الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في السُّنَّةِ شروطٌ في إقامةِ حدِّ القطع، وإنِ اختلَفَ كلامُ السلفِ والعلماءِ في تقدير بعضِها، إلَّا أنَّهم يُقِرُّونَ بأصلِها؛ فقد اتَّفَقَ الأئمَّةُ الأربعةُ على النِّصَابِ واختلَفُوا في تقديرِه، واتَّفَقُوا على الحِرْزِ واختلَفُوا في وَصْفِه.
شرطُ النصابِ:
فأمَّا شرطُ النِّصاب، فاختلَفُوا في تقديرِه على أقوالٍ:
الأولُ: أنه ثلاثةُ دراهمَ مضروبةٍ خالصةٍ، وهذا قولُ مالكٍ؛ أخذًا بما ثبَتَ؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَطَعَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ؛ رواه الشيخان (1).
وهو عملُ عثمانَ؛ حيثُ قَطَعَ في أُتْرُجَّةٍ لمَّا قيَّمَ ثَمَنَها فرآهُ قد بلَغَ ثلاثةَ دراهمَ (2)؛ قال مالكٌ: "وهو أحَبُّ ما سمِعتُ إليَّ في ذلك"(3)، ومرادُ مالكٍ في عملِ الخلفاء، لا عمومُ ما ورَدَ؛ فحديثُ ابنِ عمرَ أحَبُّ وأعظَمُ، وقد رَوَى مالكٌ حديثَ ابنِ عمرَ (4) وفِعْلَ عثمانَ في "مُوطَّئِه"؛ وهي صحيحةٌ.
الثاني: أنه عشَرةُ دراهمَ؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ وصاحبَيْهِ والثوريِّ؛ واحتجُّوا بما رواهُ ابنُ أبي شَيْبَةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ، وعمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه؛ أنَّ ثمَنَ المِجَنَّ عشَرةُ دراهمَ في زمنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم (5)، وقد تفرَّدَ به محمدُ بن إسحاقَ، وخالَفَ الثِّقات، وحديثُهُ مُنكَرٌ.
الثالثُ: أنه رُبُعُ دِينارٍ؛ وهو قولُ الشافعيّ، وحُجَّةُ الشافعيِّ ما
(1) أخرجه البخاري (6795)(8/ 161)، ومسلم (1686)(3/ 1313).
(2)
أخرجه مالك في "الموطأ"(عبد الباقي)(23)(2/ 832)، وابن أبي شيبة في "مصنفه"(28096)(5/ 475)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(8/ 260).
(3)
"موطأ مالك"(عبد الباقي)(2/ 833).
(4)
أخرجه مالك في "الموطأ"(عبد الباقي)(21)(2/ 831).
(5)
أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(28104) و (28105)(5/ 476).
ثبَتَ؛ مِن حديثِ عائشة؛ قالتْ: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (تُقْطَعُ اليَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا)؛ رواه الشيخان (1).
وقولُه فيه: "فَصَاعِدًا" دليلٌ على أنه لا يُقطَعُ في أدنى من الرُّبُع، وأصرَحُ مِن ذلك: روايةُ مسلمٍ؛ ففيها النهيُ عن القطع فيما هو أقلُّ، قال صلى الله عليه وسلم:(لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا في رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا)(2).
وحديثُ قطعِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في المِجَنِّ، وقطعِ عثمانَ في الأُتْرُجَّة، وأنَّها ثلاثةُ دراهمَ، لا تُعارِضُ حديثَ عائشةَ هذا؛ وذلك أنَّ صَرْفَ الدراهمِ بالدنانيرِ يتفاوَتُ بحسَبِ الحالِ والزمان، واليُسْرِ والعُسْرِ، ولكنَّه يقرُبُ مِن ثلاثةِ دراهمَ، وقد جاء صريحًا في قطع عثمانَ في الأُتْرُجَّةِ حيثُ قوَّمَها فوجَدَها تُساوي ثلاثةَ دراهمَ مِن صَرْفِ اثنَيْ عشَرَ دِرْهَمًا بدينارٍ.
وقولُ مالكٍ والشافعيِّ مُتقارِبانِ.
الرابعُ: جعَلَ أحمدُ العملَ بحديثِ ربعِ الدِّينارِ وثلاثةِ الدراهمِ جميعًا، وأنَّ كلَّ واحدٍ منهما نِصابٌ؛ فإنْ كان المسروقُ فِضَّةً، فيُقطَعُ في ثلاثةِ دراهمَ، وإن كان ذهبًا، ففي ربعِ دينارٍ؛ وهذا القولُ الرابعُ في المسألةِ قال به إسحاقُ وغيرُه.
والأظهَرُ -والله أعلَمُ- الاعتبارُ بحديثِ ربع الدِّينارِ عندَ الاختلافِ؛ لأنَّ القطعَ بثلاثةِ دراهمَ لمساواةِ الدراهمِ الثلاثةِ لرُبُعِ دينارٍ، كما جاء في فِعْل عثمانَ، ولو زادَتِ الدراهمُ على الدنانير في الصَّرْفِ وهو نادرٌ، فلا يُقطَعُ في أقلَّ مِن ربع دينارٍ ولو كان ثلاثةَ دراهمَ؛ لصراحةِ الحديثِ في "الصحيح": (لا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلا في رُبُع دينار
(1) أخرجه البخاري (6789)(8/ 160)، ومسلم (1684)(3/ 1312).
(2)
أخرجه مسلم (1684)(3/ 1312).