الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بعدَما ذكَرَ اللهُ قصةَ ابنَيْ آدمَ، وأنَّ عُدْوانَ الفردِ إنْ نعدَّى، اتَّخَذَهُ الناسُ حِرَابةً فمِن قتلِ الفردِ إلى قتلِ الجماعة، جعَلَ حدودًا للفساد، وذلك ببيانِ عاقبةِ القاتلِ والمحارِبِ في الآخِرةِ وبيانِ حَدِّهِ في الدُّنيا، وفي ترتيب الآيةِ بعدَ الآياتِ السابقةِ: أنَّ اللهَ حَدَّ الحدودَ وشرَعَ العقوبات بسببِ مخالَفةِ بني آدمَ، ولولا فسادُهم ومخالفتُهم، ما كلَّفَهم ذلك، فقد ذكَر اللهُ بدايةَ فتنةَ القتلِ وخطورتَهُ ووقوعَه، ثم بيَّنَ عِقابَهُ وحَدَّهُ لرَدْعِه.
الحِرَابةُ ومعناها ونزولُ حُكْمِها:
والمُحارَبةُ مِن المُفاعَلةِ، وتكونُ مِن طرَفَيْنِ كالمُقاتَلةِ، وكأنَّ المحارِبَ يَستعدِي غيرَهُ ليفعَلَ مِثلَه، فيَقتتِلَ الطرَفانِ؛ فتُزهَقَ الأرواحُ وتفسُدَ الأموالُ، ويَحْمِلُ إثمَ الطرَفَيْنِ مَن تسبَّبَ في ذلك، وهو أوَّلُهم.
ولا يَلزَمُ مِن المُحارَبةِ القتلُ؛ وإنَّما أخذُ الأموالِ وسَلْبُها وتخويفُ السائِرِينَ مِن الحِرابةِ؛ ولذا قال: {وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا} .
وجاء الخبرُ: أنَّ هذه الآيةَ نزَلتْ في أهلِ الكتابِ، وجاء الخبرُ: أنَّها نزَلتْ في المُحارِبِينَ ممَّن ارتَدَّ من المُسلِمينَ، فقطَعَ الطريقَ وأخافَ الآمِنينَ، وجاء الخبرُ: أنَّها في كلِّ مُحارِب قاطعٍ للطريقِ مُسلِمًا مبتدِعًا أو كافِرًا.
ونزولُها فيمَن ارتَدَّ مِن المُسلِمينَ وقطَعَ الطريقَ وأخافَ الآمِنَ أصحُّ وأشهُر.
فأمَّا نزولها في أهلِ الكتاب، فقد صحَّ عن ابنِ عبَّاسِ أنَّ هذه الآيةَ نزَلتْ في أهلِ كتابٍ عاهَدُوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم، ونقَضُوا عهدَهُ وأفسَدُوا في الأرضِ؛ فخيَّرَ الله رسولَهُ صلى الله عليه وسلم: إنْ شاء أن يقتُلَ، وإن شاء أن يقطَعَ أيديَهم وأرجُلَهم مِن خلافٍ؛ رواهُ ابنُ جريرٍ، عن عليٍّ، عن ابنِ عبَّاسٍ (1).
ورُوِيَ هذا عن الضحَّاكِ وغيرِه (2).
ورَوَى عِكْرِمةُ، عن ابنِ عبَّاس، أنَّها نزَلت في المُشرِكينَ؛ كما رواهُ عنه أبو داودَ والنسائي (3).
وأمَّا نزولُها في الحَرُورِيَّةِ وكلِّ مُبتدِعٍ مِن المُسلِمينَ حارَبَ المؤمِنينَ، فقد جاء عن سعدِ بنِ أبي وقاصٍ، فقد رَوَى مُصعبُ بن سعدٍ، عن أبيه، أنَّ الآيةَ نزَلتْ في الحَرُورِيَّةِ؛ رواهُ ابنُ مرْدَوَيْهِ (4)، ومرادُ سعدٍ: أنَّ الحَروريَّةَ دخَلُوا في هذا الحُكْم، ولم يكنْ يُطلَقُ على أحدٍ حَروريَّةٌ زمن النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
وحمَلَ هذه الآيةَ على المُحارِبِ المُسلِمِ الجمهورُ، وهو قولُ أبي حنيفةَ ومالكٍ والشافعيّ، وسببُ النزولِ في المُرتدِّ لا يعني عدمَ دخولِ المسلِمِ المُذْنِبِ فيها.
وأمَّا نزولُها فيمَنِ ارتَدَّ وقطَعَ السبيلَ، فهذا الأشهَرُ والأصحُّ؛ وقد أخرَجَ الحديثَ الشيخانِ وأصحابُ الأصول، عن أنس بن مالكٍ؛ أنَّ نَفَرًا مِن عُكْلٍ ثَمَانِيَةً، قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَبَايَعُوهُ عَلَى الإِسْلَام، فَاسْتَوْخَمُوا الأَرْضَ، وَسَقِمَتْ أَجْسَامُهُمْ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم،
(1)"تفسير الطبري"(8/ 360).
(2)
المرجع السابق.
(3)
أخرجه أبو داود (4372)(4/ 132)، والنسائي (4046)(7/ 101).
(4)
"تفسير ابن كثير"(3/ 95).