الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ}
أي: في الدارين.
{بِغَيْرِ حِسَابٍ} :
بغير تقدير.
ــ
كتب السعد:
" واللام في (لحالهم)؛ للتقوية (1)، كما في: " لضارب لزيد"."(2) أهـ
وفي (ز):
" (لأنهم في عليين) على كون (فوق) ظرف مكان حقيقة.
وما بعده على كونه كذلك مجازا، إما بالنسبة إلى نعيم المؤمنين في الآخرة ونعيم الكافرين في الدنيا، وإما باعتبار أن سخرية المؤمنين لهم في الآخرة فوق سخرية الكفار بهم في الدنيا." (3) أهـ
ومن ذلك يدرك حل المفسر.
(أي: في الدارين): " قَدَّرَه؛ ليكون تذييلا لكلا الحكمين.
أعني: سخرية الكفار في الدنيا، وعلو المؤمنين عليهم في الآخرة." (4)(ع)
(بغير تقدير (5)) قال (ش):
" بلا تضييق، وهو بمعنى: التقتير، وهو المتبادر منه.
وقيل: المراد أنه لا يسألهم عليه؛ لأنهم يكسبونه حلا وينفقونه طيبا، كما قيل: من حاسب نفسه في الدنيا أمن الحساب يوم القيامة." (6) أهـ
(1) لام التقوية: هِي المزيدة لتقوية عَامل ضَعُفَ، إِمَّا بِتَأْخِيرِهِ نَحْو:{إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ} [يوسف: 43]، أَو بِكَوْنِهِ فرعا فِي الْعَمَل نَحْو:{فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [البروج: 16].
ينظر: أوضح المسالك (3/ 28)، الكليات (1/ 782).
(2)
مخطوط حاشية سعد الدين التفتازاني على الكشاف لوحة (134 / ب).
(3)
حاشية زادة على البيضاوي (2/ 509).
(4)
مخطوط حاشية السيالكوتي على البيضاوي لوحة (341 / ب).
(5)
التقدير هنا: من قولك: قَدَرْتُ عليه الشيء: أي ضيّقته، كأنما جعلته بقدر، بخلاف ما وصف بغير حساب، قال تعالى:{وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} [الطلاق: 7] أي: ضيّق عليه، وقال تعالى:{يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} [الروم: 37]، وقَدَرَ عَلَى عِيَالِهِ بِالتَّخْفِيفِ مِثْلُ قَتَرَ. ينظر: مادة (قدر) في: المفردات (1/ 659)، مختار الصحاح (1/ 248).
(6)
حاشية الشهاب على البيضاوي (2/ 297).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفي (ز):
" (بغير تقدير)؛ لأنه لا يخاف نفاد ما عنده حتى يحتاج إلى حساب ما يعطي؛ لئلا ينفد ما عنده، إنما يحاسب؛ ليعلم قدر ما يعطي؛ لئلا يتجاوز في العطاء فينفد أو يخف ما عنده، والله غني لا نهاية لمقدوراته."(1) أهـ
(1) حاشية زادة على البيضاوي (2/ 510).
وينظر: تفسير الطبري (4/ 274)، الكشف والبيان (2/ 132)، معالم التنزيل (1/ 271)، البحر المحيط (2/ 355)، غرائب القرآن (1/ 586).
وقال الإمام الرازي في " مفاتيح الغيب "(6/ 370 - 371) ما ملخصه: " قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ: مَا يُعْطِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الثَّوَابِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا يُعْطِي فِي الدُّنْيَا أَصْنَافَ عَبِيدِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ.
فَإِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى رِزْقِ الْآخِرَةِ احْتَمَلَ وُجُوهًا [منها]:
أَنَّهُ يَرْزُقُ الْمُؤْمِنُينَ فِي الْآخِرَةِ رِزْقًا وَاسِعًا رَغْدًا لَا فَنَاءَ لَهُ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ: فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ [غَافِرٍ: 40] أي: لَا يَكُونُ مُتَنَاهِيًا.
أو أَنَّ الْمَنَافِعَ الْوَاصِلَةَ إِلَيْهِمْ فِي الْجَنَّةِ بَعْضُهَا ثَوَابٌ وَبَعْضُهَا تَفَضُّلٌ، كَمَا قَالَ: فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [النِّسَاءِ: 173]، فَالْفَضْلُ مِنْهُ بِلَا حِسَابٍ.
أو أَنَّهُ لَا يَخَافُ نَفَادَهَا عِنْدَهُ، فَيَحْتَاجُ إِلَى حِسَابِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ.
أو أَنَّ الَّذِي يُعْطَى لَا نِسْبَةَ لَهُ إِلَى مَا فِي الْخِزَانَةِ.
أو أنه بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، يُقَالُ: لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ حِسَابٌ إِذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ أَحَدٌ شَيْئًا.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْوُجُوهَ كُلَّهَا مُحْتَمَلَةٌ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ كُلَّهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا إِذَا حَمَلْنَا الْآيَةَ عَلَى مَا يُعْطِي فِي الدُّنْيَا أَصْنَافَ عِبَادِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ فَفِيهِ وُجُوهٌ [منها]:
وَهُوَ أَلْيَقُ بِنَظْمِ الْآيَةِ، أَنَّ الْكُفَّارَ إِنَّمَا كَانُوا يَسْخَرُونَ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَدِلُّونَ بِحُصُولِ السَّعَادَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ لهم عَلَى أَنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ، وَبحرمان فُقَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ مِنْها عَلَى أَنَّهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ، فأَبْطَلَ الله ذلك؛ حيث إنَّهُ يُعْطِي فِي الدُّنْيَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُنْبِئًا عَنْ كَوْنِ الْمُعْطَى مُحْسِنًا أَوْ مُسِيئًا، وَذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْضِ الْمَشِيئَةِ، فَقَدْ وَسَّعَ الدُّنْيَا عَلَى قَارُونَ، وَضَيَّقَهَا عَلَى أَيُّوبَ عليه السلام، بَلِ الْكَافِرُ قَدْ يُوَسَّعُ عَلَيْهِ زِيَادَةً فِي الِاسْتِدْرَاجِ، وَالْمُؤْمِنُ قَدْ يُضَيَّقُ عَلَيْهِ زِيَادَةً فِي الِابْتِلَاءِ وَالِامْتِحَانِ.
أَيْ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، قَالَ الْقَفَّالُ رحمه الله: وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِالمؤمنين فَأَغْنَاهُمْ بِمَا أَفَاءَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْوَالِ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ وَرُؤَسَاءِ الْيَهُودِ، وَبِمَا فَتَحَ عَلَيهم حَتَّى مَلَكُوا كُنُوزَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ."
فيوسِّعُ
ــ
(يوسع إلخ) في (ك):
" يعني أنه يوسع على من توجب الحكمة التوسعة عليه، كما وسع على قارون (1) وغيره، فهذه التوسعة عليهم من جهة الله لما فيها من الحكمة، وهي استدراجهم (2) بالنعمة.
ولو كانت كرامة لكان أولياؤه المؤمنون أحق بها منكم." (3) أهـ
قال السعد:
" (على من توجب الحكمة) إشارة إلى أنه لا يشاء إلا ما يجب في الحكمة. (4)
(1) قارون: هو قَارُونُ بْنُ يَصْهَرَ بْنِ قَاهِثَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ بْنِ قَاهِثَ، وَقِيلَ: كَانَ عَمَّ مُوسَى، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَكَانَ عَظِيمَ الْمَالِ كَثِيرَ الْكُنُوزِ. قِيلَ: إِنَّ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِهِ كَانَتْ تُحْمَلُ عَلَى أَرْبَعِينَ بَغْلًا، فَبَغَى عَلَى قَوْمِهِ بِكَثْرَةِ مَالِهِ، فَوَعَظُوهُ، وَنَهَوْهُ، فَلَمْ يَرْجِعْ عَنْ غَيِّهِ، فخسف الله به وبداره الأرض، وقد قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى خبره فِي سورة القصص الآيات (76 - 82).
…
ينظر: تاريخ الرسل والملوك (1/ 443)[لمحمد بن جرير الطبري ت: 310 هـ، دار التراث - بيروت، ط: الثانية - 1387 هـ]، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (1/ 365)، الكامل في التاريخ (1/ 177) [لعز الدين ابن الأثير ت: 630 هـ، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، ط: الأولى، 1417 هـ / 1997 م].
(2)
الاستدراج: هُوَ أَن يُعْطي الله العَبْد كل مَا يُريدهُ فِي الدُّنْيَا ويملي له؛ لِيَزْدَادَ غيه وعناده، وييسر له الأمور فيظن أنه في غاية المأمن، حتى إذا أخذه لم يفلته .. والآيات الدالة على الاستدراج كثيرة منها:{وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 182]، {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ} [الأنعام: 44].
والاستدراج أيضا: هو ما قابل الكرامة، فالأمر الخارق للعادة إذا ظهر على يد مدعي النبوة فهو معجزة، وإذا ظهر على يد وليّ صالح فهو كرامة، وإذا ظهر على يد فاسق فهو استدراج كتحويل التراب ذهبا لقارون.
ينظر: الكليات (1/ 113)، لوامع الأنوار البهية (2/ 396)، مختصر التحفة الاثنى عشرية (1/ 88)[لشاه عبد العزيز الدهلوي، تحقيق: محب الدين الخطيب، المطبعة السلفية، القاهرة، ط: 1373 هـ].
(3)
تفسير الكشاف (1/ 255).
وينظر: مفاتيح الغيب (6/ 371)، مدارك التنزيل (1/ 177).
(4)
هذه إشارة تعود إلى مسألة اختلفت فيها أقوال الناس، وهي مسألة " الحكمة والتعليل في أفعال الله ومأموراته " والمشهور فيها ثلاثة أقوال:
الأول: هو قول المعتزلة ومن وافقهم حيث إنهم يقولون: إن هذا العالم إنما خلق لحكمة وعلة، وهي حكمة وعلة تعود إلى المخلوق، وهذه الحكمة هي نفع الخلق والإحسان إليهم، هكذا قال المعتزلة، وأحسنوا بإثبات الحكمة، وأخطأوا خطأ كبيراً بتحديد الحكمة، وأنها تعود إلى المخلوق، وأنها النفع والإحسان إليه، وبناءً على هذا القول انحرفوا في نواح كثيرة من مسائل القدر؛ حيث زعموا أن الله ما دام خلق الخلق لينفعهم فإنه يجب عليه أن يفعل بهم كل ما يوصلهم إلى هذه الغاية، فقالوا: بوجوب الصلاح والأصلح على الله عزوجل.
وهذا القول من المعتزلة في الحكمة والتعليل وما أداهم إليه من الأقوال المخالفة لصريح الشرع هو الذي جعل الأشاعرة ومن تابعهم ينفون الحكمة عن الله عزوجل، فهم أصحاب القول الثاني. فهم يقولون: إن الله لم=
في الدنيا استدراجاً تارةً، وابتلاءً أخرى.
ــ
والتوسعة على الكفار ليست كرامة، بل استدراجا بالنعمة، أي: ترقية وإعلاء من درجة إلى درجة (1)؛ لتكون [النقمة](2) عليهم أشد وأفظع." (3) أهـ
ولم يقل في (ك): (في الدارين) فتكون الجملة تذييلا لسخرية الكفار فقط.
(في الدنيا استدراجا تارة كما في حق الكفار، وابتلاء أخرى): " هل يشكرون عليها أم لا؟ كما في حق المؤمنين.
وفيه إشارة: إلى أنه في الآية رمز إلى وعد المؤمنين بالتوسعة في الدنيا أيضا.
ثم اعلم أن قوله: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ} إلخ جملة معلِلة لما سبق من أحوال الكفار من المنافقين وأهل الكتاب.
يعني: أن جميع ما ذكر من صفاتهم الذميمة؛ لأجل تهالكهم في محبة الدنيا، وإعراضهم عن غيرها. (4)
وذكر التزيين بصيغة الماضي؛ لكونه مفروغا منه مركوزا في طبيعتهم.
وعطف عليه بالفعل المضارع، أعني:{وَيَسْخَرُونَ} ؛ لإفادة الاستمرار.
وعطف عليه: {وَالَّذِينَ اتَّقَوْا} إلخ؛ تسلية للمؤمنين." (5)(ع)
=يخلق هذا العالم لغاية، ولم يخلق شيئا لشيء، وأوامره لا لعلة ولا لداع ولا باعث، بل فعل ذلك لمحض المشيئة والإرادة، وهذا قول الأشعري وأصحابه.
القول الثالث: وهو قول أهل السنة الذين هم وسط في الأقوال فقالوا: بأن الله موصوف بأنه حكيم، فكل ما يصدر عنه - جل وعلا - إنما يصدر عن حكمة بالغة، سواء في ذلك فعله أو أمره، وأن هذه الحكمة ترجع إليه جل وعلا، فهي صفة من صفات ذاته، كما أقروا أن الخلق خلق لغاية، ولم يخلق سدى ولا عبثاً وهذه الغاية هي عبادته، وأقروا بعموم قدرة الله على كل شيء، ومشيئته النافذة في كل شيء، وأنه الخالق لكل شيء، ولم يوجبوا عليه إلا ما أوجبه هو - جل وعلا - على نفسه. وهذا هو الرأي الصحيح، قال تعالى:{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115]، {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ} [الدخان: 38 - 39]، والأدلة العقلية على ذلك كثيرة.
ينظر: الانتصار في الرد على المعتزلة (2/ 459)، شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (186/ 206) [لابن قيم الجوزية ت: 751 هـ، دار المعرفة، بيروت، ط: 1398 هـ/1978 م]، لوامع الأنوار البهية (1/ 280).
(1)
ينظر: المفردات - مادة درج (1/ 113)، المعجم الوسيط - باب الدال (1/ 277)، معجم اللغة العربية المعاصرة - مادة درج (1/ 734).
(2)
في ب: النعمة. والمثبت أعلى هو الصحيح.
(3)
مخطوط حاشية سعد الدين التفتازاني على الكشاف لوحة (134 / ب).
(4)
ينظر: مفاتيح الغيب (6/ 367)، البحر المحيط (2/ 353)، غرائب القرآن (1/ 583).
(5)
مخطوط حاشية السيالكوتي على البيضاوي لوحة (341 / ب - 342 / أ).