الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المشرِكِينَ ولو كانوا كثيرًا؛ فقولُه تعالى: {إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا} ؛ يعني: تقارَبْتُم وتدانَيْتُم، وإذا كَثُرَ الجيشُ يَراهُم البعيدُ كالذين يزحَفونَ على الأرضِ؛ إذْ لا تُرى أسافلُ أبدانِهم، لتلاصقِهم، وإنَّما تُرى رؤوسُهم وصدورُهم كالزاحِفِينَ على الأرض، وتوعَّدَ اللهُ مَن فَرَّ منهم يومَ بَدْرٍ بالغضبِ وعذابِ جهنمَ.
الفِرارُ يومَ الزَّخفِ:
والفرارُ مِن الزحفِ مِن الكبائرِ؛ كما في ظاهرِ الآية، وقد عَدَّهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مِن السَّبْعِ المُوبِقاتِ؛ كما في "الصحيحَينِ"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ رضي الله عنه؛ قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ:(الشِّرْكُ بالله، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلَّا بِالحَقّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَاَكْلُ مَالِ اليَتِيم، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْف، وَقَذْفُ المحْصَنَاتِ المُؤمِنَاتِ الغَافِلَاتِ)(1).
ويدُلُّ على عِظَمِهِ ما جاءَ في السُّنَّة، مِن قولِهِ صلى الله عليه وسلم:(مَنْ قَالَ: أَسْتَغفِرُ اللهَ الَّذِي لَا إلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيِّ الْقَيُّومَ وَأتُوبُ إِلَيْه، غُفِرَ لَه وَإِن كَانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ)(2)، وما جُعِلَ الفِرارُ مِن الزحفِ مِثالًا إلَّا لعِظَمِهِ عندَ اللهِ.
التحيُّزُ والتحرُّفُ عندَ لِقاءِ العدوِّ:
وأَذِنَ اللهُ للمؤمنينَ باستدبارِ المشرِكِينَ بلا فِرَارٍ على حالَيْنِ:
الأُولى: أنْ يكونوا مُتَحرِّفينَ، كما في قولِهِ:{إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ} ، والمتحرِّفُ مِن الانحرافِ الدي يُريدُ أنْ يَدُورَ على عَدُوِّهِ مِن جهةٍ وناحيةٍ
(1) أخرجه البخاري (2766)، ومسلم (89).
(2)
أخرجه أبو داود (1517).
أخرى، وليس استدبارُهُ لعدوِّه هروبًا منه، ولكنِ التفافًا عليه مِن جهةٍ هي أشَدُّ إثحانًا للعدوّ، وأكثرُ أمانًا للمؤمنِ.
ومِن ذلك الذي يُبدِي للعدوِّ الفِرارَ لِيَستدرِجَهُ إلى كَمِينٍ ليُثخِنَ فيه، ويُصيبَ مه ما لا يُصِيبُهُ منه عندَ اللِّقاء، نصَّ على هذا سعيدُ بن جُبَيرٍ وغيرُه (1).
الئانيهُ: أنْ يكونوا مُتحيِّزينَ؛ كما في قولهِ: {أَو مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ} ، والمتحيِّزُ المُنحازُ إلى جماعةٍ أخرى مِن المؤمنينَ يَستكثِرُ بها على العدوّ، ويجوزُ التحيُّزُ إلى فئةٍ أخرى ولو كانتْ بعيدةً؛ كما فسَّرَ ذلك عمرُ بن الخطَّابِ في الآيةِ لمَّا قُتِلَ أبو عُبَيْدٍ في أرضِ فارسَ وعمرُ في المدينةِ؛ فقد روى أبو عثمانَ النَّهْدِيُّ، عن عمرَ؛ قال: لمَّا قُتِلَ أبو عُبيدٍ، قال عمرُ:"أيُّها الناسُ، أنا فِئَتُكم"(2).
وقال عبدُ المَلِكِ بن عُمَيْرٍ: قال عمرُ: "أيُّها الناسُ، لا تَغُرَّنَّكُمْ هذه الآيةُ؛ فإنَّما كانتْ يومَ بدرٍ، وأنا فئةٌ لكلِّ مسلمٍ"(3).
وليس للمؤمنينَ أنْ يَبْقَوْا في مُقابِلِ عدوٍّ لا قِبَلَ لهم به حتى يَسْتَأْصِلَهُمْ جميعًا، ولا يكونُ منهم عليه أثرٌ أو بأسٌ، ويُروى عن النَّخَعيِّ؛ قال:"بَلَغَ عُمَرَ أن قَوْمًا صَبَرُوا بِأذرَبِيجَانَ حَتَّى قُتِلُوا، فَقَالَ عُمَرُ: لَو انحَازُوا إِلَيَّ، لَكُنْتُ لَهُمْ فِئَةً"(4).
وفي "الصحيحَيْن"، عن البَرَاء، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ: أَكُنْتُمْ فَرَزتُمْ يَا أَبَا عُمَارَةَ يَوْمَ حُنَينِ؟ قَالَ: لَا وَالله، مَا وَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شبَّانُ أصْحَابِهِ وَأَخِفَاؤُهُمْ حُسَّرًا لَيْس بِسِلَاحٍ، فَأَتَوا قَوْمًا رُمَاةً؛
(1)"تفسير ابن كثير"(4/ 27).
(2)
"تفسير الطبري"(11/ 80).
(3)
"تفسير ابن أبي حاتم "(5/ 1671).
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(33689).
جَمْعَ هَوَازِنَ وَبَنِي نَصْرٍ، مَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ، فَرَشقُوهُمْ رَشْقًا مَا يَكَادُونَ يُخطِئُونَ، فَأقبَلُوا هُنَالِكَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم -وَهُوَ عَلَى بَغلَتِهِ البَيْضَاء، وَابْنُ عَمِّهِ أَبُو سُفيَانَ بْنُ الحَارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ يَقُودُ بِه، فَنَزَلَ وَاسْتَنصَرَ، ثُمَّ قَالَ:(أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الَمُطلِبْ)، ثُمَّ صَفَّ أصْحَابَهُ (1).
ولا يجوزُ تحيُّزُ جماعةٍ إلى فئةٍ يَترُكونَ جماعةً أخرى يَنفرِدُ بهم العدوُّ فيَقتُلُهم، ولو بَقُوا معهم لَثَبَّتُوهُم وقَوُوا على العدوِّ، إلَّا عندَ عجزِ الجماعتَيْن، فيجوزُ تحيُّزُ إحداهُما إلى فئةٍ مسلمةٍ أُخرى.
وإنْ قدَرُوا بأنفُسِهم والْتَقَوْا بالمشرِكينَ، كان الأَولى لهم عدمَ التحيُّزِ لفئةٍ بعيدةٍ عنهم، وقد كان عمرُ يزجُرُ مَن كانتْ حالُهُ كذلك؛ كما رَوَى عبدُ الرحمنِ بن أبي لَيلى:"أَنَّ رَجُلَين فَرَّا يَوْمَ مَسْكَنٍ مِنْ مَغْزَى الْكُوفَة، فَأَتَيَا عُمَرَ، فَعَيَّرَهُمَا وَأخَذَهُمَا بِلِسَانِهِ أَخْذًا شَدِيدًا، وَقَالَ: فَرَرْتُمَا؟ ! وَأرَادَ أن يَصْرِفَهُمَا إِلى مَغْزَى الْبَصْرَة، فَقَالَا: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، لَا، بَل رُدَّنَا إلَى المَغْزَى الَّذِي فَرَزنَا مِنْهُ؛ حَتَّى تَكونَ تَوْبَتُنَا مِنْ قِبَلِهِ"؛ رواهُ ابنُ أبي شَيْبَةَ (2)، وفي سماعِ ابنِ أبي لَيْلَى مِن عمرَ خلافٌ، ولكنَّه يَروي عن طبقةِ عاليةٍ عنه.
وتقديرُ القُدْرةِ على الكافرِ يَرجِعُ إلى المُجاهِدِ واجتهادِهِ تجرُّدًا، لا عن هَوَى وأثَرَةٍ؛ وبهذا فال غيرُ واحدٍ مِن العلماءِ؛ كالحاكمِ وغيرِه.
واختلَفَ العلماءُ في الفئتَيْنِ: المُنحازةِ والمُنحازِ إليها: أيَعُودُونَ إلى لقاءِ الكفارِ أم لا؟ على قولَيْنِ.
(1) أخرجه البخاري (2930)، ومسلم (1776).
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(33696).