المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌{ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} - من حاشية إبراهيم السقا على تفسير أبي السعود

[إبراهيم السقا]

فهرس الكتاب

- ‌شكر وتقدير

- ‌المقدمة

- ‌ أسباب اختيار الموضوع:

- ‌ الدراسات السابقة:

- ‌ منهج البحث:

- ‌أولا: المنهج التوثيقي:

- ‌ثانيا: المنهج التحليلي:

- ‌ خطة البحث:

- ‌التمهيد

- ‌ تعريف الحاشية:

- ‌الحاشية لغة:

- ‌الحاشية في الاصطلاح:

- ‌ تعريف التحقيق:

- ‌التحقيق لغة:

- ‌التحقيق في الاصطلاح:

- ‌ تعريف الدراسة:

- ‌الدراسة لغة:

- ‌ويقصد بدراسة المخطوط هنا:

- ‌ الدراسة

- ‌الفصل الأول

- ‌المبحث الأول: التعريف بالإمام أبي السعود

- ‌ اسمه ونسبه:

- ‌ مولده، ونشأته وطلبه للعلم

- ‌ مكانته العلمية:

- ‌ مؤلفاته:

- ‌ وفاته:

- ‌المبحث الثاني:التعريف بتفسيره (إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم)

- ‌ تأليف الكتاب:

- ‌ قيمته العلمية:

- ‌ الشروح والحواشي التي كتبت عليه:

- ‌الفصل الثاني

- ‌التعريف بالشيخ السقا

- ‌ اسمه ونسبه، ومولده:

- ‌ نشأته وطلبه للعلم:

- ‌ شيوخه:

- ‌ تلاميذه:

- ‌من المصريين:

- ‌ ومن تلامذته من غير المصريين

- ‌من أهل الشام:

- ‌من أهل ليبيا:

- ‌من أهل المغرب:

- ‌ مكانته العلمية:

- ‌ مؤلفاته:

- ‌أولا: الكتب المطبوعة:

- ‌ثانيا: الكتب التي لم تطبع:

- ‌ وفاته:

- ‌الفصل الثالث

- ‌المبحث الأول: التعريف بالحاشية

- ‌ المطلب الأول: توثيق نسبة الحاشية إلى صاحبها:

- ‌أولا: ما نص عليه أكثر من ترجم للشيخ السقا: أن له حاشية على تفسير الإمام أبي السعود:

- ‌ثانيا: إقرار الشيخ في بداية الحاشية:

- ‌ثالثا: ذكر اسمه صريحا في النسخ المعتمدة:

- ‌المطلب الثاني: قيمة الحاشية العلمية:

- ‌المطلب الثالث: الرموز التي وردت بالحاشية:

- ‌النوع الأول: الرموز التي تشير إلى المؤلفات أو أصحابها - وقد تركتها كما هي

- ‌النوع الثاني: الرموز التي تشير إلى كلمات مختصرة - وقد كتبتها بتمامها

- ‌المبحث الثاني: منهج الشيخ السقا في الحاشية

- ‌المطلب الأول: المنهج العام في وضع الحاشية، والتعامل مع المصادر:

- ‌ ومن أهم حواشي الكشاف التي أوردها الشيخ السقا في هذا الجزء محل الدراسة:

- ‌ ومن أهم حواشي تفسير البيضاوي التي أوردها الشيخ السقا في هذا الجزء محل الدراسة:

- ‌المطلب الثاني: منهج الشيخ في التعامل مع الموضوعات التي تضمنهتا الحاشية:

- ‌أولا: موقفه من التفسير بالمأثور:

- ‌1 - من تفسير القرآن بالقرآن:

- ‌2 - من تفسير القرآن بالأحاديث النبوية:

- ‌3 - من تفسير القرآن بأقوال الصحابة:

- ‌4 - من تفسير القرآن بأقوال التابعين:

- ‌ثانيا: موقفه من التفسير بالرأي الجائز:

- ‌1 - الأمثلة اللغوية:

- ‌2 - الأمثلة النحوية:

- ‌3 - الأمثلة البلاغية:

- ‌4 - أمثلة من السيرة النبوية:

- ‌5 - أمثلة من جانب العقيدة:

- ‌6 - أمثلة من جانب الفقه:

- ‌ثالثا: موقفه من تخريج النصوص التي احتواها الكتاب:

- ‌1 - موقفه من تخريج الأحاديث:

- ‌2 - موقفه من تخريج أبيات الشعر:

- ‌رابعا: موقفه من قضايا علوم القرآن:

- ‌1 - التناسب بين الآيات:

- ‌2 - أسباب النزول:

- ‌3 - الناسخ والمنسوخ:

- ‌4 - موقفه من توجيه القراءات:

- ‌المطلب الثالث: المآخذ على منهج الشيخ في الحاشية

- ‌المبحث الثالث: النسخ الخطية وعمل الباحث فيها

- ‌المطلب الأول: وصف النسخ الخطية للحاشية:

- ‌النسخة الأولى:

- ‌النسخة الثانية:

- ‌النسخة الثالثة:

- ‌النسخة الرابعة:

- ‌المطلب الثاني: النسخ المعتمدة وأسباب اختيارها

- ‌المطلب الثالث: منهج الباحث في دراسة وتحقيق نص الحاشية:

- ‌ العمل في القسم الدراسي:

- ‌ العمل في قسم التحقيق:

- ‌أولا: كتابة نص الحاشية:

- ‌ثانيا: تخريج النصوص التي احتواها الكتاب، وذلك كما يلي:

- ‌ثالثا: تيسير فهم النص، وذلك كالآتي:

- ‌رابعا: التعقيب على المؤلف: عن طريق:

- ‌خامسا: ذكر الفهارس الفنية، وهي كالتالي:

- ‌المطلب الرابع: صور ضوئية لبعض صفحات المخطوط

- ‌{ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ}

- ‌{وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ}

- ‌{إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}

- ‌{فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ}

- ‌{فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ}

- ‌{أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا}

- ‌{فَمِنَ النَّاسِ}

- ‌{مَن يَقُولُ}

- ‌{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا}

- ‌{وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}

- ‌{وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً}

- ‌{وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً}

- ‌{وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}

- ‌{أُوْلَئِكَ}

- ‌{لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا}

- ‌{وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}

- ‌{وَاذْكُرُوا اللَّهَ}

- ‌{فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ}:

- ‌{فَمَن تَعَجَّلَ}

- ‌{فِي يَوْمَيْنِ}

- ‌{فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ}

- ‌{وَمَن تَأَخَّرَ}

- ‌{فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ}

- ‌{لِمَنِ اتَّقَى}

- ‌{وَاتَّقُوا اللَّهَ}

- ‌{وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}

- ‌{وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ}

- ‌{فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}

- ‌{وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ}

- ‌{وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ}

- ‌{وَإِذَا تَوَلَّى}

- ‌{سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ}

- ‌{وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ}

- ‌{وَإِذَا قِيلَ لَهُ}:

- ‌{اتَّقِ اللَّهَ}:

- ‌{أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ}

- ‌{فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ}

- ‌{وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ}:

- ‌{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ}:

- ‌{ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ}

- ‌{وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}

- ‌{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ}

- ‌{كَافَّةً}

- ‌{وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}

- ‌{إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}

- ‌{فَإِن زَلَلْتُم}

- ‌{مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ}

- ‌{الْبَيِّنَاتُ}

- ‌{فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ}

- ‌{حَكِيمٌ}

- ‌{هَلْ يَنظُرُونَ}

- ‌{إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ}

- ‌{فِي ظُلَلٍ}

- ‌{مِّنَ الْغَمَامِ}

- ‌{وَالْمَلَائِكَةُ}

- ‌{وَقُضِيَ الْأَمْرُ}

- ‌{وَإِلَى اللَّهِ}

- ‌{تُرْجَعُ الْأُمُورُ}

- ‌{سَلْ بَنِي إِسْرَاءِيلَ}

- ‌{كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ}

- ‌{وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ}

- ‌{مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ}

- ‌{فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}

- ‌{زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا}

- ‌{وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا}

- ‌{وَالَّذِينَ اتَّقَوْا}

- ‌{فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}

- ‌{وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ}

- ‌{بِغَيْرِ حِسَابٍ}:

- ‌{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً}

- ‌{فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ}

- ‌{مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ}

- ‌{وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ}

- ‌{بِالْحَقِّ}

- ‌{لِيَحْكُمَ}

- ‌{بَيْنَ النَّاسِ}

- ‌{فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ}

- ‌{وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ}

- ‌{إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ}

- ‌{مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ}

- ‌{بَغْيًا بَيْنَهُمْ}

- ‌{فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا‌‌ لِمَااخْتَلَفُوا فِيهِ}

- ‌ لِمَا

- ‌{مِنَ الْحَقِّ}

- ‌{وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}

- ‌{أَمْ حَسِبْتُمْ}

- ‌{أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم}

- ‌{مَّسَّتْهُمُ}

- ‌{الْبَأْسَاءُ}

- ‌{وَالضَّرَّاءُ}

- ‌{وَزُلْزِلُوا}

- ‌{حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ}

- ‌{مَتَى}

- ‌{نَصْرُ اللَّهِ}

- ‌{أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}

- ‌{يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ}

- ‌{قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ}

- ‌{فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ}

- ‌{وَالْيَتَامَى}

- ‌{وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ}

- ‌{وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ}

- ‌{فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}

- ‌{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ}

- ‌{وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ}

- ‌{وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}

- ‌{وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ}

- ‌{وَاللَّهُ يَعْلَمُ}

- ‌{وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}

- ‌{يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ}

- ‌{قِتَالٍ فِيهِ}

- ‌{قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ}

- ‌{قُلْ}

- ‌{صَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ}

- ‌{وَكُفْرٌ بِهِ}

- ‌{وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}

- ‌{وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ}:

- ‌{مِنْهُ}

- ‌{أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ}

- ‌{وَالْفِتْنَةُ}

- ‌{أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ}

- ‌{وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ}

- ‌{حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ}

- ‌{إِنِ اسْتَطَاعُوا}

- ‌{وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ}

- ‌{فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ}

- ‌{أُوْلَئِكَ}

- ‌{حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ}

- ‌{فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ}

- ‌{وَأُوْلَئِكَ}

- ‌{أَصْحَابُ النَّارِ}

- ‌{هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}

- ‌الخاتمة

الفصل: ‌{ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس}

تفسير الإمام أبي السعود: ‌

{ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ}

ــ

حاشية الشيخ إبراهيم السقا: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ} (1) إلخ (2).

في (ك)(3): " ثم لتكن إفاضتكم (4) من حيث أفاض الناس (5)، ولا تكن من المزدلفة (6)؛ وذلك لما كان عليه الحُمْس (7) من الترفع على الناس، والتعالي عليهم، وتعظمهم عن أن يساووهم في الموقف (8)،

(1) سورة البقرة، الآية:199.

(2)

يقصد كلمة: إلى آخره.

(3)

يرمز به إلى: تفسير الكشاف المسمى (الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، وعيون الأقاويل في وجوه التنزيل) للإمام أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري (467 - 538 هـ).

(4)

الإفاضة: هي دَفْعُ النَّاسِ مِنَ الْمَكَانِ، يُقَال: أَفاضَ الناسُ مِنْ عَرَفاتٍ إِلى مِنى: إذا انْدَفَعُوا بِكَثْرَةٍ بالتَّلْبية بعد انقضاء الموقف. وَتَكُونُ هَذِهِ الإْفَاضَةُ صَحِيحَةً شَرْعًا إِذَا وَافَقَتْ وَقْتَهَا، مِثْل: الإْفَاضَةِ مِنْ عَرَفَةَ بَعْدَ غُرُوبِ شَمْسِ يوم عَرَفَةَ، وَالإْفَاضَةِ مِنْ المُزْدَلِفَةَ بَعْدَ صَلاةِ الْفَجْرِ. وَتَكُونُ جَائِزَةً مِثْل: الإْفَاضَةِ مِنْ مِنًى فِي الْيَوْمِ الثَّانِي لِلرَّمْيِ بالنسبة للحاج الْمُتَعَجِّل. ينظر: القاموس الفقهي لغة واصطلاحا (1/ 292)[د. سعدي أبو حبيب، دار الفكر. دمشق - سورية، ط الثانية 1408 هـ = 1988 م]، الموسوعة الفقهية الكويتية (5/ 272)[وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت، ط (من 1404 - 1427 هـ) ط الثانية، دارالسلاسل - الكويت.]

(5)

أي من عرفة.

(6)

المُزْدَلِفة: من الازدلاف وهو: الاجتماع سميت بذلك؛ لأن الناس يجتمعون بها، والمزدلفة: هي المشعر الحرام وهي جَمْع، وهي مَبيت للحاجّ ومَجمع الصلاة إذا صدروا من عرفات، يُصلي فيها المغرب والعشاء والصبح، وحدّها إذا أفضت من عرفات تريدها فأنت فيها حتى تبلغ القرن الأحمر دون محسّر وقزح الجبل الذي عند الموقف، وهي فرسخ من منى، بها مُصلى وسِقاية ومنارة وبِرَك عدّة إلى جنب جبل ثبير.

ينظر: معجم البلدان (1/ 120)[لياقوت الحموي ت: 626 هـ، دار صادر، بيروت، ط: الثانية، 1995 م].

(7)

الحُمْس: جَمْعُ الأَحْمس وهو: الشُّجَاعُ. والحُمْسُ هم: قُرَيْشٌ ومَنْ وَلدَتْ قُرَيْشٌ وَكِنَانَةُ وجَديلَةُ قَيْسٍ، وَهُمْ فَهْمٌ وعَدْوانُ ابْنَا عَمْرِو بْنِ قَيْسِ عَيْلان وَبَنُو عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَة، سُمُّوا حُمْساً لأَنهم تَحَمَّسُوا فِي دِينِهِمْ أَي تشدَّدوا. وَكَانَتِ الحُمْسُ سُكَّانَ الْحَرَمِ وَكَانُوا لَا يَخْرُجُونَ أَيام الْمَوْسِمِ إِلى عَرَفَاتٍ إِنما يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَيَقُولُونَ: نَحْنُ أَهل اللَّه وَلَا نَخْرُجُ مِنَ الْحَرَمِ. ينظر: لسان العرب - حرف السين (6/ 58)[لجمال الدين ابن منظور ت: 711 هـ، دار صادر - بيروت، ط الثالثة - 1414 هـ]، تاج العروس - مادة حمس (1/ 555).

(8)

ينظر: أسباب النزول (1/ 64)[للواحدي النيسابوري ت: 468 هـ، تحقيق: عصام بن عبد المحسن الحميدان، دار الإصلاح - الدمام، ط: الثانية، 1412 هـ - 1992 م]، العجاب في بيان الأسباب (1/ 505) [لابن حجر العسقلاني ت: 852 هـ، تحقيق: عبد الحكيم محمد الأنيس، دار ابن الجوزي.]

ص: 83

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وقولهم: نحن أهل الله وقُطَّان (1) حَرَمه، فلا نخرج منه، " فيقفون بجَمْع (2)، وسائر الناس بعرفات."(3)

فإن قلت: كيف موقع (ثم)؟

قلت: نحو موقعها في قولك: أحسن إلى الناس، ثم لا تحسن إلى غير كريم، تأتي بـ (ثم) لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم، والإحسان إلى غيره، وبُعد ما بينهما،

فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات (4)[قال: {ثُمَّ](5) أَفِيضُوا} [لتفاوت](6) مابين الإفاضتين، وأن إحداهما صواب والأخرى خطأ ". (7)

(1) قُطَّان: جمع قَاطِنٌ، ومثله قَاطِنَةٌ وَقَطِينٌ، وقَطَنَ بِالْمَكَانِ: أَقَامَ بِهِ وَتَوَطَّنَهُ، والقَطينُ: هم الخدَم والأتباع، والمُقِيمونَ بالموْضِعِ لَا يَكادُونَ يَبْرحُونَه. ينظر: مختار الصحاح - مادة: قطن (1/ 257)، تاج العروس - مادة: قطن (36/ 5).

(2)

جَمْعٌ: هي المُزْدَلِفةُ، وهي مَعْرفة كعَرَفات، وَإِنَّمَا سميت: جَمْعا؛ لأن آدم عليه السلام اجتمع فيها مع حواء، أو يجمع هُنَالك بَين الْمغرب وَالْعشَاء، أو لأن الناس يجتمعون بها. ينظر: لسان العرب - حرف العين (8/ 59)، تاج العروس - مادة جمع (20/ 452)، القاموس الفقهي - حرف الجيم (1/ 66).

(3)

جزء من حديث أخرجه: الإمام البخاري في صحيحه، (6/ 27) رقم: 4520، كتاب: تفسير القرآن، بَابُ:{ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199]. وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه (2/ 893) رقم: 151، كتاب: الحج، بَابٌ: فِي الْوُقُوفِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199].

وأخرجه الإمام أبو داود في سننه (2/ 187)، رقم: 1910، كِتَاب: الْمَنَاسِكِ، بَاب: الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وأخرجه الإمام الترمذي في سننه (2/ 223) رقم: 884، أَبْوَاب: الحَجِّ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، بَابُ: مَا جَاءَ فِي الوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ وَالدُّعَاءِ بِهَا، وقال عنه: حديث حسن صحيح، وأخرجه الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره (4/ 184) رقم: 3831، وأخرجه الإمام ابن أبي حاتم الرازي ت: 327 هـ، في تفسيره (2/ 354) رقم:1860. كلهم بالمعنى عن السيدة عائشة.

وقال الإمام ابن كثير في تفسيره (1/ 556): " وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ [تفسير الطبري (4/ 190)]، وَحَكَى عَلَيْهِ الْإِجْمَاعَ، رحمهم الله."

(4)

في قوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ (198)} [البقرة: 198].

(5)

في ب: ثم قال، والمثبت أعلى هو الصحيح.

(6)

في ب: التفاوت، والمثبت أعلى هو الصحيح.

(7)

تفسير الكشاف (1/ 247).

ص: 84

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

قال السعد (1):

" [الحُمْس](2) في الأصل: جمع أَحْمس، وهو الشديد الصلب. سميت قريش (3) وكِنانة (4) بذلك؛ لتصلبهم فيما كانوا عليه (5).

يعني أن الأمر الوارد بالإفاضة {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النّاسُ} ؛ إنما هو لأجل الترفع الذي كانت عليه قريش وكنانة من أن يساووا الناس في الموقف، أمر الحاج بأن لا يكون مثلهم بل مثل سائر الناس.

(1) السعد: هو مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني، سعد الدين، المتوفي: 793 هـ، من أئمة العربية والبيان والمنطق، له مصنفات جليلة منها: شرح تلخيص المفتاح، شرح التوضيح، حاشية على الكشاف مختصرة من حاشية الطيبي وصل فيها إلى سورة الفتح وتوفى قبل تكميلها، وقد أشار إليه صاحب الحاشية أحيانا بلفظ التفتازاني. ينظر: طبقات المفسرين للداودي (2/ 319)، طبقات المفسرين للأدنروي (1/ 301).

(2)

في ب: الخمس، والمثبت أعلى هو الصحيح.

(3)

قريش: هى قبيلة عَرَبِيَّة من مُضر، سكنت فِي مَكَّة، وَقَامَت على الْحَج، وَمِنْهَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا قرشي وقريشي، والقرشُ لغة: الجمعُ، سميتْ به قريشٌ؛ لتَقَرُّشِها أَي: لتجمعها إِلَى مَكَّةَ مِنْ حواليها حِين غَلبَ عَلَيْهَا قُصيُّ بنُ كلابٍ. وَقَيل: القَرْشُ: الكَسْبُ. سميتْ به قُريشٌ؛ لأَنهم كَانُوا أهلَ تِجَارَة. وَلم يَكُونُوا أَصْحَاب زرع أَو ضرع. ينظر: تهذيب اللغة - باب القاف والشين (8/ 254)، تاج العروس- مادة قرش (17/ 325)، معجم قبائل العرب القديمة والحديثة (3/ 947) [لعمر كحالة ت: 1408 هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: السابعة، 1414 هـ - 1994 م].

(4)

كِنانة: هى قبيلة عَرَبِيَّة عظيمة من مُضر، أبوهم كِنانَةُ بنُ خُزَيْمَةَ، وَهُوَ الجَدُّ الرابعُ عَشَر لسيِّدِنا رسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم، كانت ديارهم بجهات مكة، وتنقسم إلى عدة بطون منها: قريش، عبد مناة بن كنانة، بنو مالك ابن كنانة. ينظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية - مادة: كنن (6/ 2189)[لإسماعيل بن حماد الجوهري ت: 393 هـ، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين - بيروت، ط: الرابعة 1407 هـ- 1987 م]، الإنباه على قبائل الرواة (1/ 49) [ليوسف بن عبد الله النمري ت: 463 هـ، تحقيق: إبراهيم الأبياري، دار الكتاب العربي - بيروت - لبنان، ط: الأولى، 1405 هـ - 1985 م]، تاج العروس - مادة: كنن (36/ 68)، معجم قبائل العرب (3/ 996).

(5)

ينظر: معاني القرآن وإعرابه (1/ 273)[لأبي إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج ت: 311 هـ، تحقيق: عبد الجليل عبده شلبي، عالم الكتب - بيروت، ط: الأولى 1408 هـ - 1988 م].

ص: 85

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

فتوجه سؤال: ثم حيث كانت الإفاضة المذكورة بعدها، هي بعينها الإفاضة المذكورة قبلها، يعني أن الإفاضتين كلاهما (1) من عرفات،

فما معنى عطف الأمر بها بكلمة (ثم) - الدالة على التراخي عن الذكر المقارن لها بل المتأخر عنها (2)؟

وكيف موقع (ثم)(3) من كلام البلغاء؟

(1) الأصح كلتاهما؛ لأن اللفظ مؤنث.

(2)

يقصد: أن الله تعالى قال: {فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} حيث إن الله تعالى أمرهم بالإفاضة أولا من عرفات، ثم أمرهم بذكر الله عند المشعر الحرام، ثم عطف الأمر بالإفاضة مرة ثانية على الأمر بالذكر، بحرف (ثم) الدال على التراخي، مع أن الإفاضتين كلتاهما من عرفات.

(3)

معاني (ثم): ثمَّ: للْعَطْف مُطلقًا، سَوَاء كَانَ مُفردا أَو جملَة،

وَإِذا ألحق التَّاء تكون مَخْصُوصَة بعطف الْجمل.

وَفِي (ثمَّ) تراخ، وهو انقضاء مدة زمنية بين وقوع المعنى على المعطوف عليه، ووقوعه على المعطوف، وتحديد هذه المدة متروك للعرف. وَوُجُوب دلَالَة (ثمَّ) على التَّرْتِيب مَعَ التَّرَاخِي مَخْصُوص بعطف الْمُفْرد.

والتراخي الرتبي لَيْسَ معنى (ثمَّ) فِي اللُّغَة، بل يُطلق عَلَيْهِ (ثمَّ) مجَازًا.

وَقد تجِيء لمُجَرّد الاستبعاد، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى:{يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} [النحل: 83].

وَقد تجِيء بِمَعْنى التَّعَجُّب نَحْو: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)} [الأنعام: 1].

وَبِمَعْنى الِابْتِدَاء نَحْو: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} [فاطر: 32].

وَبِمَعْنى الْعَطف وَالتَّرْتِيب نَحْو: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا} [النساء: 137].

وَبِمَعْنى (قبل) نَحْو: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54]. أَي: فعل ذَلِك قبل استوائه على الْعَرْش.

وبمعنى التدرج نحو: {ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4)} [التكاثر: 4]، كَمَا فِي:(وَالله ثمَّ وَالله).

وَقد تَجِيء لمُجَرّد الترقي نَحْو: (إِن من سَاد ثمَّ سَاد أَبوهُ

ثمَّ قد سَاد قبل ذَلِك جده).

وَقد تَجِيء للتَّرْتِيب فِي الْأَخْبَار، كَمَا يُقَال:(بَلغنِي مَا صنعت الْيَوْم ثمَّ مَا صنعت أمس أعجب) أَي: ثمَّ أخْبرك أَن الَّذِي صنعت أمس أعجب.=

ص: 86

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

فأجاب (1): بأن موقعها موقع (ثم) في قولك: أحسن إلى الناس، ثم لا تحسن إلى غير كريم؛ لما سبق من دلالة {فَإِذَا أَفَضْتُم} على وجوب الإفاضة من عرفات، وأن معنى:{ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النّاسُ} لتكن إفاضتكم منه لا من المزدلفة،

فصار كأنه قيل: أفيضوا من عرفات، ثم لا تفيضوا من المزدلفة.

ومعنى (ثم): الدلالة على بُعد ما بين الإفاضتين،

أعني: الإفاضة من عرفات، والإفاضة من المزدلفة؛ لأن الأولى صواب، والثانية خطأ.

وبينهما بَوْن (2) بعيد. وهذا النوع من التباين (3) لا ينافي تفاوت المرتبة وتباعدها، بل يحققه.

هذا تقرير الكلام على وفق ما في الكتاب (4).

وعليه سؤال ظاهر، وهو: أن التفاوت والبُعْد في المرتبة إنما يعتبر في المعطوف والمعطوف عليه، وهو ههنا: عدم الإحسان إلى غير كريم، وعدم الإفاضة من المزدلفة.

= وَقد تجيء أَن تكون بِمَعْنى الْوَاو الَّتِي بِمَعْنى (مَعَ) نحو: مثل قَوْله تَعَالَى: {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (46)} [يونس: 46] أَي: وَالله؛ لأَنا لَو حملنَا على حَقِيقَته لَأَدَّى أَن يكون الله شَهِيدا بعد أَن لم يكن وَهُوَ مُمْتَنع.

وَقد تَجِيء فصيحة لمُجَرّد استفتاح الْكَلَام.

وَقد تَجِيء زَائِدَة كَمَا فِي: {أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 118].

ينظر: الجنى الداني في حروف المعاني (1/ 426)[لبدر الدين حسن بن قاسم المرادي ت: 749 هـ، تحقيق: د. فخر الدين قباوة - الأستاذ محمد نديم فاضل، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط: الأولى، 1413 هـ - 1992 م]، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك (3/ 326)[لجمال الدين، ابن هشام ت: 761 هـ، تحقيق: يوسف الشيخ محمد البقاعي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع]، الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية (1/ 325) [لأبي البقاء الكفوي ت: 1094 هـ، تحقيق: عدنان درويش - محمد المصري، مؤسسة الرسالة - بيروت].

(1)

أي: الزمخشري في تفسيره الكشاف.

(2)

البَوْن: البُعْد والفرق والمسافة بين الشيئين، يقال بينهما بَوْن بعيد أي: فرق كبير. ينظر: لسان العرب - حرف النون (13/ 68)، معجم اللغة العربية المعاصرة - مادة بون (1/ 266).

(3)

التباين: التباعد والاختلاف والتفاوت بين الشيئين. ينظر: شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم - باب الباء والياء (1/ 691)[لنشوان الحميرى ت: 573 هـ، تحقيق: د حسين بن عبد الله العمري، دار الفكر المعاصر، بيروت - لبنان، ط: الأولى، 1420 هـ - 1999 م]، معجم اللغة العربية المعاصرة - مادة بين (1/ 274).

(4)

أي: تفسير الكشاف.

ص: 87

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

لكن قد جرت عادته في هذا الكتاب أن يعتبر في أمثال هذه المواضع (1) التفاوت والبُعْد بَين المعطوف عليه، وبَين ما دخله النفي من المعطوف، لا بينه وبين النفي.

ذَكر في قوله: {وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ} (2)، أن (ثم) للدلالة على بُعْد ما بين توليتهم الأدبار، وكونهم ينصرون (3). (4)

وأما الاعتراض: بأن التفاوت يُفْهَم من كَوْن أحد الأمرين مأمورا به، والآخر منهيا عنه، سواء كان العطف بـ (ثم) أو بالواو أو بالفاء. فليس بشاء؛ لأن المراد بـ (ثم) إشعار بذلك، ودلالة عليه من حيث كونها في الأصل للبعد والتراخي، ولا كذلك الفاء والواو.

والأمر والنهي حتى لو عُلِمَ، عُلِمَ بدلالة العقل (5).

(1) مكتوب في جانب المخطوطة: (نسخة عبارته: في مثل هذه المواضع في ثم).

(2)

سورة: آل عمران، الآية:111.

(3)

ينظر: تفسير الكشاف (1/ 401).

(4)

يقصد: أن الإمام الزمخشري يقول: إحداهما صواب والأخرى خطأ، أي: الإفاضة من عرفات والإفاضة من مزدلفة.

فيقول السعد: أن التفاوت المفروض يكون بين المعطوفين أي بين: الإفاضة من عرفات، وعدم الإفاضة من المزدلفة. أحدهما مثبت والآخر منفي، ثم يقول إن الإمام الزمخشري قد فعل ذلك أيضا في آية آل عمران، حيث جعل التفاوت بين: توليتهم الأدبار وكونهم ينصرون، والمفروض كونهم لا ينصرون.

(5)

أي أن الأمر والنهي لو علم، سيكون العلم به عن طريق دلالة العقل.

ص: 88

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وأما إذا جرى {النّاسُ} (1) على الإطلاق (2)، وقد تقرر أن {فَإِذَا أَفَضْتُم} يدل على وجوب الإفاضة من عرفات، فلا يطابق. إلا أن هذا لا يضر بالمقصود، وهو التطابق في موضع (ثم)، وفي الدلالة على تفاوت ما بين الفعلين.

وذهب بعضهم: إلى أن مراده أن {ثُمَّ أَفِيضُوا} عطف على {فَاذْكُرُوا اللَّهَ} ، قصدا إلى التفاوت بينه وبين ما يتعلق (3) بـ (اذكروا)، أعني الإفاضة المذكورة في ضمن شرطه الذي هو:

[{فَإِذَا أَفَضْتُم}](4) وهو حاصل ما ذكرناه." (5) أهـ

ولما ذكر (ش)(6): عبارته (7)، ذكر آخرها بالمعنى، فقال: " والحاصل أن {أَفِيضُوا}

(1) أي: أفيضوا من حيث أفاض عُمُومُ الْمُفِيضِينَ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ الْأَمْرُ الْقَدِيمُ الَّذِي عَلَيْهِ النَّاسُ، كَمَا تَقُولُ: هَذَا مِمَّا يَفْعَلُهُ النَّاسُ، أَيْ عَادَتُهُمْ ذَلِكَ. وهو أحد الآراء في المراد بالناس، وسيأتي بيان ذلك بالتفصيل. ينظر: البحر المحيط (2/ 302).

(2)

المطلق: الْمُطْلَقُ الدَّالُّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِلَا قَيْدٍ (صفة أو شرط أو استثناء)، وقَالَ الْعُلَمَاءُ: مَتَى وُجِدَ دَلِيلٌ عَلَى تَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ صُيِّرَ إِلَيْهِ، وَإن لم يوجد دليل يَبْقَى الْمُطْلَقُ عَلَى إِطْلَاقِهِ. ينظر: البرهان في علوم القرآن (2/ 15)[لبدر الدين محمد الزركشي ت: 794 هـ، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط: الأولى، 1376 هـ - 1957 م، دار إحياء الكتب العربية]، الإتقان في علوم القرآن (3/ 101) [لجلال الدين السيوطي ت: 911 هـ، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط: 1394 هـ/ 1974 م].

(3)

ما يتعلق بـ (اذكروا) هو قوله: {عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} .

ينظر: إعراب القرآن وبيانه (1/ 296)[لمحيي الدين درويش ت: 1403 هـ، دار الإرشاد للشئون الجامعية - حمص - سورية، ط: الرابعة، 1415 هـ].

والتعلق: هو حكم من أحكام شبه الْجُمْلَة (وَهُوَ الظّرْف وَالْجَار وَالْمَجْرُور) فلَا بُد من تعلقهما بِالْفِعْلِ أَو مَا يُشبههُ، نحو:{أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7]، فَإِن لم يكن شَيْء من ذلك مَوْجُودا قدر، نحو:{وإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} [الأعراف: 73]، بِتَقْدِير: وَأَرْسَلْنَا.

ينظر: مغني اللبيب (1/ 566)[لجمال الدين، ابن هشام ت: 761 هـ، تحقيق: د. مازن المبارك، دار الفكر - دمشق، ط: السادسة، 1985].

(4)

في ب: فأفضتم، والمثبت أعلى هو الصحيح.

(5)

مخطوط حاشية سعد الدين التفتازاني على الكشاف لوحة (131 / ب - 132 / أ)[مخطوطة رقم: 17 - 464، بالأمانة العامة بالمكتبة المركزية بالجامعة السليمانية، عدد أوراقها 460 ناقصة الآخر].

(6)

يقصد شهاب الدين في حاشيته على تفسير البيضاوي، والشهاب: هو أحمد بن محمد بن عمر، شهاب الدين الخفاجي المصري، المتوفى: 1069 هـ، قاضي القضاة، وصاحب التصانيف في الأدب واللغة، نسبته إلى قبيلة خفاجة، ولد ونشأ بمصر، له تصانيف عديدة منها:(عناية القاضي وكفاية الراضي) حاشية على تفسير البيضاوي، (نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض). ينظر: طبقات المفسرين للأدنروي (415)، خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر (1/ 331) [لمحمد أمين بن فضل الله المحبي الحموي ت: 1111 هـ، دار صادر - بيروت].

(7)

أي عبارة سعد الدين التفتازاني، انظر الصفحات السابقة من هذا البحث.

ص: 89

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

عطف على {فَاذْكُرُوا} ، قصدا إلى التفاوت بينه وبين ما يتعلق بـ (اذكروا)، وهو (إذا أفضتم)." (1)

قال (2): " ويؤخذ منه أن التفاوت يكون بتفضيل أحد المتعاطفين، سواء كان الأول أو الثاني، كما أشار له في الكشف (3)، (4)، وأن التفاوت يكون بينهما بالذات، وبين متعلقهما بالتبع.

تنبيه: ذكر ابن إسحاق في سيرته: " أن قريشا كانت تسمى الحمس؛ لتشددهم في الدين، وكانوا لتعظيمهم الحرم تعظيما زائدا؛ ابتدعوا أنهم لا يخرجون منه ليلة عرفة، ويقولون: نحن قطان بيت الله وأهله، فلا يقفون بعرفة مع أنها من [مشاعر](5)(6) إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فكانوا كذلك [حتى](7) رد الله عليهم إلخ.

وكان نبينا عليه الصلاة والسلام قبل ذلك يقف بعرفات ويخالفهم؛ لأن الله (8) وقفه وأوقفه على المشاعر." (9) أهـ

(1) انتهت إلى هنا عبارة السعد.

(2)

أي الشهاب.

(3)

يقصد بها: حاشية الكشف على تفسير الكشاف، المسماة:(حاشية الكشف عن مشكلات الكشاف)، للإمام عمر بن عبد الرحمن القزويني المتوفي: 745 هـ.

(4)

ينظر: حاشية الكشف على الكشاف، لعمر بن عبد الرحمن (1/ 384 - 385)[رسالة دكتوراه - كلية لغة عربية بنين القاهرة - جامعة الأزهر، للباحث: محمد بن محمود عبد الله السلمان، تحت إشراف د / كامل إمام الخولي، سنة: 1400 هـ - 1980 م].

(5)

في ب: مشاعير، والمثبت أعلى هو الصحيح.

(6)

مَشاعِر: جمع مَشْعَر، وهو: موضع مناسك الحج. وحَدُّ المَشْعَر ما بين جَبَليّ المزدلفة، من حد مَفْضى مأزمي عرفة إِلى وادي محسِّر؛ وسمي: مشْعَراً لأن الدعاء عنده والوقوف فيه والذبح به من معالم الحج. والمَشْعَران: المزدلفة ومنى. ينظر: شمس العلوم - باب الشين والعين وما بعدهما (6/ 3479)، حلية الفقهاء - باب أعمال الحج (1/ 120)[لأحمد بن فارس القزويني الرازي، ت: 395 هـ، تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، الشركة المتحدة للتوزيع - بيروت، ط: الأولى (1403 هـ - 1983 م)].

(7)

في ب: حين، والمثبت أعلى هو الصحيح.

(8)

في ب بزيادة: سبحانه وتعالى.

(9)

سيرة ابن إسحاق: (1/ 97، 102) بالمعنى.

ص: 90

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

فالأولى هو التفسير المأثور (1)؛ ولذا قدمه (2)، إلا أن فيه خفاء من جهة النظم، فإنه معطوف على جواب (إذا)، وعليه يصير التقدير: فإذا أفضتم من عرفات فأفيضوا من عرفات، ولا يخلو من نظر، فهو محتاج إلى التأويل (3). " (4) أهـ

(1) التفسير بالماثور: كلمة (مأثور) فى اللغة- مأخوذة من الأَثَر، والأثر يطلق على أمرين: على بقية الشيء، وعلى الخَبَر، أى الكلام المُخبر به عن شخص آخر. ينظر: لسان العرب، حرف الراء (4/ 5)، تاج العروس، مادة أثر (10/ 12).

والتفسير في اصطلاح المفسرين: هو ما جاء فى القرآن الكريم نفسه من آيات تبين آيات أخرى، وما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام والتابعين بيانا لمراد الله تعالى من كتابه. ويتحتم الأخذ بالتفسير المأثور وتقديمه على التفسير بالرأى [بالاجتهاد]: فيجب أن نبحث فى القرآن أولا عن المعنى الذى نريده؛ لأن صاحب الكلام أدرى بمقصوده من غيره، ولأن الشرع أمر باتباع ما جاء عن الله- تعالى- ونهى عن التقديم بين يديه- عز وجل، فإن لم يجد المفسر بيانا لمعنى الآية فى القرآن، لجأ إلى السنة؛ لقيام الأدلة المتعددة على حجية السنة، ولأن وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم هى تبيين القرآن، فإن لم يجد المفسر بيانا نبويا ذهب إلى أقوال الصحابة؛ فإنهم شاهدوا الوحى والتنزيل، ورأوا التفسير العملى للقرآن متجسدا فى أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم، وأفعاله، فإن لم يجد المفسر بغيته فى أقوال الصحابة انتقل إلى أقوال التابعين، الذين تتلمذوا على أيدى الصحابة، على خلاف بين العلماء فى مدى حجية أقوالهم.

فإن فقد المفسر مطلوبه فى هذه المصادر الأربعة انتقل إلى التفسير بالرأى المحمود [الذي تتوفر فيه الشروط المطلوبة]. ينظر: مناهل العرفان في علوم القرآن (2/ 12)[لمحمد عبد العظيم الزُّرْقاني ت: 1367 هـ، مطبعة عيسى البابي الحلبي، ط: الثالثة]، الموسوعة القرآنية المتخصصة (1/ 253)[لمجموعة من الأساتذة والعلماء المتخصصين، الناشر: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، مصر، 1423 هـ - 2002 م].

(2)

أي القاضي البيضاوي في تفسيره.

(3)

التأويل: لغة: مأخوذ من الأَوْل أي الرجوع، وعليه يكون معناه اللغوي: إرجاع الكلام إلى ما يحتمله من معان. أو من الإيالة وهي السياسة، وعليه يكون معناه اللغوي: سياسة الكلام ووضعه موضعه المناسب. ينظر: لسان العرب، حرف اللام (11/ 32)، تاج العروس، مادة أول (28/ 32).

اصطلاحا: عند السلف المتقدمين: التأويل عندهم مرادف للتفسير، وبهذا المعنى استعمله الإمام الطبري في تفسيره فكان يقول:(القول في تأويل قوله تعالى كذا وكذا).

أما عند الخلف والعلماء المتأخرين: فهو صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى يحتمله بما لا يخالف نصا من كتاب الله سبحانه ولا سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ينظر: معجم علوم القرآن (1/ 77)[لإبراهيم محمد الجرمي، دار القلم - دمشق، ط: الأولى، 1422 هـ - 2001 م]، الموسوعة القرآنية المتخصصة (1/ 243).

(4)

حاشية الشهاب على البيضاوي (2/ 291 - 292)[الْمُسَمَّاة: عِنَايةُ القَاضِى وكِفَايةُ الرَّاضِى عَلَى تفْسيرِ البَيضَاوي، لشهاب الدين الخفاجي المصري ت: 1069 هـ، دار صادر - بيروت].

ص: 91

أي: من عرفة لا من المزدلفة،

ــ

(أي: من عرفة لا من المزدلفة)(1)" يعني أن {مِنْ حَيْثُ} متعلق بـ {أَفِيضُوا}، و {مِنْ} لابتداء الغاية، و {حَيْثُ} ظرف مكان (2)، و {أَفَاضَ النَّاسُ} جملة فعلية في محل جر بإضافة {حَيْثُ} إليها."(3)(ز)(4).

وفي (ع)(5):

" (لا من المزدلفة) (6) إشارة إلى أن محط الفائدة هو القيد، لا أصل الإفاضة (7)."(8) أهـ

(1) ما بين القوسين في هذا التحقيق هو من كلام الإمام أبي السعود.

(2)

ظرف المكان: له في اصطلاح النحويين عدة تعريفات منها:

ما ضُمِّنَ معنى "في" باطِّراد من اسم مكان، أو اسم عرضت دلالته عليه، أو اسم جار مجراه.

ينظر: أوضح المسالك (2/ 204)، شرح التصريح على التوضيح (1/ 515)[لزين الدين خالد بن عبد الله الأزهري، ت: 905 هـ، دار الكتب العلمية -بيروت-لبنان، ط: الأولى 1421 هـ- 2000 م].

(3)

حاشية زادة على البيضاوي (2/ 492)[لمحي الدين محمد بن مصلح، شيخ زادة ت: 951 هـ، ضبطه محمد عبد القادر شاهين، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، ط: الأولى 1419 هـ - 1999 م].

وينظر: البحر المحيط (2/ 302)، الدر المصون (2/ 335)، إعراب القرآن وبيانه (1/ 297).

(4)

يرمز به إلى: شيخ زادة في حاشيته على البيضاوي، وزادة: هو محمد بن مصطفى القوجوي، محي الدين، المشتهر بشيخ زادة، المتوفي 951 هـ، مفسر من فقهاء الحنفية، كان مدرسا في استانبول، له:(حاشية على تفسير البيضاوي) قيل: إنها من أعظم الحواشي فائدة وأكثرها نفعا وأسهلها عبارة، وله:(شرح الوقاية) في الفقه، و (شرح المفتاح للسكاكي). ينظر: طبقات المفسرين للأدنروي (382).

(5)

يرمز به إلى: الإمام عبد الحكيم في حاشيته على البيضاوي، وعبد الحكيم: هو عبد الحكيم بن شمس الدين الهندي السيالكوتي، المتوفي 1067 هـ، من أهل سيالكوت التابعة للاهور بالهند، له حواشٍ عدة، منها:(حاشية على تفسير البيضاوي) لم يكملها، (حاشية على الجرجاني) و (حاشية على قطب الشمسية) كلتاهما في المنطق، (حاشية على المطول) في البلاغة. ينظر: خلاصة الأثر (2/ 318)، معجم المؤلفين (5/ 95).

(6)

ما بين القوسين في حاشية الإمام عبد الحكيم هو من كلام الإمام البيضاوي.

(7)

أي: أن الفائدة في قوله: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النّاسُ} ليس الأمر بأصل الإفاضة؛ لأنه حاصل بالآية السابقة، وإنما الفائدة في القيد المتعلق بالإفاضة وهو {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النّاسُ} أي: من عرفات.

(8)

مخطوط حاشية السيالكوتي على البيضاوي لوحة (331 / ب)[للإمام عبد الحكيم بن شمس الدين ت: 1067 هـ، نسخة محفوظة بمكتبة جامعة الإمام سعود - المملكة العربية السعودية، برقم: (212 ح / ح - س / 2992 ز)، عدد أوراقها 370 ورقة ناقصة الآخر].

ص: 92

والخطاب لقريش

ــ

(والخطاب لقريش) في (ز): " قال المفسرون: كانت قريش وحلفاؤهم وهم الحمس يقفون بالمزدلفة ويقولون: نحن أهل الله وسكان حرمه، فلا نخرج من الحرم.

ويستعظمون أن يقفوا بعرفات لكونها من الحل، وكانت سائر العرب تقف بعرفات اتباعا لملة إبراهيم، فإذا أفاضوا أفاضوا من عرفات وأفاض الحمس من المزدلفة، فأنزل الله هذه الآية، وأمرهم أن يقفوا بعرفات، ويفيضوا منها كما يفعله سائر الناس (1).

والمراد بـ {النّاسُ} : العرب كلهم غير الحمس (2).

وفي التيسير (3): " كان الواقفون بعرفة يفيضون قبل غروب الشمس، وكان الواقفون بمزدلفة يدفعون إذا طلعت الشمس، فردهم الله بنبيه عليه الصلاة والسلام إلى ملة إبراهيم صلى الله عليه وسلم فوقف بعرفة، وأفاض منها بعد غروب الشمس، ودفع من المزدلفة قبل طلوع

الشمس، فنزل القرآن بالإشارة إلى ذلك:{ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النّاسُ} ، {فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} (4).

والحمس في الأصل جمع: أحمس، وهو: الرجل الشجاع. والأحمس أيضا: الشديد الصلب في الدين والقتال.

وسميت قريش وكنانة وجديلة (5) وقيس (6) حمسا؛ لشدتهم في دينهم، كانوا لا يستفيضون أيام منى، ولا يدخلون البيوت من أبوابها، وكذلك كان من حالفهم، أو تزوج إليهم." "(7) أهـ

(1) ينظر: تفسير الطبري (4/ 184)، تفسير ابن أبي حاتم (2/ 354)، معالم التنزيل (1/ 230)، تفسير القرطبي (2/ 427).

(2)

هذا أيضا أحد الآراء في المراد بالناس، وسيأتي بيان ذلك بالتفصيل.

(3)

يقصد مخطوط: " التيسير في علم التفسير " لعمر بن محمد بن أحمد أبو حفص النسفي، المتوفي: 537 هـ.

(4)

سورة: البقرة، الآية:198.

(5)

جَدِيلَة: هي قبيلة عربية، يُقَال لَهَا: جديلة هوَازن، وهم عدوان وَفهم ابْنا عَمْرو بن قيس بن عيلان بن مُضر، نسبوا وبنوهم إِلَى جديلة أمّهم، وَهِي بنت مر بن أد، آخت تَمِيم بن مر، تزَوجهَا عَمْرو بن قيس فوُلد لَهَا مِنْهُ عدوان وَفهم. ينظر: الإنباه على قبائل الرواة (1/ 69).

(6)

قيس: قبيلة عظيمة تنتسب الى قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. وتشعبت قيس الى ثلاثة بطون: من كعب، وعمرو، وسعد ببنيه الثلاثة. وغلب اسم قيس على سائر العدنانية. ينظر: الإنباه على قبائل الرواة (1/ 64)، نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب (1/ 403) [لشهاب الدين النويري ت: 733 هـ، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، ط: الأولى، 1423 هـ]، معجم قبائل العرب (3/ 972).

(7)

حاشية زادة على البيضاوي (2/ 492 - 493).

ص: 93

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وفي (ع):

" (والخطاب لقريش) ظاهر كلامه أن ضمير {أَفِيضُوا} عبارة عن: قريش، حيث قال (1):(أمروا بأن يساووهم)، ويلزم منه بتر النظم؛ فإن الضمائر السابقة واللاحقة كلها عامة، عبارة عن من فرض الحج في الأشهر (2). (3)

فالصواب ما في الكشف: " أنه خطاب عام، والمقصود منه إبطال ما كان عليه قريش من الوقوف بجَمْع.

والمعنى: ثم أفيضوا أيها الحاج من مكان أفاض جنس الناس منه قديما وحديثا، وهو من عرفة لا من المزدلفة." (4)

ولك أن تحمل عبارة المصنف (5) على ذلك، بأن تقول: مراده أن المقصود من هذا الخطاب قريش؛ لأن هذا الحكم بالنسبة إليهم تأسيس (6)، وبالنسبة إلى غيرهم تقرير (7) على ما كانوا عليه من الوقوف بعرفة." (8)

(1) أي القاضي البيضاوي في تفسيره.

(2)

لقوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} ، [البقرة: 197].

(3)

ينظر: روح المعاني (1/ 485).

(4)

حاشية الكشف على الكشاف، لعمر بن عبد الرحمن (1/ 386).

(5)

المراد بكلمة المصنف في حاشية الإمام عبد الحكيم: هو الإمام البيضاوي في تفسيره.

(6)

التأسيس: هو حمل الكلام على فائدة جديدة. ينظر: القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة (1/ 387)[لد. محمد مصطفى الزحيلي. دار الفكر - دمشق، ط: الأولى، 1427 هـ - 2006 م].

(7)

التقرير: هو إقرار الله بمعنى عدم نزول ما يخالف ذلك، وإقرار الرسول بمعنى أَنْ يَسْكُتَ النَّبِيُّ عليه السلام عَنْ إنْكَارِ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ قِيلَ، أَوْ فُعِلَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ فِي عَصْرِهِ، وَعَلِمَ بِهِ. فَذَلِكَ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ فِعْلِهِ فِي كَوْنِهِ مُبَاحًا، إذْ لَا يُقِرُّ عَلَى بَاطِلٍ. ينظر: البحر المحيط في أصول الفقه (6/ 54)[لبدر الدين الزركشي ت: 794 هـ، دار الكتبي، ط: الأولى، 1414 هـ - 1994 م]، الشرح الكبير لمختصر الأصول (1/ 398)[لأبي المنذر محمود بن محمد المنياوي، المكتبة الشاملة، مصر، ط: الأولى، 1432 هـ - 2011 م].

(8)

مخطوط حاشية السيالكوتي على البيضاوي لوحة (331 / ب).

ص: 94

لما كانوا يقفون بجَمْع وسائر الناس بعرفة، ويرون ذلك ترفعا عليهم، فأمروا بأن يساووهم.

و(ثم) لتفاوت ما بين الإفاضتين كما في قولك: أَحسِنْ إلى الناس

ــ

(لما كانوا يقفون إلخ)" أخرجه (1) البخاري، عن عائشة "(2). السيوطي (3).

(بجَمْع): " بفتح الجيم وسكون الميم: اسم للمزدلفة، سميت بذلك؛ لأن آدم اجتمع فيها مع حواء، وازدلف إليها أي: دنا منها. "(4)(ع)

(ترفعا): " أن يساووهم في الموقف، ويقولون: نحن أهل البيت الحرام، لا نخرج من الحرم"(5)(ع)

(فأمروا أن يساووهم): " ويتركوا الترفع، إيماءً إلى: التعبير عن عرفات بـ {حَيْثُ أَفَاضَ النّاسُ} ". (6)

(وثم لتفاوت إلخ): " جواب ما يقال على هذا التفسير: ما معنى كلمة (ثم) فإنه يستلزم تراخي الشاء عن نفسه، سواء عُطِف على مجموع الشرط والجزاء، أو الجزاء فقط؟ !

(1) الحديث سبق تخريجه صـ: (84) من هذا التحقيق. ونصه: عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: «كَانَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ دَانَ دِينَهَا يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الحُمْسَ، وَكَانَ سَائِرُ العَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلامُ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَأْتِيَ عَرَفَاتٍ، ثُمَّ يَقِفَ بِهَا، ثُمَّ يُفِيضَ مِنْهَا» فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199].

(2)

حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي (2/ 396)[المسماة: نواهد الأبكار وشوارد الأفكار، لجلال الدين السيوطي ت: 911 هـ، جامعة أم القرى - كلية الدعوة وأصول الدين، المملكة العربية السعودية (3 رسائل دكتوراة)، 1424 هـ - 2005 م].

(3)

يقصد به: الإمام جلال الدين السيوطي في حاشيته على تفسير البيضاوي، المسماة: نواهد الأبكار وشوارد الأفكار. والسيوطي هو: هو عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق الدين الخضيري السيوطي، المتوفى: 911 هـ، إمام حافظ مؤرخ أديب، له نحو 600 مصنف، منها: الإتقان في علوم القرآن، تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، تفسير الجلالين، جمع الجوامع (في الحديث)، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، (طبقات المفسرين)، (اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة)، وحاشية على تفسير البيضاوي سماها (نواهد الأبكار وشوارد الأفكار). ينظر: شذرات الذهب (10/ 74)، طبقات المفسرين للأدنروي (1/ 365).

(4)

مخطوط حاشية السيالكوتي على البيضاوي لوحة (331 / ب).

(5)

المرجع السابق.

(6)

المرجع نفسه.

ص: 95

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وتحرير الجواب: أن (ثم) هنا ليس للتراخي، بل مستعار (1) للتفاوت بين الإفاضتين، الإفاضة من عرفات، والإفاضة من مزدلفة، والبُعد بينهما، بأن إحداهما صواب والأُخرى خطأ، كأحسِنْ إلى الناس ثم لا تُحسن إلى غير كريم.

قيل: {ثُمَّ أَفِيضُوا} عطف على مقدر أي: أفيضوا إلى منى، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس.

والمطابقة بين المثال والممثل له: بأن المراد من قوله: ثم لا تحسن إلى غير كريم: أحسن إلى الكريم خاصة.

وبأن قوله: {ثُمَّ أَفِيضُوا} لما أريد به التعريض (2) لقريش كان التقدير: لا تفيضوا من مزدلفة أي: بل من عرفة خاصة.

وبأن كلاً منهما من قبيل عطف الخاص على العام (3)، و (ثم) للتفاوت في الرتبة بين المعطوف وما بقي تحت المعطوف عليه، [بكون](4) أحدهما صوابا والآخر خطأ في الآية (5)، وكون أحدهما حسنا والآخر قبيحا في المثال.

(1) الاستعارة: هي استعمال اللفظ في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة بين المعنى المنقول عنه والمعنى المستعمل فيه، مع قرينة صارفة عن إرادة المعنى الأصلي. ينظر: مفتاح العلوم (1/ 369)[ليوسف بن أبي بكر السكاكي ت: 626 هـ، علق عليه: نعيم زرزور، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط: الثانية، 1407 هـ - 1987 م]، جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع (1/ 258) [لأحمد بن إبراهيم بن مصطفى الهاشمي ت: 1362 هـ، وتدقيق وتوثيق: د. يوسف الصميلي، المكتبة العصرية، بيروت].

(2)

التعريض: هو أن تقول كلاماً لا تُصرّح فيه بمرادكَ، لكنّه قد يشير إليه إشارة خفيّةً. يقال: عرّض لي فلانٌ تعريضاً: أي قال فلم يُبَيِّن بصراحة اللفظ. وأَعْراضُ الكلام: كلامٌ غير ظاهر الدلالة على المراد، ومنه التعريض في خطبة المرأة: وهو أنْ يتكلّم الخاطب بكلام يشبه خطبتها دون تصريح.

ينظر: البلاغة العربية (2/ 152)[لعبد الرحمن بن حسن حَبَنَّكَة الدمشقي ت: 1425 هـ، دار القلم، دمشق، الدار الشامية، بيروت، ط: الأولى، 1416 هـ - 1996 م].

(3)

أي: أن يعطف الشاء الخاص على العام الذي يشمله، وفائدته: التنبيه على فضله، حتى كأنه ليس من جنس العام؛ تنزيلا للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات. نحو:{مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} [البقرة: 98]. ينظر: البرهان (2/ 464)، الإتقان (3/ 240).

(4)

في ب: يكون. والمثبت أعلى هو الصحيح.

(5)

يقصد أن فعل المعطوف صواب، وفعل المعطوف عليه خطأ، وليس المراد أن الخطأ في الآية.

ص: 96

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

ويرد على الوجهين: أن تقدير {أَفِيضُوا} مما لا داعي إليه في تصحيح كلمة (ثم)، مع حملها على المعنى المجازي (1).

وإذا ارتكب ذلك فلم لا تحمل على أنها لمجرد التراخي في الذكر؟ كما في النهر. (2)(3)

وأن قول (ك):

" فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات قال: {ثُمَّ أَفِيضُوا} للتفاوت بين الإفاضتين."(4) ينفي الإضمار؛ إذ لا يبقي لقوله (5)(حين أمرهم بالذكر) دخل.

وقال صاحب الكشف (6): " إن قوله {ثُمَّ أَفِيضُوا} معطوف على {فَاذْكُرُوا} ، ولم يذكر قوله:{مِّنْ عَرَفَاتٍ} تقييدا، بل لمجرد بيان الواقع.

حتى لو ترك ذكره وقال: (فإذا أفضتم فاذكروا الله عند المشعر الحرام ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس) لاستقام النظم.

(1) المعنى المجازي: هو الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح التخاطب لملاحظة علاقة بين المعنى الثاني والمعنى الأول، مع وجود قرينة تمنع إرادة المعنى الأصلي.

ينظر: علوم البلاغة البيان، المعاني، البديع (1/ 248) [لأحمد بن مصطفى المراغي ت: 1371 هـ]، بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة (3/ 459) [لعبد المتعال الصعيدي ت: 1391 هـ، الناشر: مكتبة الآداب، ط: السابعة عشر: 1426 هـ-2005 م].

(2)

يقصد به: كتاب النهر الماد لأبي حيان الأندلسي الغرناطي ت: 745 هـ، وهو كتاب اختصره من تفسيره (البحر المحيط).

(3)

ينظر: النهر الماد (2/ 98)[بهامش تفسير البحر المحيط، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع - ط: الثانية، 1398 هـ - 1978 م].

(4)

تفسير الكشاف (1/ 247).

(5)

أي قول الكشاف في ذات العبارة.

(6)

صاحب الكشف: هو عمر بن عبد الرحمن بن عمر الكناني القزويني الفارسي البهبهائي، سراج الدين، المتوفي: 745 هـ، مات شابا عن 37 أو 38 عاما، له:(حاشية الكشف عن مشكلات الكشاف) في التفسير، وهي حاشية على كشاف الزمخشري. ينظر: شذرات الذهب (8/ 249)، طبقات المفسرين للأدنروي (1/ 380).

ص: 97

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

فكأنه قيل: فإذا أفضتم فأفيضوا مما شرع الله لكم، واذكروه كما أمركم. إلا أنه قَدَّم وأتى بكلمة (ثم) للدلالة على تفاوت ما بين الإفاضتين المستفادتين من تقييد (1) الإفاضة المطلقة المذكورة سابقا بقوله:{مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النّاسُ} فإنه يدل على: لتكن إفاضتكم من عرفات، ولا تكن من المزدلفة.

وإنما دل كلمة (ثم) هنا على التباعد بين الإفاضتين؛ لأن التراخي بين مطلق الشاء ومقيده بحالة، فيرجع التفاوت إلى قسمين.

وهذا المعنى غير ما اعتبره في قوله: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} (2) فإنه لتفضيل المعطوف على المعطوف عليه في المرتبة (3).

وفيما نحن فيه لتمييز أحد القسمين عن الآخر في: كون أحدهما صوابا والآخر خطأ.

والتطبيق بين المثال والممثل له: باعتبار أن في كلٍ منهما كلمة (ثم) للتفاوت بين ما دخلت عليه، [وبين متعلق الجملة الأخرى.

ففي المثال: بين ما دخلت عليه] (4) وهو: الإحسان إلى غير الكريم، وبين الإحسان إلى الكريم، المدلول عليه: بأحسن إلى الناس، مع معاضدة قوله: إلى غير كريم.

(1) إذا كان المطلق: هو المتعري عن الصفة والشرط والاستثناء، نحو:{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المجادلة: 3]، فالمقيد: هو ما فيه أحد هذه الثلاثة، نحو:{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} [النساء: 92].

والقيّد: إما حرف أو كلمة أو جملة أو شبه جملة يحدِّد ويبيِّن المعنى ويزيد فيه شيئًا جديدًا.

ينظر: الكليات - فصل الميم (1/ 848)، معجم اللغة العربية المعاصرة - مادة قيد (3/ 1883).

(2)

سورة: البلد، الآية:17.

(3)

أي: تَرَاخِي المعطوف - الذي هو الْإِيمَانِ - وَتَبَاعُدُهُ فِي الرُّتْبَةِ وَالْفَضِيلَةِ، عَنِ المعطوف عليه - الذي هو الْعِتْقِ وَالصَّدَقَةِ -؛ لِأَنَّ دَرَجَةَ ثَوَابِ الْإِيمَانِ أَعْظَمُ بِكَثِيرٍ مِنْ دَرَجَةِ ثَوَابِ سَائِرِ الْأَعْمَالِ. ينظر: تفسير الكشاف (4/ 757)، مفاتيح الغيب (31/ 171).

وللعلماء آراء أخرى لمعنى (ثم) في هذه الآية منها:

أنها للتَّرْتِيب فِي الْأَخْبَار، أَي: ثمَّ أخْبركُم أَن هَذَا لمن كَانَ مُؤمنا.

وَيجوز أَن تكون بمَعْنى الدوام: ثمَّ دَامَ على الْإِيمَان حَتَّى الْوَفَاةِ.

وَيجوز أَن تكون (ثم) بِمَعْنى الْوَاو الَّتِي بِمَعْنى (مَعَ) أَي: مَعَ ذَلِك كَانَ من الَّذين آمنُوا.

ينظر: تفسير القرطبي (20/ 71)، الكليات (1/ 325).

(4)

ما بين المعقوفتين سقط من ب.

ص: 98

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وفيما نحن فيه: بين الإفاضة من عرفات، وبين الإفاضة من مزدلفة، المدلول عليه بقوله:{فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ} (1) بعد تقييد {أَفِيضُوا} بـ {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النّاسُ} ." (2)

هذا خلاصة كلامه، ولا يخفى ما فيه من التكلف.

أما أولا: فلأن جَعْل كلمة (ثم) للتفاوت والتباعد بين القسمين، مع أنه موضوع للتراخي بين المعطوف والمعطوف عليه، مما لا شاهد له في كلامهم.

وأما ثانيا: فلأن حَمْل {فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ} على الإفاضة مطلقا بعيد.

وأما ثالثا: فلأنه لا دَخْل في استفادة القسمين في المثال والممثل له بالجملة السابقة أصلا؛ فإن تقييد الجملة المدخولة لـ (ثم) بالقيد يفيد انقسام المطلق إلى القسمين المتفاوتين.

والأقرب ما ذكر التفتازاني: " من أن {ثُمَّ أَفِيضُوا} معطوف على {فَإِذَا أَفَضْتُم} .

ولما كان المقصود من قوله: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النّاسُ} المعنى التعريضي، كان معناه: ثم لا تفيضوا من مزدلفة، والمقصود من إيراد كلمة (ثم) التفاوت بين الإفاضتين في الرتبة؛ لأن إحداهما صواب والأخرى خطأ.

والمطابقة بين المثال والممثل له: باعتبار [أن في](3) كلٍ منهما: استعير (ثم) للتفاوت بين المعطوف والمعطوف عليه، لا فرق بينهما إلا باعتبار: أن التقييد بكونه إلى الكريم في المعطوف عليه في المثال حاصل بعد العطف، وفي الآية متحقق قبله.

ولو قيل: أَحْسِن إلى الكريم ثم لا تُحْسِن إلى غير الكريم، لكان أظهر في المطابقة.

والأمر في ذلك بَيِّن.

وما قيل: من أن التفاوت إنما يُعتبَر بين المعطوف عليه والمعطوف، وهو ههنا: عدم الإحسان إلى غير الكريم، وعدم الإفاضة من مزدلفة، لا الإحسان والإفاضة، مدفوع: بأنه قد جرت عادته (4) باعتباره بين المعطوف عليه، وبين ما دخله النفي من المعطوف.

(1) سورة: البقرة، الآية:198.

(2)

ينظر: حاشية الكشف على الكشاف، لعمر بن عبد الرحمن (1/ 383 - 384).

(3)

في ب: في أن، والمثبت أعلى هو الصحيح.

(4)

أي الزمخشري في تفسيره الكشاف.

ص: 99

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

ذَكَر في قوله تعالى: {إِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ (111)} (1) أن (ثم) للدلالة على بُعْد مابين توليتهم الأدبار، وكونهم ينصرون.

وكذا ما قِيل: من أن التفاوت يُفْهَم من: كَوْن أحدهما مأمورا به، والآخر منهيا عنه.

سواء كان العطف بـ (ثم) أو بـ (الفاء) أو بـ (الواو)؛ لأن المراد أن في كلمة (ثم) دلالة على ذلك من حيث كونه في الأصل للتراخي، ولا كذلك الفاء والواو، والأمر والنهي حتى لو عُلِم ذلك، عُلِم بالعقل." (2)

على أَنّا نقول: إن كلمة (ثم) تدل على كونهما كذلك في حد ذاته، مع قطع النظر عن تعلق الأمر والنهي. تأمل. فإن ذلك من معاضل (ك) " (3). (ع)

وفي (ز):

" (وثم لتفاوت إلخ)(4) لما حمل الإفاضة في {ثُمَّ أَفِيضُوا} على الإفاضة من عرفات، توجه سؤال: كيف يصح حينئذ عطف هذه الجملة على جملة (اذكروا الله) جواب {فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ} ، مع استلزامه تأخر الإفاضة من عرفات عن نفسها؟

فأجاب: بأن (ثم) لتفاوت ما بين الإفاضة من عرفات، والإفاضة من المزدلفة، فإن الأولى سُنة (5) قديمة متواترة من زمن إبراهيم عليه السلام، والثانية طريقة مبتدعة (6)، وكل مبتدعة ضلالة، ولا شك في تراخي الضلالة عن الهدى رتبة.

(1) سورة: آل عمران، الآية:111.

(2)

مخطوط حاشية سعد الدين التفتازاني على الكشاف لوحة (131 / ب).

(3)

مخطوط حاشية السيالكوتي على البيضاوي لوحة (331 / ب - 332 / أ، ب - 333 / أ).

(4)

ما بين القوسين في حاشية شيخ زادة هو من كلام الإمام البيضاوي.

(5)

السنة: هي الطريقةُ المستقيمة المحمودة، وهي في الأصل: طريقٌ سنه أَوَائِل النَّاس فَصَارَ مَسلَكاً لمَن بعدَهم. وسَنَّ فلانٌ طَرِيقا من الْخَيْر يَسُنّه: إِذا ابْتَدَأَ أمرا من البِرّ لم يَعرِفه قَومُه، فاستَنُّوا بِهِ وسلَكُوه. ينظر: تهذيب اللغة - باب السين (12/ 210)، القاموس الفقهي - حرف السين (1/ 183).

(6)

المُبْتَدَعَة: هي ما خالف السنّة. وسمُّيت بِذلك؛ لأن قائلها ابتدعها من غير مقال سبقه. وَلِهَذَا قيل: لمن خَالف السّنة: مُبْتَدِع. لِأَنَّهُ أحدث فِي الْإِسْلَام مَا لم يسْبقهُ إِلَيْهِ السَّلَف. ينظر: تهذيب اللغة - باب العين (2/ 143)، شمس العلوم - حرف الباء (1/ 451).

ص: 100

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وبنزول هذه الجملة في شأن قريش، ونهيهم عن مخالفة الناس في الإفاضة، وكون {فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ} في قوة (أفيضوا من عرفات)، وكون {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ} إلخ في قوة (ثم لا تفيضوا من المزدلفة، ولا تخالطوا الناس في إفاضتهم)، ظَهَر وجه الجمع بين قوله:(من عرفة)، وقوله:(لا من المزدلفة).

والأظهر: حَمْل (ثم) على الترتيب في الذكر، لا للتراخي بين المعطوفين في الزمان، ولا لتباعد الرتبة، فإن المأمور بذكر الله، إذا فعل الإفاضة، أُمِر بأن تكون من حيث أفاض الناس، مرتبا الأمر الثاني على الأمر الأول بـ (ثم)." (1) أهـ

وفي السيوطي:

" (وثم لتفاوت إلخ) (2) قال الطيبي (3): " فيه نظر؛ لأن إحدى الإفاضتين وهي الإفاضة من مزدلفة غير مذكورة في التنزيل، فلا يصح العطف عليها.

ثم قال: فالجواب أنه لما كان {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النّاسُ} مرادا به التعريض، فكأنه قيل: أفيضوا من عرفات، ثم لا تفيضوا من مزدلفة، فإنه خطأ." (4) "(5)

(1) حاشية زادة على البيضاوي (2/ 493) بتصرف.

(2)

ما بين القوسين في حاشية الإمام السيوطي هو من كلام الإمام البيضاوي.

(3)

الطيبي: هو الحسين بن محمد بن عبد الله، شرف الدين الطيبي، المتوفي: 743 هـ، من علماء الحديث والتفسير والبيان، كان شديد الرد على المبتدعة، آية في استخراج الدقائق من الكتاب والسنة، له مؤلفات كثيرة منها: حاشية على تفسير الكشاف سماها: (فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب)، و (شرح مشكاة المصابيح) في الحديث، و (التبيان في المعاني والبيان). ينظر: طبقات المفسرين للداودي (1/ 146)، طبقات المفسرين للأدنروي (277).

(4)

حاشية الطيبي على الكشاف باختصار: (2/ 320 - 321)[للحسين بن محمد الطيبي ت: 743 هـ، رسالة ماجستير، كلية القرآن الكريم، الجامعة الإسلامية المدينة المنورة، للباحث: على بن عبد الحميد بن مسلم، تحت إشراف د. حكمت بشير ياسين].

(5)

حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي (2/ 396).

ص: 101

ثم لا تُحسن إلا إلى كريم.

ــ

(ثم لا تُحسن إلا إلى كريم) عبارة أصليه (1): (إلى غير كريم) إلخ.

" قال أبو حيان (2): " ليست الآية كالمثال الذي مثله، وحاصل ما ذكره: أن (ثم) تسلب الترتيب، وأن لها معنى غيره، سماه بالتفاوت والبُعْد لما بعدها عما قبلها، ولم يَجُزْ في الآية ذكر الإفاضة الخطأ، فيكون (ثم) في قوله:{ثُمَّ أَفِيضُوا} جاءت لِبُعْد ما بين الإفاضتين وتفاوتهما، ولا نعلم أحدا سبقه (3) إلى هذا المعنى لـ (ثم)." (4)

وقال الحلبي (5): " هذا (6) تحامل، فإنه يعني بالتفاوت والبُعْد: التراخي الواقع بين الرتبتين، وسيأتي له نظائر. وبمثل هذه الأشياء لا يُرَد كلام مثل هذا الرجل (7). "(8)

(1) يقصد بأصليه: تفسير الكشاف وتفسير البيضاوي.

ينظر: تفسير الكشاف (1/ 247)، تفسير البيضاوي (1/ 131) [المسمى: أنوار التنزيل وأسرار التأويل، لناصر الدين البيضاوي ت: 685 هـ، تحقيق: محمد عبد الرحمن المرعشلي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط: الأولى - 1418 هـ].

(2)

أبو حيان: هو محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الغرناطي الأندلسي، أثير الدين، أبو حيان، المتوفي: 745 هـ، من كبار علماء العربية والتفسير والحديث والتراجم واللغات، له تصانيف عديدة اشتهرت في حياته وقُرئت عليه، منها:(البحر المحيط) في تفسير القرآن، (النهر) اختصر به البحر المحيط، (إتحاف الأريب بما في القرآن من الغريب)، (التذييل والتكميل) في شرح التسهيل لابن مالك في النحو، (مطول الإرتشاف) ومختصره. ينظر: طبقات المفسرين للداودي (2/ 287)، شذرات الذهب (8/ 251)، طبقات المفسرين للأدنروي (278).

(3)

يقصد: الإمام الزمخشري في تفسيره الكشاف.

(4)

البحر المحيط (2/ 302).

(5)

الحلبي: هو أحمد بن يوسف بن عبد الدايم الحلبي، أبو العباس، شهاب الدين، المعروف بالسمين الحلبي، المتوفي: 756 هـ، مفسر عالم بالعربية والقراءات، شافعي المذهب، من كتبه:(تفسير القرآن)، (القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز)، (الدر المصون) في إعراب القرآن، (عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ) في غريب القرآن، (شرح الشاطبية) في القراءات، قال عنه ابن الجزري: لم يُسبق إلى مثله. ينظر: شذرات الذهب (8/ 307)، طبقات المفسرين للأدنروي (287).

(6)

أي الذي ناقشَ الإمامُ أبو حيان به الإمامَ الزمخشري.

(7)

يقصد: الإمام الزمخشري.

(8)

الدر المصون (2/ 335).

ص: 102

وِقيل: من مُزدلفة إلى مِنَى بَعد الإفاضة مِن عرفة إليها، والِخطاب عَام.

ــ

قال السفاقسي (1): " تَجَوَّز بها إلى التراخي المعنوي، لمشابهته للتراخي الزماني؛ لما بينهما من التفاوت، فلم يثبت لها معنى آخر حقيقة. " ". (2)(سيوطي)

(وِقيل): " {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} وهم الحمس، أي: من المزدلفة إلى مِنَى بعد الإفاضة من عرفات. "(3)(ك)

قال السعد:

" (وقيل: [إلخ] (4)) إشارة إلى وجه تكون فيه (ثم) على أصلها، وهو أن يكون المراد بالناس: المعهودين، وهم: الحمس، فيكون أمرا بالإفاضة من المزدلفة إلى مِنَى بعد الإفاضة من عرفات.

وفي قوله: (بعد الإفاضة من عرفات) دون أن يقول: بعد الذكر بالمشعر، إشعار بأنه معطوف على أفيضوا من عرفات، المدلول عليه بقوله:{فَإِذَا أَفَضْتُم} ، لا على {فَاذْكُرُوا اللَّهَ} ، لكنه يحمل على الأخذ بالحاصل محافظة على الظاهر من عطف الأمر على الأمر.

فإن قيل: لا حاجة في هذا المعنى إلى حَمْل الناس على الحمس؛ لجواز أن يراد: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النّاسُ} إليه وهو المزدلفة!

قلنا: الظاهر: {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} من حيث أفاضوا منه، لا من حيث أفاضوا إليه." (5) أهـ

(1) السفاقسي: هو إبراهيم بن محمد بن إبرهيم القيسي السفاقسي، أبو إسحاق، برهان الدين، المتوفي: 742 هـ، فقيه مالكي، أخذ من علماء مصر والشام، وأفتى ودَرَّس سنين، له مصنفات منها:(المجيد في إعراب القرآن المجيد - خ) ويسمى: إعراب القرآن، و (شرح ابن الحاجب) في أصول الفقه.

ينظر: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة (1/ 61)[لأحمد بن حجر العسقلاني ت: 852 هـ، تحقيق: محمد عبد المعيد ضان، الناشر: مجلس دائرة المعارف العثمانية - صيدر اباد/ الهند، ط: الثانية، 1392 هـ/ 1972 م]، طبقات المفسرين للأدنروي (1/ 276).

(2)

حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي (2/ 396 - 397).

(3)

تفسير الكشاف (1/ 247).

(4)

سقط من ب.

(5)

مخطوط حاشية سعد الدين التفتازاني على الكشاف لوحة (132 / ب).

ص: 103

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وكتب (ع) على قول (ق)(1) مثل ما قال المفسر (2):

" فعلى هذا كلمة (ثم) ظاهرة ولم يتعرض (3)؛ لأن المراد بالناس: قريش كما في (ك)، إشارة إلى أنه محمول على ظاهره، أعني: الجنس، إذ العهد (4) تكلف، والمعنى: من حيث أفاض الناس كلهم قديما وحديثا من لدن آدم.

مُرِّض هذا؛ لأنه لا يبقى لقوله: {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النّاسُ} فائدة إلا الإيضاح." (5)

(1) يقصد به: القاضي البيضاوي في تفسيره المسمى: (أنوار التنزيل وأسرار التأويل)، والقاضي البيضاوي هو: عبد الله بن عمر بن محمد بن علي الشيرازي، أبو سعيد، أو أبو الخير، ناصر الدين البيضاوي، المتوفي: 685 هـ، قاضِ مفسر علامة، ولد في فارس في المدينة البيضاء، وولى قضاء شيراز مدة، من تصانيفه:(أنوار التنزيل وأسرار التأويل) يعرف بتفسير البيضاوي، (طوالع النور) في التوحيد، (منهاج الوصول في علم الأصول)، (لب الألباب في علم الإعراب)، (شرح الكافية لابن الحاجب). ينظر: طبقات المفسرين للداودي (1/ 248)، شذرات الذهب (7/ 685)، طبقات المفسرين للأدنروي (1/ 254).

(2)

يقصد به: أبو السعود في تفسيره.

(3)

أي: الكلام صريح ليس فيه تعريض.

(4)

(أل) أداة تعريف التي تدخل على النكرة فتجعلها معرفة، قسمان:

الأول: الجنسية، وهي على ثلاثة أنواع:

إن جاز أن يخلفها (كل) دون تجوز فهي لشمول الأفراد، نحو:{إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: 2].

وإن خلفها بتجوز فهي لشمول الخصائص مبالغة، نحو:" أنت الرجل علما ".

وإن لم يخلفها فهي لبيان الحقيقة نحو: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30].

الثاني: العهدية، وهي على ثلاثة أنواع:

العهد الذكرى، نحو:{كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} [المزَّمل: 15 - 16].

العهد العلمى، نحو:{إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} [التوبة: 40].

العهد الحضوري، نحو:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3].

ينظر: أوضح المسالك (1/ 181)، توضيح المقاصد (1/ 463) [لبدر الدين حسن بن قاسم المرادي ت: 749 هـ، تحقيق: عبد الرحمن علي سليمان، الفكر العربي، ط: الأولى 1428 هـ - 2008 م].

(5)

مخطوط حاشية السيالكوتي على البيضاوي لوحة (333 / أ).

خلاصة المسألة: قوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا} : فِيهِ قَوْلَانِ:

الْأَوَّلُ: الْمُرَادُ بِهِ الْإِفَاضَةُ مِنْ عَرَفَاتٍ. ثُمَّ الْقَائِلُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ اخْتَلَفُوا في المخاطبين بهذه الآية:

فَالْأَكْثَرُونَ مِنْهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَمْرٌ لِقُرَيْشٍ وَحُلَفَائِهَا وَهُمُ الْحُمْسُ، أَمرهُمْ الله بِأَنْ يَقِفُوا فِي عَرَفَاتٍ، وَأَنْ يُفِيضُوا مِنْهَا كَمَا تَفْعَلُهُ سَائِرُ النَّاسِ.

واعترض: بأن كلمة «ثمّ» تستلزم تراخي الشيء عن نفسه (لأن الإفاضة الثانية هي عين الإفاضة الأولى أي: كلاهما من عرفات) سواء عطف على مجموع الشرط والجزاء، أو الجزاء فقط [كما قال صاحب الكشف، لكن رد عليه الإمام عبد الحكيم]. .؟ وأجيب: =

ص: 104

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

=أن كلمة «ثمّ» ليست للتراخي، بل مستعارة للتفاوت بين الإفاضتين- أي: الإفاضة من عرفات والإفاضة من مزدلفة- والبعد بينهما بأنّ أحدهما صواب والآخر خطأ. وعليه الإمام الزمخشري في " الكشاف "(1/ 247).

وورد عليه اعتراضان ذكرهما وأجاب عنهما الإمام السعد في حاشيته.

أن الترتيب في الذكر - للأهمية - لا في الزمان الواقع فيه الإفعال. أي: (ثُمَّ) لِعَطْفِ جُمْلَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ، لَا لِلتَّرْتِيبِ. هو قول الحرالي، نقله عنه: الإمام البقاعي ت: 885 هـ، في " نظم الدرر في تناسب الآي والسور "(3/ 153)[دار الكتاب الإسلامي، القاهرة]، واختاره شيخ زادة في حاشيته.

أن تكون هذه الجملة {ثُمَّ أَفِيضُوا} معطوفة على قوله: {وَاتَّقُونِ يَاأُوْلِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 197]، ففي الكلام تقديم وتأخير. ذكره الإمام الطبري في تفسيره (4/ 190)، والإمام زين الدين الرازي ت: 666 هـ، في " أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب آي التنزيل " (1/ 21) [تحقيق: د. عبد الرحمن بن إبراهيم المطرودى، دار عالم الكتب المملكة العربية السعودية - الرياض، ط: الأولى، 1413 هـ، 1991 م].

وقد ذكر الإمام أبو حيان ذلك القول في " البحر المحيط "(2/ 301) ثم رد عليه قائلا: " لَكِنَّ التَّقْدِيمَ وَالتَّأْخِيرَ هُوَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِالضَّرُورَةِ، وَنُنَزِّهُ الْقُرْآنَ عَنْ حَمْلِهِ عَلَيْهِ."

أن تكون " ثم" بمعنى الواو. لَا تَدُلُّ عَلَى تَرْتِيبٍ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَأَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ، فَهِيَ لِعَطْفِ كَلَامٍ عَلَى كَلَامٍ مُقْتَطَعٍ مِنَ الْأَوَّلِ، وَقَدْ جَوَّزَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أَنْ: ثُمَّ، تَأْتِي بِمَعْنَى الْوَاوِ، فَلَا تَرْتِيبَ. ينظر: معالم التنزيل (1/ 256).

ومنهم من قال: {ثُمَّ أَفِيضُوا} إنه أَمْرٌ عَامٌّ لِكُلِّ النَّاسِ، والْمُرَادُ بـ {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النّاسُ}: إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ عليهما السلام، فَإِنَّ سُنَّتَهُمَا كَانَتِ الْإِفَاضَةَ مِنْ عَرَفَاتٍ.

وقد ذكر الْقَفَّالُ رحمه الله رأيا ثالثا، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ:{مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النّاسُ} : عِبَارَةً عَنْ تَقَادُمِ الْإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَةَ، وَأَنَّهُ هُوَ الْأَمْرُ الْقَدِيمُ وَمَا سِوَاهُ فَهُوَ مُبْتَدَعٌ مُحْدَثٌ، كَمَا يُقَالُ: هَذَا مِمَّا فَعَلَهُ النَّاسُ قَدِيمًا. نقله عنه الإمام الرازي في " مفاتيح الغيب "(5/ 331).

وقد رد عليه الإمام أبو حيان في " البحر المحيط "(2/ 302) حيث قال: " وَقَالَ الْقَفَّالُ: {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النّاسُ}، عِبَارَةٌ عَنْ زَمَانِ الْإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَةَ."

وَلَا حَاجَةَ إِلَى إِخْرَاجِ حَيْثُ عَنْ مَوْضُوعِهَا الْأَصْلِيِّ، وَكَأَنَّهُ رَامَ أَنْ يُغَايِرَ بِذَلِكَ بَيْنَ الْإِفَاضَتَيْنِ، لِأَنَّ الْأُولَى فِي الْمَكَانِ، وَالثَّانِيَةَ فِي الزَّمَانِ، وَلَا تَغَايُرَ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَقْتَضِي الْآخَرَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ، فَهُمَا مُتَلَازِمَانِ. أَعْنِي: مَكَانَ الْإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَاتٍ، وَزَمَانَهَا. فَلَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ جَوَابٌ عن مجيء العطف بـ (ثم)."

الثَّانِي: وَهُوَ اخْتِيَارُ الضَّحَّاكِ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذِهِ: الْإِفَاضَةُ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِلرَّمْيِ وَالنَّحْرِ، وَقَوْلُهُ:{مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النّاسُ} : إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ وَأَتْبَاعُهُمَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَتْ طَرِيقَتُهُمُ الْإِفَاضَةَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ عليه الصلاة والسلام، وَالْعَرَبُ الَّذِينَ كَانُوا وَاقِفِينَ بِالْمُزْدَلِفَةِ كَانُوا يُفِيضُونَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. ذكره الإمام الطبري في تفسيره (4/ 189). وَعَلَى هَذَا تَكُونُ (ثُمَّ) عَلَى بَابِهَا، أَيْ: لِلتَّرْتِيبِ.

وقال الإمام الطاهر بن عاشور ت: 1393 هـ، في " التحرير والتنوير " (2/ 244):" وَلَوْلَا مَا جَاءَ مِنَ الْحَدِيثِ [يقصد حديث عائشة في سبب النزول] لَكَانَ هَذَا التَّفْسِيرُ أَظْهَرَ، لِتَكُونَ الْآيَةُ ذَكَرَتِ الْإِفَاضَتَيْنِ بِالصَّرَاحَةِ، وَلِيُنَاسِبَ قَوْلَهُ بَعْدُ: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ} [البقرة: 200]."[المسمى: تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد، الدار التونسية للنشر - تونس، 1984 هـ].

ص: 105

وقُرِئَ: الناِس بكسر السين أي: الناسي، على أن يراد به آدمُ عليه السلام،

ــ

(بكسر السين)(1): " اكتفى به عن الياء. ووجه (ثم) على هذه القراءة غير مبين.

وكأنه إشارة إلى بُعْد ما بين الإفاضة من عرفات، والمخالفة عنها؛ لأن معنى:{ثُمَّ أَفِيضُوا} ثم لا تخالفوا عنها؛ لكونها شرعا قديما. " (2)(سعد)

وفي (ش):

" بكسر السين مع حذف الياء وإثباتها." أهـ (3)

وفي السيوطي:

" بكسر السين وحذف الياء كالقاضي والهادي، وقرئ أيضا بإثباتها."(4)

(1) قرأ سعيد بن جبير: (الناسِي) بالياء، وفيها تأويلان،

أحدهما: أنه يُراد به آدمُ عليه السلام، وأيَّدوه بقوله:{وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه: 115].

والثاني: أن يُراد به التاركُ للوقوف بمزدلفة، وهم جَمْعُ الناس، فيكون المرادُ بالناسي جنسَ الناسين.

وعن سعيد بن جبير أيضا أنه قرأ: (الناسِ) بكسر السين من غير ياء، وقد ذكر هذا عنه: أبو العباس المهدوي. وهي قراءة شاذة.

قال الإمام ابن عطية في " المحرر الوجيز "(1/ 276): " ويجوزُ عند بعضِهم حذفُ الياءِ، فيقول: الناسِ كالقاضِ والهادِ، قال [أي الإمام ابن عطية]: أمّا جوازُه في العربية فذكره سيبويه، وأمّا جوازُه قراءَةً فلا أحفظه."

قال الإمام أبو حيان في " البحر المحيط "(2/ 304) تعقيبا على قول الإمام ابن عطية «أَمَّا جَوَازُهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ فَذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ» : " ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَطِيَّةَ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ مُطْلَقًا، ولم يُجِزْه سيبويه إلا في الشعر، وأجازه الفراء في الكلامِ، وأمّا قوله: «وَأَمَّا جوازه مقروءا به لم أحفظْه» فَكَوْنُهُ لَا يَحْفَظُهُ قَدْ حَفِظَهُ غَيْرُهُ. "

ينظر: معاني القرآن (1/ 141)[لأبي جعفر النحاس ت: 338 هـ، تحقيق: محمد علي الصابوني، الناشر: جامعة أم القرى - مكة المكرمة، ط: الأولى، 1409 م]، المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات (1/ 119) [لأبي الفتح عثمان بن جني ت: 392 هـ، الناشر: وزارة الأوقاف-المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، ط: 1420 هـ- 1999 م]، مفاتيح الغيب (5/ 332)، التبيان في إعراب القرآن (1/ 164) [لأبي البقاء العكبري ت: 616 هـ، تحقيق: علي محمد البجاوي، عيسى البابي الحلبي]، تفسير القرطبي (2/ 428)، الدر المصون (2/ 335).

(2)

مخطوط حاشية سعد الدين التفتازاني على الكشاف لوحة (132 / ب).

(3)

حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي (2/ 292).

(4)

حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي (2/ 397).

ص: 106