إلخ، {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ} (2) إلخ (3).
واقتران الذكر بالدعاء؛ إشارة إلى أن المعتبر من الذكر ما يكون عن قلب حاضر وتوجه باطن كما هو حال الداعي حين طلب حاجة لا مجرد التفوه بالنطق به." (4) أهـ
(إلى من إلخ) في (ق):
" إلى مُقل لا يطلب بذكر الله إلا الدنيا."(5)
قال (ع):
" وهو الكافر؛ لكونه منكرا للآخرة، على ما في المعالم (6) وغيره أن المراد به: " المشركون، كانوا لايسألون في الحج إلا الدنيا." (7) "(8)
(1) سورة: البقرة، الآية:204.
(2)
سورة: البقرة، الآية:207.
(3)
يرى الإمام أبو حيان أن هذا التفصيل هو: تفصيل للداعين المأمورين بالذكر (أي: الحجاج فقط)، ويرى الإمامان البيضاوي والزمخشري أنه: تفصيل للذاكرين مطلقا حجاجا كانوا أو غيرهم، واختار الإمام عبد الحكيم الرأي الأخير؛ إبقاءً للناس على عمومه؛ رعاية للتناسب بما قبله وبما بعده، وكما هو الظاهر والمطابق لما سيأتي من الآيات.
(4)
مخطوط حاشية السيالكوتي على البيضاوي لوحة (334 / أ - ب).
وينظر: روح المعاني (1/ 485 - 486).
(5)
تفسير البيضاوي (1/ 132).
(6)
يقصد كتاب: تفسير البغوي المسمى (معالم التنزيل في تفسير القرآن).
(7)
تفسير البغوي (1/ 257).
وينظر: معاني القرآن وإعرابه، للزجاج (1/ 274)، تفسير الوسيط للواحدي (1/ 306)، تفسير القرطبي (2/ 432).
وقال صاحب التحرير والتنوير (2/ 247) ما ملخصه: " يَتَعَيَّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بهم الْمُشْرِكُونَ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يُهْمِلُونَ الدُّعَاءَ لِخَيْرِ الْآخِرَةِ مَا بَلَغَتْ بِهِمُ الْغَفْلَةُ، فَالْمَقْصُودُ مِنَ الْآيَةِ التَّعْرِيضُ بِذَمِّ حَالَةِ الْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْحَيَاةِ الْآخِرَةِ."
(8)
مخطوط حاشية السيالكوتي على البيضاوي لوحة (334 / ب).