الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وحرام يُعْمَل بها، وليس فيها شيءٌ لا يُعمَلُ به إلا آيةُ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ} (1).
وإنما كانت سورة المائدةِ محكمةً؛ لأنها آخِرُ سورةٍ نزلت كاملة؛ كما قال أحمد: "إنَّ أوَّل شيءٍ نزَلَ مِن القرآن: (اقرأ)، وآخر شيءٍ نزَلَ من القرآن: المائدةُ"(2).
* * *
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1)} [المائدة: 1].
الخطابُ في الآيةِ للمؤمِنينَ؛ ولذا قال ابنُ مسعودٍ: "إذا سمِعتَ اللهَ يقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}، فأَرْعِها سَمْعَك؛ فإنَّما هو خيرٌ يأمُرُ به، أو شرٌّ يَنهَى عنه"(3).
أنواع العقود والعهود:
وأولُ أمرٍ بدَأ به هو الوفاءُ بالعقود، وهي العهودُ والمواثيقُ التي تكونُ بينَ الناسِ أفرادًا وجماعاتٍ ودُوَلًا؛ فالعقودُ هي العهود، والمرادُ بالعهودِ في الآيةِ نوعان، وكلُّها خصَّها اللهُ بالذِّكْرِ في كتابِه:
الأول: العهود التي أخَذَها اللهُ على الناسِ في كتابِهِ مِن أوامِرَ ونَوَاهٍ وتشريعاتٍ، وسُمِّيَت عهودًا وعقودًا باعتبارِ الميثاقِ الأولِ الذي أخَذَهُ اللهُ عليهم بعدَما أخرَجَهُم منِ ظَهْرِ أبيهِم آدمَ، فَقَرَّرَهم بربوبيَّتِهِ وحقِّه، وأشهَدَهُمْ على ذلك، وكذلك باعتبارِ الخَلْقِ، فالخلقُ في طوعِ الخالقِ؛
(1)"بدائع الفوائد"(3/ 99).
(2)
"طبقات الحنابلة"(1/ 58).
(3)
"تفسير ابن أبي حاتم"(1/ 196).
لأنَّه يَملِكُهم وما يَمْلِكونَ، فيجبُ إن أمَرَهُم أن يأتَمِرُوا، وإنْ نَهَاهُم أن يَنتَهُوا، ولو لم يُعَاهِدْهُمُ ابتداءً على كلِّ أمرٍ ونهيٍ بخصوصِه، فبمجرَّدِ الأمرِ والنهي يجبُ عليهم الوفاءُ؛ وذلك أن مالكَ الشيء يَملِكُ ما دونَهُ؛ فإنَّ السيِّدَ يَملِكُ عَبدَهُ وأمَتَه، ومِن مُقتضى مِلْكِهِ طاعتُهُمْ له عندَ الأمرِ أو النهي.
وأولُ العهودِ والعقودِ التي يجبُ الوفاءُ بها: توحيدًا للهِ وعدمُ الإشراكِ معه في عبادتِهِ شيئًا، وهو العهدُ الذي أخَذَهُ على جميع الأُمَمِ؛ كما في قولِهِ تعالى:{أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60)} [يس: 60]، وقولِهِ في البقرةِ والرعدِ:{الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} [البقرة: 27]، {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} [الرعد: 25]، ومَدَحَ المُؤمنِينَ بعهدهِ:{الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20)} [الرعد: 20].
ويدخُل في ذلك: امتثالُ كلِّ أمرٍ واجتابُ كلِّ نهيٍ، ولو أنشأهُ الإنسانُ على نفسِه كالوفاءِ بالنَّذْرِ واليمينِ؛ لأنَّ كلَّ ذلك عقدٌ بينَ العبدِ وربِّه.
وهذا النوعُ هو المقصودُ الأوَّلُ بالخطابِ في الآية، والنوعُ الثاني التالي داخِلٌ فيه تَبَعًا؛ لأنَّ مُقتضى حقِّ اللهِ: العدلُ مع خَلْقِه، وعدَمُ ظُلْمِهم؛ كما روى عليُّ بن أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قوله، {أوْفُوا بِالْعُقُودِ}؛ يعني: "ما أَحَلَّ وما حَرَّمَ، وما فرَضَ، وما حَدَّ في القرآنِ كلِّه؛ فلا تَغدِرُوا ولا تَنكُثُوا، ثمَّ شدَّدَ ذلك، فقال:{الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} [البقرة: 27]، إلى قولِهِ:{سُوءُ الدَّارِ} [الرعد: 25](1).
(1)"تفسير الطبري"(8/ 9).