الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعنادِهم، ويُروى عنه صلى الله عليه وسلم قولُهُ:(اسْتَوْصُوا بِالأُسَارَى خَيْرًا)(1)؛ ولذا قال مالكٌ لمَّا سُئِلَ عن تعذيبِ الأسيرِ؟ قال: ما سَمِعْتُ بذلك (2).
وإنَّما الثابتُ عن بعضِ الصحابةِ مَسُّ قِلَّةِ منهم؛ لاستظهارِ شيءٍ عظيمٍ يُبطِنونَهُ؛ كما يأتي بيانُ ذلك بشروطِه.
وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يحذِّرُ مِن تعذيبِهم، وقد صحَّ في مسلمٍ؛ مِن حديثِ عُرْوةَ بنِ الزُّبَيْرِ؛ قال: مَرَّ هِشَامُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ عَلَى أُنَاسٍ مِنَ الْأَنْبَاطِ بِالشَّام، قَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْس، فَقَالَ: مَا شأْنُهُمْ؟ قَالُوا: حُبِسُوا فِي الْجِزْيَة، فَقَالَ هِشَامٌ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا)(3).
ورأى الرسولُ أُسَارى بني قُرَيْظةَ في حَرِّ الشَّمْسِ؛ فقال: (أَحْسِنُوا إِسَارَهُمْ، وَقَيِّلُوهُمْ، وَأَسْقُوهُمْ حَتَّى يُبْرِدُوا؛ لَا تَجْمَعُوا عَلَيْهِمْ حَرَّ الشَّمْسِ وَحَرَّ السِّلَاحِ)(4).
ولمَّا فتَحَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم القَمُوصَ حِصْنَ ابنِ أبي الحُقَيْق، نمَّ مَرَّ بلالٌ بصَفِيَّةَ بنتِ حُيَيٍّ ومعَها ابنةُ عمٍّ لها، على قَتْلَى يهودَ، قال النبيُّ لبلالٍ:(أَنُزِعَتِ الرَّحْمَةُ مِنْ قَلْبِكَ حِينَ تَمُرُّ بالمَرْأَتَيْنِ عَلَى قَتْلَاهُمَا؟ ! )؛ رواهُ ابنُ إسحاقَ عن والدِه إسحاقَ بنِ يَسَارٍ (5).
حُكْمُ تعذيبِ الأسيرِ لإظهارِ أمرٍ:
وإذا كان لدى الأسيرِ أمرٌ يُخْفيهِ يَنتَفِعُ منه المسلِمونَ، فهل لهم تعذيبُهُ؟ :
(1) أخرجه الطبراني في "المعجم الصغير"(409).
(2)
"التاج والإكليل، شرح مختصر خليل"(3/ 353).
(3)
أخرجه مسلم (2613).
(4)
"مغازي الواقدي"(2/ 514).
(5)
"شرح الزرقاني على المواهب اللدنية"(3/ 273).
قد اختُلِفَ في ذلك، والأظهَرُ جوازُ تعذيِبهِ بشروطٍ ثلاثةٍ:
الشرطُ الأوَّلُ: أنْ يَغلِبَ على الظنَّ وجودُ أمرٍ لَدَيْه، ولا يكونَ ذلك مِن الشكِّ المجرَّدِ والظنِّ القليل، وهذا يُعرَفُ بحسَبِ حالِ الأسيرِ؛ فالجنودُ يَختلِفونَ عن القادةِ الكِبَار، وعَوَامُّهم يَختلِفونَ عن أُمَناءِ أَسْرارِهم، ولا يجوزُ تعذيبُ الواحدِ منهم بالظنِّ والتوهُّمِ المجرَّدِ لاستظهارِ ما يُخْفيهِ؛ فذلك محرَّمٌ.
الشرطُ الثاني: أن يكونَ ما يُخْفِيهِ ينفَعُ المُسلِمينَ لو أظهَرَهُ، وليس ممَّا يُحفيهِ ونَفْعُهُ قليلٌ لا يتعلَّقُ بنُصْرةِ المؤمِنينَ، ولا يَحفَظُ دِماءَهم، ولا يَصُونُ أعراضَهم.
ولا يخلو أسيرٌ مِن سِرٍّ يُخْفِيه، ولم يعذِّبِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ولا أصحابُهُ مِن بَعْدِهِ أسيرًا على كلِّ ما يُخْفيهِ؛ لأنَّه ما كلُّ سرٍّ يُعذَّبُ عليه، ويُستَباحُ بمِثْلِهِ المحرَّمُ، فليس كلُّ مَن جازَ قتلُه جازَ تعذيبُه، فاللهُ أجازَ أَكْلَ لحم بهيمةِ الأنعامِ والطُّيورِ وغيرِها بقَتْلِها، وحرَّمَ تعذيبَها وشَدَّدَ في ذلك، فحِلُّ القتلِ لا يَعني حِلَّ التعذيب، وقد منَعَ مالكٌ مِن قتلِ الأسيرِ في وسطِهِ بسهمٍ أو رُمْحٍ؛ وإنَّما يكونُ بضربِ الرِّقَابِ؛ أعجَلَ له وأحسَنَ في قِتْلَتِه؛ ولهذا قبل لمالكٍ: أيُضرَبُ وَسَطُهُ؟ فقال: "قال اللهُ: {فَضَرْبَ الرِّقَابِ} [محمد: 4]، لا خيرَ في العبَثِ"(1)؛ فسمَّاهُ عبَثًا.
الشرطُ الثالثُ: ألَّا يَطُولَ التعذيبُ عن حَدِّهِ الذي يُناسِبُ حالَ الأسيرِ وما يُخْفيه، ولا يجوزُ ربطُ انقطاعِهِ بيانِ ما يَغلِبُ على الظنِّ أنه يُخْفيه، فقد يَدفَعُ التعذيبُ الأسيرَ إلى الإقرارِ بما لم يَفعَل، ويقولُ على نَفْسِهِ الكذبَ لِيَرتفِعَ عنه العذابُ، فيَأثَمُ مَن عذَّبَهُ مِن جهتَيْنِ: مِن جهةِ تعذيبِه، ومِن جهةِ حَمْلِهِ على أن يَقولَ غيرَ الحقّ، فيُؤخَذَ به.
(1)"التاج والإكليل، شرح مختصر خليل"(3/ 353).
وقد روى مسلمٌ في "صحيحِه"، عن أنسٍ؛ أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم شَاوَرَ حِينَ بَلَغَهُ إِقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ.
فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ عُمَرُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ: إِيَّانَا تُرِيدُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِه، لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا الْبَحْرَ لَأَخَضْنَاهَا، وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَدَهَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ لَفَعَلْنَا، قَالَ: فَنَدَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم النَّاسَ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى نَزَلُوا بَدْرًا، وَوَرَدَتْ عَلَيْهِمْ رَوَايَا قُرَيْشٍ، وَفِيهِمْ غُلَامٌ أَسْوَدُ لِبَنِي الْحَجَّاج، فَأَخَذُوهُ، فَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُونَهُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ وَأَصْحَابِه، فَيَقُولُ: مَا لِي عِلْمٌ بِأَبِي سُفْيَانَ، وَلَكِنْ هَذَا أَبُو جَهْلٍ، وَعُتْبَةُ، وَشَيْبَةُ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، فَإذَا قَالَ ذَلِكَ ضَرَبُوهُ، فَقَالَ: نَعَمْ، أَنَاَ أُخْبِرُكُمْ، هَذَا أَبُو سُفْيَانَ، فَإِذَا تَرَكُوهُ فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: مَا لِي بِأَبِي سُفْيَانَ عِلْمٌ، وَلَكِنْ هَذَا أَبُو جَهْلٍ، وَعُتْبَةُ، وَشَيْبَةُ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، فِي النَّاس، فَإِذَا قَالَ هَذَا أَيْضًا ضَرَبُوهُ، وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَائِمٌ يُصَلِّي، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ انْصَرَفَ، قَالَ:(وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه، لَتَضْرِبُوهُ إِذَا صَدَقَكُمْ، وَتَتْرُكُوهُ إِذَا كَذَبَكُمْ)(1).
وقد رواهُ ابنُ إسحاقَ، عن يَزِيدَ بنِ رُومانَ، عن عُرْوةَ (2).
وهذا ظاهرٌ في أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم إنَّما أنكَرَ عليهم طُولَ الضَّرْبَ طويلًا؛ كأنَّهم يُريدونَ منه الإقرارَ ولو بالكَذِبِ؛ فإنَّ الأسيرَ إذا ظَنَّ أنْ لا سلامةَ إلَّا بكَذِبِهِ كَذَبَ، وبظاهرِهِ يُؤخَذُ جوازُ الضَّرْبِ بالشروطِ السابقةِ.
وقد بوَّب أبو داودَ على حديثِ أنَسٍ لمَّا أخرَجَهُ (3): (بابٌ في الأسيرِ يُنالُ منه ويُضرَبُ ويُقرَّرُ)، ومنه أخَذَ الجوازَ جماعةٌ؛ كالخطَّابيِّ (4)، والنوويِّ (5)، وغيرِهما.
(1) أخرجه مسلم (1779).
(2)
"سيرة ابن هشام"(1/ 616).
(3)
"سنن أبي داود"(2681).
(4)
"معالم السنن"(2/ 286).
(5)
"شرح النووي على مسلم"(12/ 126).
وقد رَوى البيهقيُّ؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ، في قصَّةِ فتحِ خَيْبَرَ:"فَصَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يُجْلَوْا مِنْهَا، وَلَهُمْ مَا حَمَلَتْ رِكَابُهُمْ، وَلرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الصَّفْرَاءُ وَالْبَيْضَاءُ، وَيَخْرُجُونَ مِنْهَا، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَلَّا يَكْتُمُوا وَلَا يُغَيِّبُوا شَيْئًا، فَإِنْ فَعَلُوا، فَلَا ذِمَّةَ لَهُمْ وَلَا عَهْدَ، فَغَيَّبُوا مَسْكًا فِيهِ مَالٌ وَحُلِيٌّ لِحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ كَانَ احْتَمَلَهُ مَعَهُ إِلَى خَيْبَرَ حِينَ أُجْلِيَتِ النَّضِيرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِعَمِّ حُيَيٍّ: (مَا فَعَلَ مَسْكُ حُيَيٍّ الَّذِي جَاءَ بِهِ مِنَ النَّضِيرِ؟ )، فَقَالَ: أَذْهَبَتْهُ النَّفَقَاتُ وَالْحُرُوبُ، فقال: "الْعَهْدُ قَرِيبٌ، وَالمَالُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ"، فَدَفَعَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الزُّبَيْر، فَمَسَّهُ بِعَذَابٍ، وَقَدْ كَانَ حُيَيٌّ قَبْلَ ذَلِكَ دَخَلَ خَرِبَةً، فَقَالَ: (قَدْ رَأَيْتُ حُيَيًّا يَطُوفُ فِي خَرِبَةٍ هَاهُنَا)، فَذَهَبُوا وَطَافُوا، فَوَجَدُوا المَسْكَ فِي الْخَرِبَةِ"(1).
وأصلُهُ عندَ أبي داودَ (2)، وليس فيه:"مَسَّهُ بعذابٍ"، وعزَاهُ بعضُهم إلى البخاريّ، وليس كذلك؛ وإنَّما الذي فيه طَرَفُهُ.
وفي هذا الحديثِ أنه وقعَتِ القرينةُ، وغلبَ الظنُّ على الكتمان، والمالُ كثيرٌ لا قليلٌ؛ تَقْوى به شوكةُ المُسلِمينَ، وسَلْبُهُ يَكسِرُ شَوْكةَ عدوِّهم، وقد ذكَرَ بعضُ أهلِ السِّيَرِ كالواقديِّ أنَّ كَنْزَ آلِ أبي الحُقَيْقِ عظيمٌ، فقد كان الحُلِيُّ في أوَّلِ الأمرِ في مَسْكِ حَمَلٍ، فلمَّا كَثُرَ جعَلُوهُ في مَسْكِ ثَوْرٍ، ثم في مَسْكِ جمَلٍ، وكان ذلك الحُلِيُّ يكونُ عندَ الأكابرِ مِن آلِ أبي الحُقَيْق، وكانوا يُعِيرونَهُ العرَبَ (3).
ولمَّا انتَفَتْ قرينةُ نَفادِهِ وإهلاكِه، غلَبَ على الظنِّ كِتمانُهُمْ له، فمَسَّهم الزُّبَيْرُ بشيءٍ مِن العذابِ.
(1) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(9/ 137).
(2)
أخرجه أبو داود (3006).
(3)
"مغازي الواقدي"(2/ 671).